جدل في الدولة القومية والدولة الإنسانية

رسلان عامر

ردا على تعليق
” ARAS “
في ‏08‏/11‏/2020، الناقد لمقالي “هل يحق للأكراد أن يكوّنوا دولة؟“، المنشور على “مفكر حر” في ‏14‏/11‏/2019.

لم أكن بداية أنوي كتابة مقال للرد على التعليق المذكور، ولكن ضرورة الرد بشكل واضح في مسألة حساسة كالقومية عموما، وما يرتبط بها من مشاكل خطيرة في المنطقة العربية خصوصا، جعلت الرد يبلغ حجم المقال، لذلك فضلت نشر الرد كمقال منفصل، فهو بهذا الشكل سيكون أنسب للوصول إلى القراء، ويخدم أكثر الغاية منه.. الناقدة “للقومية السياسية” و”تسييس القومية”.

1- يقول كاتب التعليق “أن سعي الكورد لتحرير أرضهم وللاستقلال من محتلي وطنهم ولتكوين دولتهم القومية الخاصة بهم وتضم خمسة أجزاء من كوردستان المحتلة يأتي استجابة لحق عادل وقانوني أقرته عصبة الأمم التي ورثتها الأمم المتحدة منذ 1920 أي قبل القضية الفلسطينية بما يقارب 30سنة، وهي ليست قضية 3 ملايين إنما قضية 70 مليون كوردي بدون وطن حر مستقل…”
فيما يتعلق بـ “حق تقرير المصير”، نعم.. الحق تم إقراره من قبل الأمم المتحدة، وهو حق إيجابي من الناحية الأخلاقية المجردة، بلا شك، ولكنه ليس كذلك من الناحية العملية،لأن مصطلح “شعب” بحد ذاته فضفاض في مفهومه، ولأن الوقائع على الأرض تختلف كثيرا عن المفاهيم المجردة حيث تتداخل الشعوب ديموغرافيا واجتماعيا، وتختلط ويصبح الفصل الجغرافي بينها أمرا يتطلب الكثير من القسر والعنف، ويتسبب بصراعات حادة، وتكون مخاطره عالية، وهو لا يجلب الخير للشعوب بقدر ما يجلب لها الشر والدمار، عدا عن ذلك، فلو أن كل قومية، كبرت أو صغرت، في العالم شكلت دولة مستقلة، لتضاعف عدد الدول في العالم أضعافا، وتشرذم العالم، وغرق في الصراعات والخلافات والتوترات القومية وتداعياتها.. وعدا عن ذلك فهو أيضا سيغرق في التعقيدات العملية التي ينشئها وجود هذه الدول كبنى سلطوية وبيروقراطية في وجه كافة أنواع التفاعل والتبادل والتنقل بين الناس من دول مختلفة.. ما يعني في الخلاصة أن حق تقرير المصير يبقى حقا مبهما فضفاضا، ومفاعيله العملية متدنية المأمونية، وقيمته الفعلية اعتبارية أكثر منها قانونية ومنطقية بكثير!

2- يحمل التعليق لهجة اتهامية مقيتة، ويربط بشكل مجاني عجائبي”ما أنزل به الله من برهان” بين فكرة الدولة الإنسانية الحديثة وبين شخصيات زعامية، وبين النازيين والبعثيين والدواعش والآيات الشيطانية، ولا ينقصه بعد لكي تكتمل “خبصته” هذه.. إلا أن يضيف ألف ليلة وليلة وسندباد وربما هاري بوتر ومارلين مونرو وهيفاء وهبة، وهلم جرى.. فهكذا تكتمل تلك “الخبصة”!!! الدولة الحديثة هي مفهوم حديث في السياسة ولا علاقة لها بأي شخصيات زعامية دولية أو محلية، وهي حالة متقدمة من التطور الاجتماعي والسياسي السليم في المجتمعات العصرية في العالم المعاصر، وفيها تلعب العوامل الثقافية والاقتصادية أدوارا جوهرية، وهذه الحالة هي حالة تجاوز للدولة القومية.. التي لعبت فيها البرجوازيات المحلية في القرن التاسع عشر دورا كبيرا في نشأتها، ثم تخلت عنها.. بل انقلبت عليها في المرحلة اللاحقة التي خرجت فيها هذه البرجوازية من إطار الدولة المحلية إلى النطاق الدولي أو العالمي، وبلغت فيها هذه البرجوازية مرحلة “الإمبريالية”، وقد ترافق وتواكب هذا أيضا مع تطور ثقافي وفكري سياسي، غير مفصول عن هذا التطور في الرأسمالية.. ولكن بنفس الوقت له درجة كبيرة من الاستقلالية الخاصة، وعنه نجمت مفاهيم “الأممية” و”الكوزموبوليتانية”.

