جريمة شرف عبارة شنيعة يتبناها السوريون

بعد أن قام بسحلها على الطريق في عزّ النهار لعشرات الأمتار؛ ووصل بها إلى ساحة القرية، انتظر بضع ثوان كي يلتقط آخر إشارة من عقله؛ ثم قام بضربها بـ«الشاكوش» على عنقها ورأسها ست ضربات متتالية، كانت الضربة الأولى منها كفيلة بإنهاء حياتها، وتكفلت باقي الضربات بتهشيم جثتها وإغراقها في الدماء!
«ن.خ»، التي لم يشفع لها عمرها البالغ 38 عاماً لتقرر مصيرها؛ ماتت في حفلة دماء مجلجلة على يد شقيقها وأمها وخالها، من دون أن تستطيع الدفاع عن وجودها ومشاعرها، ولم يكن هناك شاهد واحد على نظراتها الأخيرة.

هل للجريمة شرف؟!

«جريمة شرف»! ما الذي كان يفكر به أوّل من ابتكر تلك العبارة الشنيعة؟ ثم من تبنّوها – ولا يزالون – لتبرير أفعال وحشية؟! بل كيف يستطيع البعض استساغة الجملة أصلاً، ويألفون سماعها؟ في كل مرة تقال هذه العبارة، نحن على موعد مع جريمة ضحيتها أنثى، تُقتل – غالباً – على يد أخيها، أو أبيها، أو حتى زوجها، قصاصاً لـ«ذنب» لم ترتكبه، أو «ارتكبته».
أما أشد ما يثير الصدمة، فعبارات التمجيد والامتداح التي تُقال لمرتكب هذه الجريمة، وكأنه حقق نصراً لمجتمع كامل!

العرف الاجتماعي – العربي عموماً، والسوري ضمناً – يبرر ما يسمى «جرائم شرف»، ويُشرعنها، باعتبارها «من صلب العادات الشرقية لحفظ الكرامة وغسل العار»، حتى وإن ارتُكبت على سبيل الاحتمال لا التأكيد!

ولمجرد الشك بقيام فتاة أو امرأة بأي عمل «خاطئ أخلاقياً» من وجهة النظر الذكورية، بات قتلها جائزاً – لا بل واجباً – بمختلف الطرق وأبشعها: خنقاً أو طعناً أو رجماً، أو غير ذلك.

حلقة في سلسة
أمسك بها من شعرها، وساعده خالها على إحكام وثاقها، وسحلها. ولما وصل إلى مكان قابل للعرض؛ هوى على جسدها الضعيف بسكين مسنونة بإحكام، وراح يمزق الجلد الغض، من دون أن يمنع الحاضرين من عد الطعنات: عشر، عشرين، ثلاثين.. حتى وصل إلى ست وثلاثين طعنة، ملأت إثرها الدماء الطريق أمام المتفرجين.

كانت صرخاتها الأولى تطلب الرحمة من جلاديها، وتبعتها نظرات غائمة نحو ذلك السيرك الذي يتمتع بحرارة الدم النازف، من دون أن يفعل شيئاً. بضع دقائق أخرى، وبعدها لا شيء… حقاً كأن شيئاً لم يحدث!
انتهت تلك الجريمة بسيارة إسعاف نقلت الجثة نحو المشفى العام، وخبر عاجل عن «جريمة شرف» جديدة في إحدى مناطق ريف السويداء الجنوبي.

