جمال الدين الافغاني

د. ميسون البياتي
منذ بداية القرن 20 أصبح الصراع الأمريكي البريطاني على أشده في منطقة شبه القاره الهنديه ولهذا كان يجب صناعة الرموز التي تقاوم الوجود البريطاني , وتعزيز مكانتها دولياً وبين أفراد الأمه , لتتحول قضاياها الى بؤر للصراع تؤدي بإسم الدين والمذهب والقوميه الى طرد المستعمر البريطاني وإحلال المستعمر الأمريكي محله

نبدأ من البنغال ونتابع كيف حصل طاغور ( ابراهيمي ) 1861_ 1941 على جائزة نوبل في الأدب بسبب روايته ( البيت والعالم ) التي تحدثت عن الحركه البنغاليه العنيفه ( سواديشي ) التي تدعو الى مقاطعة البضائع الإنكليزيه وإيجاد بدائل بنغاليه عنها . أثارت الروايه شجباً وإستنكاراً هندوسيين , تم لوم عائلة طاغور على ما فعل إبنها الذي استقل السفينه غاضباً وتوجه الى أوربا , وعبر الرحلة الطويله يتعرف على ( أحدهم ) ويحدثه عن روايته , فنال عنها جائزة نوبل في الأدب 1913 قبل صدور الروايه رسمياً ب 3 أعوام وعودته منصوراً الى البنغال لتأسيس مدرسه فلسفيه ( فيسفا بهاراتي ) أي الجامعه الهنديه للتعليم العالي في البنغال في إقليم شانتي نيكتان 1918 التي كان لها الدور الكبير حتى العام 1971 في فصل البنغال ( كدوله للطائفه الإبراهيميه ) عن الهند الهندوسيه

حسب كاتب سيرة محمد إقبال ( مستنصر مير ) فإن عائلة إقبال ( ابراهيميه _ هندوسيه ) تحولت إلى الإسلام حين عاشت في تبريز وفي مطلع القرن 19 عندما كانت منطقة كشمير تخضع لحكم السيخ هاجرت عائلة جده إلى البنجاب . ووفقاً للباحثة آن ماري شيميل كان إقبال يعتز بنفسه ويعّرف بها على أنه إبراهيمي من كشمير وأصله من تبريز
كيف تحول إقبال الى داعية إسلامي ؟ حين التحق بالكلية الحكومية في لاهور حيث درس الفلسفة والأدب الإنكليزي والعربي وحصل على بكالوريوس الآداب وتخرج بامتياز. حصل على ميدالية ذهبية لحصوله على المركز الأول في امتحان الفلسفة . وأثناء دراسته للحصول على درجة الماجستير وكان ساعياً الى الشهره والحصول على موقع في الحياة , وقع إقبال تحت تأثير السير توماس أرنولد ، عالم الإسلام والفلسفة الحديثة في الكلية . قام أرنولد بتعريف إقبال على الثقافة والأفكار الغربية وحثه على أن ينادي بإسلاميته لأن لها مستقبل في المنطقه , وعيّنه مدرساً للغة العربيه في الكلية الشرقية في لاهور ، ونشر كتابه الأول باللغة الأوردية عنوانه : ( معرفة الاقتصاد ) في عام 1903 وتكمن خطورة الكتاب في أن نفس موضوعه كتب فيه الماسونيان : محمد عبده وجرجي زيدان , ويظهر أن موضوعه كان من المقررات الثقافيه على من ينتمون الى الماسونيه رغم أن أحداً لم يسمِ إقبال ماسونياَ , مات قبل تقسيم الهند ب 10 سنوات لهذا أصبح محمد على جناح أول رئيس لباكستان وهو محامي تمت صناعته في لندن بنفس الشاكله

في الهند تم تصنيع غاندي زعيماً وطنياً في جنوب افريقيا وإعيد الى الهند ليتزعم حركة سلميه تنادي بإستقلال الهند عن بريطانيا وتم التمجيد بسلميتها متناسين أن الإحتجاج السلمي هو أخطر من الإحتجاج المسلح لأنه يهيء العقول ويجعلها على أهبة الإستعداد لحمل السلاح والإشتباك في أية لحظه . أما جواهر لال نهرو الثري جداً فتمت صناعته في أوربا أثناء زياراته الطويله جداً والمتكرره لعلاج زوجته ( المريضه ) وهكذا إشتعلت شبه القارة الهنديه وبعد تقسيم الكعكه أخذ كل واحد من هؤلاء نصيبه منها

