جفاف دجلة يكشف عن المركز الحضري للإمبراطورية الميتانية بقلم : عضيد جواد الخميسي‎‎

بقلم : عضيد جواد الخميسي

أكتشف فريق مشترك من علماء الآثار ألمان ، وعلماء آثار من كردستان مدينة تقع على الجزء الشرقي من نهر دجلة في منطقة كمون تُنسب إلى الإمبراطورية الميتانية ، ويعود تاريخها الى حوالي 1400 قبل الميلاد . ظهرت المستوطنة بعد إنحسار مياه سدّ الموصل في وقت مبكر من هذا العام ؛ حيث انخفض منسوبه بسرعة بسبب الجفاف الشديد في العراق .

المدينة ذات المساحة الواسعة تضم قصراً كبيراً الذي أُكتشف في عام 2018م ، والعديد من المباني الكبيرة يمكن أن تكوّن في مجملها مدينة “زاخيكو القديمة” ، حيث يُعتقد أنها كانت موقعاً مهماً لدى الإمبراطورية الميتانية (حوالي عام 1550ــ 1350 قبل الميلاد) .

كما هو معروف ؛ أن العراق من أكثر دول العالم تأثراً بالتغير المناخي . ويعاني جنوب البلاد على وجه الخصوص من جفاف شديد منذ شهور عدة. ولمنع تلف المحاصيل الزراعية ، تم دفع كميات كبيرة من مخزون ماء سدّ الموصل منذ كانون الأول /ديسمبر العام الماضي الى الجنوب . وقد أدى انخفاض مستويات الماء دون المستوى القياسي إلى عودة ظهور المدينة عندما كانت مغمورة منذ عقود دون أي جهود تُذكر لدوائر الآثار العراقية .

جعل هذا الحدث الغير متوقع ؛ علماء الآثار تحت ضغط مفاجئ للتنقيب وتوثيق أكبر قدر مستطاع من المعلومات عن هذه المدينة الكبيرة والمهمة في أسرع وقت ممكن قبل إعادة غمرها بالماء.

عالم الآثار الكردي الدكتور “حسن أحمد قاسم” رئيس هيئة آثار كردستان ، وعلماء الآثار الألمان گن ـ پرف ، و البروفيسورة “إيفانا پولجيز” (جامعة فرايبورگ)، والبروفيسور “پيتر فزنير” (جامعة توبنگن) ، قرروا وبشكل سريع إجراء حفريات إنقاذ مشتركة في منطقة كمون. حيث تمّت تلك الفعاليات خلال شهري كانون الثاني ، وشباط من هذا العام ، وبالتعاون مع مديرية الآثار والتراث في محافظة دهوك (إقليم كردستان العراق).

تمّ تشكيل فريق عمليات الإنقاذ في غضون أيام ، وقد حصل الفريق على التمويل لإنجاز العمل خلال مدة قصيرة من مؤسسة “فرتز كسن” وبدعم من جامعة فرايبورگ . حيث كان الفريق الأثاري المشترك تحت ضغط زمني هائل، لأنه لم يكن معلوماً متى سترتفع مياه السدّ مرة أخرى .

في زمن قصير ؛ نجح الباحثون إلى حد كبير في رسم خريطة للمدينة. بالإضافة إلى القصر الذي أُكتشف في وقت سابق من عام 2018 وعدد من المباني الكبيرة الأخرى (تحصينات ضخمة بأسوار وأبراج) ، ومبنى مستودع ضخم متعدد الطوابق ومجمع صناعي . ويعود تاريخ هذا المجمّع الحضري الواسع إلى زمن الإمبراطورية الميتانية ، والتي كانت تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال بلاد الرافدين وسوريا.

أدلت البروفيسورة إيفانا پولجيز بالتصريح التالي :

“إن مبنى المستودع الضخم له أهمية خاصة ؛ لأنه لا بد من أن كميات هائلة من السلع والبضائع كانت تُخزّن فيه ، وربما يتم جلبها من أنحاء مختلفة بالمنطقة”.

وأختتم الدكتور حسن قاسم قائلاً: “أظهرت لنا نتائج التنقيبات ؛ أن الموقع كان مركزاً مهماً لدى الإمبراطورية الميتانية “.

لقد ذُهل فريق البحث من حالة الجدران المحفوظة جيداً والتي يصل ارتفاعها في بعض الأجزاء إلى أمتار عدة ؛ على الرغم من حقيقة أن الجدران مشيدّة من الطابوق الطيني المجفف بأشعة الشمس ، وكانت تحت الماء لأكثر من 40 سنة . ويعود السبب في الحفاظ على بعض الجدران بحالة جيدة ؛ إلى أن المدينة قد دُمرّت بزلزال قرابة عام 1350 قبل الميلاد ، حيث طَمرت الأجزاء العلوية المنهارة من الجدران هياكل الأبنية السفلية .

ومن الأمور ذات الأهمية الخاصة؛ اكتشاف خمسة أواني خزفية تضّم بداخلها على أكثر من 100 لوح مسماري ، ويعود تاريخها إلى الفترة الآشورية الوسطى ، وذلك بعد زمن قصير من وقوع كارثة الزلزال في المدينة. حتى أن بعض الألواح الطينية التي قد تكون رسائل لا تزال في مظاريفها الطينية. ويأمل الباحثون أن يوفر هذا الاكتشاف معلومات مهمة حول نهاية الفترة الميتانية وبداية الحكم الآشوري في المنطقة.

قال البروفيسور پيتر فزنير: “إنها معجزة ؛ كون الألواح المسمارية المصنوعة من الطين غير المفخور لازالت محتفظة بشكلها رغماً من مكوثها لعقود عدة تحت الماء”.

و لتجنب المزيد من الأضرار التي لحقت بالموقع المهم بسبب ارتفاع منسوب المياه ؛ تم تغطية المباني المحفورة بالكامل بأغطية بلاستيكية محكمة الغلق واكسائها بالحصى كجزء من مشروع ترميم شامل ممول من مؤسسة “گيردا هنكل” .

ويهدف هذا الإجراء إلى حماية جدران الطين الغير المفخور، وأي موجودات أخرى لا تزال تحت الأنقاض خلال مواسم الفيضانات . كما يشار إلى أن الموقع الآن مغمور بالماء كاملاً مرة أخرى .

المصدر ـ جامعة توبنگن

البروفيسورة إيفانا پولجيز

جامعة فرايبورگ ــ معهد علوم الآثار

قسم آثار و آشوريات الشرق الأدنى

البروفيسور پيتر فزنير

معهد دراسات الشرق الأدنى القديم بجامعة توبنگن
(IANES)
علم آثار الشرق الأدنى

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.