جاءت إبنتي السادسة الى الحياة وكنت أدعوا لها بالموت .‎‎

الكاتب السوري عبدالله حسين

لا يوجد حدث طارىء لنروي قصة مفيدة من خلاله. هي امرأة سورية تعيش في الظل ولها قصتها الخاصة. هي ككثيرات غيرها تجاهد من أجل البقاء.
نساء كثيرات تأثرن بالحدث السوري بشكل مباشر في حين نال من أخريات بشكل مختلف.
مفيدة جارتنا في حي الجزماتي في حلب تقطن حاليا أحد مخيمات اعزاز. مفيدة طلبت مني نشر سيرتها وكيف أفضت بها واقعة عدم انجابها لصبي إلى تعرضها لتعنيف وازدراء مستمرين ما دفعها إلى الانتقام من جارتها، التي حبلت بصبي، بحشو فرجها بالفلفل الحار لينتهي بها المطاف الى السجن

نلتفّ _ نحن صغار الحارة _ حول الخالة أمينة التي تمتلك دكان سمانة في الحارة، لا هي خالتنا ولا نحن أولاد أختها وليس لديها أي طفل، لم تنجب بعد، لذلك كنا كلنا أولاد أختها. تروي لنا قصصاً عن الشيخ خلف الحمود الذي وضع عباءته على مياه الفرات وصلّى دونما أن يغرق، ما دفع أحد معتنقي الديانة المسيحية إلى إعلان إسلامه. كما تروي لنا عن الشيخ عيسى الذي حول قنبلة رماها العدو الصهيوني عليه في حرب تشرين إلى ملح بعد أن احتمى بعباءته من القنبلة، أثناء حديث الخالة أمينة لنا عن الأولياء، تدخل جارتنا مفيدة لتقطع سلسلة الحكايات التي تحكيها الخالة أمينة، لتطلب من خالتنا لصقات جرح وعلبة كحول طبي لأجل إيقاف الدم الذي يسيل على وجهها من تحت حجابها وتطلب من الخالة أمينة تسجيل ما أخذته على دفتر الدين، كونها لا تملك المال.
مفيدة جارتنا لها من البنات سبعة وزوجها شرطي في مخفر المدينة، كان صوت ضرب زوجها لها يقطع صمت الحارة ولا أحد من سكان الحارة يهرع لمساعدتها وردع زوجها. كان يسمع الجيران صوت صراخها كسماعهم صوت تلفاز عال وليس صوتاً يستجدي. كانت مفيدة تسرّ للخالة أمينة حكايتها حول ضرب زوجها لها، لأنه يريد طفلاً ذكراً وكنت اسمع ما تقوله
كنت ألعب مع بنات الجيران لعبة “المملكة” وهي لعبة تقوم على رسم مستطيلات متلاصقة على الأرض ويقوم أحد الأطفال برمي قطعة صغيرة وغالبا ما تكون قطعة من حذاء مهترئ والقفز برجل واحدة فوق المستطيلات دونما مساس القطعة أو قدم الطفل بأحد خطوط المستطيلات. جاء دوري وقمت بإغلاق عينيّ ورمي قطعة الحذاء لأقوم بالقفز من دون أن أخسر، عدة نقاط من الدم سالت مني على خطوط المستطيلات، صرخت الفتيات وفتحتُ عينيّ ورأيتُ نقاط الدم. بدأت ألمس جسدي: من أي جرح يسيل هذا الدم؟ بتّ أدور حول نفسي والفتيات يتعجبن ويتحسسن نقاط الدم بأصابعهن. شاهدتنا إحدى الجارات، فصرخت بوجهنا وطلبت مني أن أذهب إلى منزلنا فوراً وأخبر أمي أن جارتنا ستزورها على الفور، دلقت جارتنا بقوة ماءً على المستطيلات المرسومة على الأرض، فمحت اللعبة.