«جريمة الشرف» والقانون
لا يحق لأحد الاعتراض، والتشكيك، أو حتى اللجوء إلى القانون ضد هذه العمل العنيف، ذلك أن القانون السوري (عقوبات) وفي المادة 192 يتحدث عما كان يُسمى «الدافع الشريف»، الذي يقدره القاضي بحيث يخفف عقوبة الجريمة المرتكبة إلى الحبس البسيط، الذي يبلغ زمناً أقصاه سنتان. وتم التكييف القانوني للجريمة، وفق المادة الملغاة حديثاً 548 من القانون نفسه، التي تقول بـ«الحبس من 3 إلى 5 سنوات لمن يضبط زوجته أو أخته أو فروعه في جرم الزنى المشهود أو الصلة الجنسية الفاحشة»، ليستفيد المجرم من عذر مُخفف عن جريمته. مع الانتباه إلى أن تكييف القانون لتلك الجريمة، نابع من «تقدير الغضب الشديد الذي يعتري الإنسان في تلك الأوضاع»، فالغضب الشديد المُفقد للتركيز، والسُكر الشديد مثلاً، يُعتبران من الأعذار المُخففة أو المُسقطة للعقوبة.

تسعة عشر جريمة مُعلنة!
وثقت مواقع إخبارية مهتمة 19 «جريمة شرف» مُعلنة ارتكبت خلال العام الحالي في سوريا، في محافظات ومناطق عديدة، بمعدّل تقريبي بلغ 1.75 جريمة شهريّاً، تُضاف إليها ست «جرائم شرف» ارتكبها سوريون في الخارج بمعدل جريمة كل شهرين تقريباً، فيما يقارب المعدل الإجمال (بين الداخل والخارج) 2.75 جريمة شهريّاً. ومن يدري ما هو العدد الحقيقي للضحايا في المناطق النائية، أو المتكتم عنها، بما يجعل الإحصاء الدقيق مستحيلاً، مع الإشارة إلى تسجيل اختفاء كثير من الفتيات في ظروف غامضة، ما يترك الباب مفتوحاً امام احتمالات وقوعهنّ ضحايا «جرائم شرف»، ودفن أو إخفاء جثثهنّ بلا ضجة

من اللافت للنظر أن أيّاً من الحالات التي وُثقت، لم يتم ضبطها تقوم بـ«فعل الزنى المشهود، أو الاتصال الجنسي الفاحش». ترافقت بعض تلك الجرائم إما مع قتل الأولاد، أو انتحار الفاعل، ما يدلل على عمق الاضطراب النفسي، وحجم المرض العقلي المصاحب لتلك الحالات.

نشاطات غير كافية
مع تصاعد النشاط النسوي والمدني في خضم المأساة السورية؛ تزايدت النداءات لوقف مثل هذه الأعمال الجرمية، وخاصة بعد رفع يد القانون في أغلب دول العالم عن إيجاد العذر المخفف لهذا النوع من الجرائم. ونُفذت وقفات تضامنية، ونشاطات للاحتجاج على هذه الأفعال، كانت آخرها في محافظة السويداء بتاريخ 19 تشرين الثاني، أمام القصر العدلي، ورفع المُحتجون شعارات عدة مثل «ليس للجريمة شرف»، و«نطالب بقانون أكثر عدلاً». لتبقى مثل هذه النشاطات ذات أثر محدود، تلفت النظر باستمرار إلى هذا النوع من الجرائم، ولا تُحدث تغييراً حقيقياً.
التغيير المنشود لوضع حد لمثل هذه الجرائم يقع بطبيعة الحال على القوانين، لكن، وبدرجة أكبر، تبرز عوامل أخرى شديدة الأهمية، مثل رفع الوعي، والتعليم المنهجي والمدروس لاجتثاث تلك الأفكار، فقسوة العقوبة لن تكون كفيلة وحدها بردع القاتل، الذي سيكون «فخوراً» بقضاء بعض، أو الكثير من السنوات في السجن، لأنه «غسل عاره واستعاد شرفه المسلوب».

About عبدالله حسين

أنا عبدالله حسين. مواليد الحسكة عام 1972تخرجت من الجامعة كلية الأداب والعلوم الإنسانية قسم صحافة جامعة دمشق عملت مدرس لدى وزارة التربية في محافظتي إدلب والحسكة غادرت سوريا في بدايات عام 2012لأسباب معروفة مقيم في تركيا حاليا وشكرا.
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.