كل هذه المقدمه الطويله كانت لغرض تبيان أصل جمال الدين الأفغاني , فحين قررت الولايات المتحده إشعال المنطقه برمتها تم البحث في أفغانستان عن نموذج يصلح أن تقتدي به الأمة الأفغانيه فلم يعثر على أحد بالمستوى المطلوب عندها تقرر إستثمار قيام جمال الدين بإستعمال لقب ( الأفغاني ) ضمن عشرات من الألقاب التي ألحقها بإسمه : الأسد آبادي , الكابولي , الرومي , سيد كونار , الحسيني وغيرها , ومن المحتمل أنه كان يتنقل في الشرق الأوسط بوثائق مزوره تبيح له حمل كل هذه الألقاب , فقام باحث أمريكي بالسفر الى تركيا والبحث عن قبر جمال الدين ( الأفغاني ) بعد نصف قرن على وفاته ( ولا أحد يعلم إن كان قد عثر عليه فعلاً ) توفي 1897 وحملت جثته أو سواها الى كابول 1944 لتدفن وسط جامعة كابول بصفته رمزاً وطنياً أفغانياً

جمال الدين الافغاني ايراني من قرية أسد آباد الإيرانيه قرب همدان يشهد على ذلك أن أهله جميعاً موجودون في ايران وليس في أفغانستان , وإن إسم والده هو ( صفدر ) ومعناها بالفارسيه هو : مفرق الجماعات , وعند الشيعه فإن صفدر هي صفه من صفات الإمام علي ولا يستعمل هذا الاسم غير الايرانيين , أضف على ذلك أن خادمه في مصر كان يدعى ( أبو تراب ) . وأخيراً الكتاب ( جمال الدين الأسد آبادي _ المعروف بالإفغاني ) الذي ألفه ابن أخته ( ميرزا لطف الله خان) الذي كشف فيه حقيقة أهل جمال الدين الإيرانيه , وآخراً الإثبات الرسمي الذي لا يقبل الدحض وهو حيازة الحكومه الإيرانيه على إرثه الشخصي من كتب ورسائل ومناظرات ومحاضرات أغلبها مكتوبة بخط يده

ولد جمال الدين في قرية اسد آباد قرب همدان عام 1838 درس في طفولته في بيت الأسره ثم اصطحبه والده الى قزوين حيث انتسب الى المدرسه الصالحيه التي يملكها ويديرها السيد محمد صالح البرغاني والد السيده الطاهره قرة العين البابيه , بعدها انتقل بعمر مبكر الى النجف وكربلاء ( كانت تحت السيطره العثمانيه ) حيث وكلاء وانصار الشيح احمد بن زين الدين الإحسائي مؤسس الشيخيه والسيد علي محمد شيراز مؤسس البابيه واعتناقه بعض من مبادئهما وآرائهما , طرد جمال الدين من النجف لأنه كان يظهر إفطاره أيام رمضان
إدعاؤه أنه أفغاني يغطي عدة أمور حيث ينفي عنه التشيع لكنه لا يقر له مذهباً أو وطناً في محاولة منه للتغلغل في الشرق الأوسط , أضف الى هذا أن افغانستان بلد ضعيف مقارنة بإيران ولن تقوم بتعقبه وهو يمارس نشاطاته

قبل بلوغه 20 من العمر سافر الى الهند البريطانيه وبقي فيها عدة سنوات حيث شكّت به السلطات البريطانيه أنه يعمل جاسوساً لصالح روسيا , وفي تقاريرهم عنه ثبتوا أن كان يتكلم الفارسيه والعربيه والتركيه بطلاقه , يرتدي أزياء تركيه , يدخن بشراهه ويشرب الكونياك