كان هذا اليوم الأخير الذي ألعب به في الشارع مع الفتيات. دخلت جارتنا وأمي إلى مطبخ بيتنا وتحدّثتا بصوت منخفض. خرجت جارتنا وطلبت مني أمي الاستحمام وعدم الخروج من المنزل على الإطلاق.

تغيرت نظرات أمي لي ونظرات أبي أيضاً، بدأت الجارات بمناداتي بـ”العروس”، “عروستنا”.

بدأن يفكرن، واسمعهن كيف يخمنّ مَن من شباب الحارة أو من معارفهن، يريد تزويج ابنه حتى يرين إن كان مناسباً لي أو لا.

بدأت أرى صديقاتي الفتيات على أنهن صغار وأنا فقط المسموح لي بالجلوس مع النساء الكبار، قالوا لي سأصبح عروساً مثل أختي الكبيرة. فرحت كثيراً، سألبس لباساً نظيفاً أبيض، وأجلس على كرسي كبير، سأرش العطر أينما أريد ومتى أريد على جسدي، سأضع أحمر الشفاه والكحل متى أريد، ستكون لي مرآة أنظر إلى نفسي عبرها طوال الوقت وأجلس مع النساء الكبيرات في العمر.

طلبت مني أمي أن أضع الكحل و”سشوار” شعري في منزل جارتنا ومن ثم سنذهب إلى العرس، ذهبنا إلى العرس في الحي المجاور، طلبت مني أمي عندما اجتمعت النساء فوق سطح منزل العريس، أن أرقص. عندما تعبت من الرقص، طلبت أمي مني بـ”زورة” من عيونها أن أواصل الرقص، أشارت لي برأسها أن “أتحرك” برقصتي تجاه تجمّع محدد من النساء، عندما رقصت مقابل إحدى صديقاتي التي لا تزال فتاة وغير مسموح لها الجلوس من الكبار، رمقتني أمي مرة أخرى، فعدت لأرقص بالقرب من النساء الكبار، لاحظت عيون النساء التي لا أعرفهن تطيل النظر بوجهي وخصري وقدميّ.

عدنا إلى المنزل وفي صباحية اليوم التالي، جلسن تشربن القهوة وتحلّلن نظرات النساء الغريبات اللواتي كن ينظرن إلي.
بعد عدة أيام، حضرت مجموعة من النساء إلى منزلنا، قدمت لهن القهوة، رفضتهن أمي، كانوا يردن تزويجي لابنهن الذي يعمل في لبنان، رفضت أمي حتى لا أبتعد عنها، قالت للجارات، في حال “حردت”(اختلفت مع زوجها) الطريق طويل من لبنان إلى حلب.

بعد عدة أيام، زارتنا نساء أخريات، وافقت أمي ووافق أبي والسبب يعود لأن من سيتزوجني يسكن في حي مجاور للحي الذي تسكنه أختي وهناك احتمال كبير أن يقبلوه في سلك شرطة المرور. إذاً سيكون زوجي شرطياً.

خلال شهر تزوجت، ذهبت خلال هذا الشهر إلى سوق سد اللوز، اشتروا لي الكثير من الملابس الداخلية الملونة والمزيد من أقلام الكحل و”حناجير” العطر. كنت من فرحتي عندما أريد تجريب ما اشتريته، تطلب أمي مني أن أحتفظ بالمستحضرات في العلب حتى لا تظن حماتي أن أهلي اشتروا لي بضاعة مستعملة.

تزوجت، نام زوجي فوقي، استيقظت صباح اليوم التالي من زواجي وعظامي تؤلمني، قدمت لي حماتي قطعاً من الشعبيات اللذيذة، ظننت أنها يومياً ستقدم لي الشعيبيات، لكنها لم تفعل.

في اليوم الثالث من زواجي طلب زوجي مني أن أذهب لأكشف في حال أتى محمود أو لا ومحمود اسم والد زوجي، ويقصد أن هل أصبحت حبلى أو لا.