3- التعليق أيضا يدعي العلمية، ويتحدث بشكل اعتباطي مفتقد إلى الترابط المنطقي عن “ألف باء التطور الاقتصادي والقوانين التي تحكم أسلوب الإنتاج الرأسمالي الذي بقي لآلاف السنين الذي يوجد فيه قوميات وقوميات بحسب القانون الذي يكمن في كينونة تطور المجتمع الرأسمالي”، وهو هنا يربط بشكل جذري بين الرأسمالية والقومية.. ويدخِل في ذلك النزعات القومية في اسكتلندا وأيرلندا وكتالونيا وهلم جرى… وهنا يتم خلط “زيد بعبيد”.. ويحق لنا بموجب هذا الربط أن نسأل صاحبه: “هل تقوم قوميتك الكردية على أي أساس رأسمالي” وترتبط بالقوانين التي تحكم أسلوب الإنتاج الرأسمالي (الذي بقي لآلاف السنين)، وهذا التعبير فيه خرق فظ للمصطلحات الاقتصادية الدقيقة، فهو يخلط بين النظامين العبودي والإقطاعي والرأسمالية، فيما يرتبط مصطلح “رأسمالية” في الفكر السياسي الحديث بشكل جوهري مع “البرجوازية” و”الاقتصاد البرجوازي” ويخصهما، ولو أردنا أن نربط القومية بعوامل رأسمالية ونعطيها شرعية رأسمالية، لسقطت الغالبية العظمى من القوميات في العالم، وهذا ينطبق على القومية الكردية التي تقوم على عوامل عرقية تاريخية، وهي موجودة في مجتمعات ما تزال بعيدة وجد متخلفة اجتماعيا واقتصاديا عن “المستوى الرأسمالي”.

4- عن العلاقة بين القومية والاقتصاد، يمكن القول أن فكرة “الدولة القومية” ارتبطت بصعود البرجوازية الأوروبية التي احتاجت إلى “القومية” لكي تتخلص من العقبات التي كان الإقطاعيون المحليون المسيطرون في إقطاعاتهم يتسببون بها في وجه نشاطها الاقتصادي ويعرقلونه، فأرادت البرجوازية التخلص منهم عبر قومنة الدولة ومركزة السلطة فيها، وبذلك يفقد الإقطاعيون سلطاتهم ونفوذهم بذلك، كما احتاجت هذه البرجوازية إلى الدولة القومية لتحميها من منافسة البرجوازيات الأجنبية عبر احتكار الأسواق المحلية بحجة الحفاظ على مصالح الأمة، واحتاجت إليها أيضا لتكون البديل الإيديولوجي للفكر الطبقي، وللخلاص من خطر الصراع الطبقي.. عبر ضم الطبقات الكادحة إليها تحت لواء المصلحة القومية الواحدة الذرائعي، لكن في وقت لاحق أصبحت الدولة القومية نفسها عائقا أمام الرأسماليات النامية.. التي لم يعد “فضاؤها القومي” كافيا لمصالحها، فصار من الضروري لها تجاوز الدولة القومية، ومن هنا أخذ مبدأ الليبرالية الاقتصادية “دعه يعمل، دعه يمر” بعدا دوليا عابرا للقوميات.