بمغادرة الهند ذهب لأداء الفريضة في مكه ومنها سافر الى مكان غير معلوم في الدوله العثمانيه ومنه انطلق الى افغانستان عام 1866 وفيها إدعى أنه رومي من القسطنطينيه , أمضى وقتاً في قندهار وغزنه وكابول وأصبح مستشاراً لملوك أفغانستان شجعهم على مناهضة البريطانيين وتقوية علاقاتهم مع الروس
ذكرت تقارير الحكومة البريطانية في الهند وأفغانستان أنه كان غريباً في أفغانستان ، ويتحدث اللغة الداريه بلكنة إيرانية ويتبع أسلوب الحياة الأوروبي أكثر من أسلوب حياة المسلمين ، ولا يصوم رمضان و لا يؤدي الشعائر الإسلامية الأخرى . في عام 1868 احتل شير علي خان عرش كابول ، وحسّن علاقته مع الروس وبسبب اعتراض بريطانيا وقعت الحرب البريطانيه الأفغانيه الثانيه ولشك شير علي بأدوارٍ جمال الدين الأفغاني يقوم بها خلال الحرب , أجبره على مغادرة البلاد
سافر إلى القسطنطينية ، مروراً بالقاهرة حيث مكث في القاهرة مدة كافية لمقابلة طالب شاب سيصبح تلميذاً مخلصاَ له هو محمد عبده . ثم انتسب الى محفل نجمة الشرق الماسوني الذي يتزعمه رافائيل بورغ القنصل البريطاني في القاهره في 7 تموز 1868 أثناء إقامته في القاهرة . كان رقم عضويته 1355 ثم أسس محفلاً ماسونياً في القاهرة ( كوكب الشرق ) وأصبح سيده الأول
ذهب إلى اسطنبول وطرد مرة أخرى في عام 1871 عندها انتقل إلى القاهرة لكنه أُجبر على مغادرتها بسبب أفكاره المتطرفه ليستقر في حيدر أباد بالهند عام 1879 ، ثم غادر الهند ماراً بمصر قبل وصوله إلى باريس عام 1884. وفي العام التالي انتقل إلى لندن ، ثم إلى روسيا وميونيخ
في عام 1884 ، بدأ بنشر جريدة عربية في باريس عنوانها : العروة الوثقى , بالتعاون مع محمد عبده . دعت الصحيفة إلى العودة إلى مبادئ ومثل الإسلام الأصليه ، وإلى وحدة أكبر بين الشعوب الإسلامية , لكن الجريده كانت تحفل بالكراهيه التقليديه لغير المسلمين في وقت تحث فيه على تعلم المعارف الغربيه لأنها تقوي المسلمين وكل ما كانت تدعو إليه هو الإطاحه بالحكام المتساهلين أو التابعين للغرب وإستبدالهم برجال أقوياء

وجّه المحفل الماسوني ( هنري الرابع ) الدعوه الى عبد القادر الجزائري (1808-1883) وهو عالم إسلامي جزائري وصوفي وقائد عسكري في عام 1864 للانضمام إلى الماسونيه فقبل الدعوه ، وبدأ يجتمع في محفل الأهرامات في الإسكندريه وكانت الدعوه بتأثير جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وكان الطموح من ورائها هو إقامة خلافه عربيه مقرها مكة لتحل محل السلطان العثماني في اسطنبول لأن عبد القادر الجزائري هو المرشح الواعد ( للخلافه ) حسب رأي الأفغاني وعبده

ذكر جرجي زيدان وهو ماسوني في كتابه ( تاريخ الماسونيه العام ) ص 200 أن الماسونيه دخلت دمشق بمساعي عبد القادر الجزائري وأن أول محفل ماسوني تأسس فيها هو محفل سوريا في شرق دمشق وكان الإعلام قد صنع هالة حول عبد القادر الجزائري فأقبلت الطبقه الراقيه للإنخراط في السلك الماسوني
خلال هذه الفتره رأى جمال الدين الأفغاني أن الهندوس والمسلمين يجب أن يعملوا معاً للإطاحة بالحكم البريطاني في الهند , لكن بريطانيا كانت قويه لا تغرب عن أرضها الشمس , ولم تثمر كل تلك المساعي في إزاحتها عن درة تاجها

ما جعلها تتنازل عن درة تاجها في الهند وتوافق على تقسيم فلسطين ثم تخرج من مصر والعراق والجنوب العربي ومشيخات الساحل المهادن وزنجبار وجنوب افريقيا وليبيا وايران وأفغانستان هي الديون التي اقترضتها من الأمريكان للدفاع عن وجودها في مستعمراتها , والتي بموجب تلك الديون , سلمت مستعمراتها تسليم يد .. للمستعمر الأمريكي لسداد الديون .. بالضبط كما فعل ديغول حين منح مستعمراته ( إستقلالها ) . فرق الإستعمار الأمريكي عن غيره أنه لا يجلب حاميه وجيش وحاكم عام , لكنه يقلب النظام ويحرق البلاد والعباد , يؤسس حكومه عميله ويغادر ليتحدث في إعلامه عن الديموكرسي وحرية الشعوب وحق تقرير المصير اللواتي بإسمهن إمتلآت الأرض بالفساد والإنقلابات والحروب من أجل أن لا يقف شعب على أرضه , ومن أجل نبيع خيراتنا ونشتري سلاح نقتل به أولادنا وأولاد جيراننا

د. ميسون البياتي

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.