5- يخلط المقال بين مفاهيم “القومية” بشكل كبير، فصحيح أن “القومية التقليدية” القائمة على أساس عرقي أو شبه عرقي ما تزال موجودة في العالم المعاصر، وهي تلعب دورا هاما في نزوع الألمان لاستعادة ما يعتبرونه جزءا من ألمانيا في بولونيا، وفي سعي السكوتيين والأيرلنديين والكاتولنيين وسواهم للاستقلال، وهذه المساعي بلا شك ترتبط بدرجة ما بالعصبية القومية، وهي أيضا محملة بقدر ما بآثار مرحلة السياسة القومية السابقة.. حيث تحمل هذه الآثار هنا أو هناك ذكريات التمييز والعسف القومي، أو تحمل الأفكار القومية المسيسة، أو كليهما معا.. وهذا ما كان في حينه يجعل “الدولة القومية” خلاصا من العسف القومي وتلبية للأحلام القومية المسيسة، والأهم من ذلك أن هذه المساعي القومية المعاصرة هي ليست “بريئة” سياسيا، أي ثمة عادة من له مصلحة في تحريكها واستغلاها من وراء الستار، وتعنيه مصلحته الخاصة وليس القومية بحد ذاتها، وعلى سبيل المثال لو لم تكن كتالونيا مقاطعة غنية أو كانت فقيرة.. هل كان سكانها سيفكرون في الاستقلال؟! عدا عن ذلك، عندما يقول كاتب المقال أن “من يقول أنه ليس في ألمانيا دولة قومية ألمانية فإنهم سيلعنوه ألف مرة في ألمانيا أو في أي دولة أخرى من أوروبا أو أمريكا”، فما هي “القومية التي يتحدث عنها هنا بالضبط؟”، هناك في ألمانيا ملايين من الأكراد والأتراك وسواهم من المهاجرين الوافدين الذين يعتبرون مواطنين كاملي الحقوق في ألمانيا، فكيف تكون ألمانيا “دولة قومية” وتساوي بين أبناء “قوميتها الألمان” وبين هؤلاء الأغراب الدخلاء من قوميات أخرى! لو كانت ألمانيا قومية كما كانت أيام النازيين (الذين يربط كاتب المقال بشكل جزافي محض فكرة الدولة الإنسانية بهم وهي فعليا نقيض تام للنازية).. لكانت على الأقل طردت هؤلاء جميع الغرباء من أكراد وأتراك وسواهم! لكن ألمانيا كدولة هي اليوم دولة حديثة متجاوزة للقومية، أما على المستوى الشعبي فما تزال القومية الشعبوية موجودة ولم تنه بعد! وما ينطبق بشكل عام على ألمانيا ينطبق على سواها من الدول الأوروبية، وكاتب التعليق لا يميز بين وضع القومية على مستوى الدولة الرسمية ووضعها على المستوى الشعبي الشعبوي، وعدا عن ذلك فهو لا يدرك أن الاتحاد الأوروبي، هو رغم كل عثراته وعيوبه، حالة من الرقي الاجتماعي والسياسي المتجاوزة للقومية، كما أنه يخلط بين وضع أمريكا قوميا ووضع ألمانيا وغيرها من الدول الأوربية، وهذا فعل جلل، فالقومية الأمريكية ومثلها كل قوميات الأمريكيتين وأقيانوسيا هي قوميات سياسية محضة.. ومرتبطة بشكل جوهري وحصري بالدولة، أما من الناحية العناصرية البشرية فهي خليط من أصول كثيرة مختلفة، وإذا ما أردنا مقارنة القومية الكردية بالقومية الأمريكية دعما للقومية الكردية، فسنصل إلى إفلاس تام، فالقومية الكردية هي حالة عرقية، أما القومية الأمريكية فهي حالة سياسية، والحالتان متعاكستان تماما في العلاقة بين القومية والدولة، فالقومية في أمريكا هي “حالة قومية تقوم على الدولة” أما في المساعي الكردية فهي حالة “دولة تقوم على القومية”!

6-أخيرا.. يبقى السؤال الهام “لماذا الدولة القومية”.. وما هو مبرر وغاية إقامتها؟!
عندما نتحدث عن حقوق قومية بالمعنى الإنساني لهذه الحقوق، فهذه الحقوق تستطيع “الدولة الإنسانية” ضمانها بالشكل الكامل لكل القوميات، فالدولة الإنسانية هي دولة لكل سكانها بشكل متساو، بمعزل عن القومية والدين والحزب وهلم جرى..
فما مبرر الدولة القومية، إذا كانت “كل الأقوام” ستتساوى تماما وتحصل على حقوق إنسانية حقيقية متساوية؟
لكن في واقع الأمر، القوميون على اختلاف قومياتهم ينطلقون في توجهاتهم القومية من موقع لا علاقة له بالحقوق الإنسانية، وهم لا يختلفون في ذلك عن “الدينيين”، فـ “القومية السياسية” لا تختلف عن “الدين السياسي” أيا كانت القومية وأيا كان الدين، وكلا الطرفين محكومان بالعصبيات والعواطف المتضخمة، وهما لا يفكران بجماعاتهما القومية أو الدينية من منطلق المصلحة الإنسانية، ولو أنهما فعلا ذلك، لوجدا أن الدولة الإنسانية، اللاقومية واللادينية، هي خير ضامن لمصلحة الجميع إنسانيا بلا استثناء!
إن كلا الطرفين المسيّسين، القومي والديني، ينطلقان من القومية والدين بطريقة لاعقلانية، وبإيمان تحركه بقوة الغريزة والعاطفة اللاواعيتين، وفي ذلك تتحول كل من القومية والدين إلى “صنمين” يعبدهما أتباعهما بشكل أعمى ومهما كانت العواقب، ومن النادر أن يوجد بين القوميين والدينيين استثناء!
يعني في خلاصة الأمر.. من حيث الجوهر والطبيعة لا فرق بين القومية والطائفية، وكلاهما تقومان على عصبية قطيعية تفتقد إلى البصيرة العقلانية والقيم الإنسانية، وعندما تعتمدان كأساس لإقامة الدولة تكون هذه الدولة مريضة.. وهي نفسها خطرة ومهددة مصيريا بأكبر الأخطار، وتركيا الطورانية وإيران الصفوية وإسرائيل الصهيونية والدويلات العروبية هي اليوم نماذج من هذه الدول القومجية الضارية، العالية الخطر على نفسها وعلى غيرها.
وعليه.. يمكن القول أن “الدولة القومية” هي بحد ذاتها شكل من أشكال المشاكل الكبيرة، أما “الدولة الإنسانية” فهي الحل الحقيقي، وبالنسبة لأكراد سوريا.. يمكن القول، أن الدولة السورية الراهنة على علاتها وعوراتها الكثيرة، من مصلحة الجميع وبلا استثناء المحافظة عليها وتطويرها إنسانيا، وليس شرذمتها قوميا أو طائفيا، والسعي إلى استقلال كردي.. سيتسبب بصراع بين العرب والكرد بسبب المصالح والعصبيات المختلفة، وستعاني منه أعداد غفيرة من الناس وفي مناطق الصراع وغيرها من المناطق، وبالأخص الآلاف المؤلفة من الأكراد الذين يعيشون في مناطق العرب، ومن العرب الذين يعيشون بين الأكراد، وغيرهم من القوميات، وهذا ما سيحدث في الدول المجاورة، فهل في هذا خير للأكراد أو العرب أو سواهم!
المطلوب من الجميع.. هو الاحتكام إلى العقل والقيم الإنسانية، وعدم الانجرار الأعمى وراء أية أصنام من أي لون أو شكل، وعدم الوقوع في شرك المطابقة بين القومية والدولة القومية!
وأختم هذا الرد بالقول لصاحب التعليق الذي ربط بين الدولة الإنسانية والدواعش، أن ما يجب الربط بينه وبين الدواعش من حيث الطبيعة هم “المتطرفون الأكراد”، والمعني بهذه العبارة هم فقط المتطرفون من الأكراد وحدهم.. وهم لا يمثلون إلا أنفسهم ولا يمثلون بتاتا كل الأكراد، فهؤلاء وكل “قومجيين” على غرارهم لا يختلفون عن داعش وجبهة النصرة والقاعدة وما شابه، وجميع هؤلاء هم عبدة أصنام!

About رسلان عامر

نبذة عن الكاتب: مهندس سوري من موليد 1968.. متخرج من أو كرانيا عام 1994 باختصاص الطاقة الحرارية. يحمل ماجستير في الطاقات المتجددة 2007، و ماجستير في الإدارة عام2001، و دبلوم في الطاقة الشمسية عام 1999، ودبلوم تأهيل تربوي عام 1999 من جامعة دمشق. له كتاب مترجم عن الروسية منشور في دار الكلمة بدمشق، عام 2003 عن فلسفة الحب الطاوية الصينية. و يشارك اليوم في مجلات و مواقع رقمية سورية و عربية.
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.