حماتي كانت تخبره أنني، لو كنت طبخة محشي، ما كنت لـ”أنضج” في ثلاثة أيام وعليه الصبر.

في اليوم العاشر وفي الشهر الأول، كان عندما ينتهي من النوم معي، يسألني وهو يلهث، عن محمود، يطلب مني أن أذهب وأمه إلى القابلة للتأكد: “قولي لأمي أنك تشعرين بأن رأسك يؤلمك حتى تأخذك”، يقول لي.

بالفعل رأسي يؤلمني وبدأت أشعر بغثيان، فرحت حماتي وفرح زوجي لكن سبب الغثيان، لم يكن بوادر ظهور حمل، كان فقر دم ونحولاً في جسدي. طلبت القابلة من حماتي أن تقدم لي طعاماً حلو المذاق.

بعد شهر من زيارتنا للقابلة، ظهرت بوادر الحمل وانتقل زوجي من سؤالي متى ستحملين بمحمود، إلى “هل هو محمود؟”، أو “أخشى أن يكون بنت” وهذا ما حدث بعد تسعة أشهر من قلق زوجي من هوية المولود. كان المولود أنثى، حملها لدقائق باستحياء أمام أهله ولم يحملها حتى الآن ولم أره يقبل ابنته. وقفت حماتي وأخوات زوجي والنساء معي، صبّروني وطلبوا من زوجي الصبر، قالوا لي: “هناك امرأة في الحي ولدت أول مولود أنثى وغضبت، وضربها زوجها ولكنها الآن تنجب طفلها الذكر السادس ولم تنجب أنثى بل “خلفتها” كلهم صبيان عدا أول مولود.

مات مولودي الثاني الذي كان أنثى، زوجي يمثل على الضيوف أنه حزين، لكنه يكذب. في حيّنا، إذا ما مات مولود أنثى، تجد عزاء رجال الحي، في شرب كوب شاي بعد وجبة غداء، وصمت يقطعه أحاديث عن العمل، أما إن كان المولود الميت ذكراً، تسمع لبكائهم عدداً من الألحان. لو كانت كل حالات الولادة ذكور، فكيف سيتزوجون في المستقبل وينجبون ذكوراً؟

جاءت ابنتي السادسة على الحياة وكنت ادعوا لها بالموت أثناء الولادة حتى لا تعيش الشقاء وبتّ أنا أكره كل أنثى تسير على وجه الأرض.

حماتي كانت تأخذني إلى عدد من المشايخ في القرى والأحياء المجاورة، بعضهم يطلب مني أن أقطع أزرار ثوبي قبل النوم مع زوجي، وألا أنام معه إلا والقمر مكتمل. بعضهم الآخر يضع حجاباً في صدري ويقول إني سأرى الرسول في منامي ويخبرني عن هوية المولود. أخرى تطلب مني أن أضع الكثير من اللوز في الطعام وأن يشرب زوجي الشاي من دون سكر. آخرهم طلب من حماتي الخروج من الغرفة وإن نظل لوحدنا أنا وهو، اقترب مني ومسكني من وركي وطلب مني الانصراف قائلاً: “من حقه زوجك يقرفك، كلك عظم لا يوجد فيك لحم”.
كنا نجمع أنفسنا، نحن نساء الحارة ممن لا ينجبون الذكور، نضع لأنفسنا خلطات ونحلل كلام المشايخ ونذهب إليهم كمجموعة خوفاً من تحرشات المشايخ الجنسية بنا، نجتمع في صباح ومساء كل يوم، نشكو همومنا إلى بعضنا البعض وندسّ بجيوب بعض خلطات جنسية وأخرى مجربة حتى يتم تحويل جنس المولود من أنثى إلى ذكر.

كنا عدة نساء، تركتنا إحداهن بعد أن كشفت عن هوية جنينها وكان ذكراً. فرحنا لها وحسدناها في الوقت نفسه. تركت جلساتنا وخفّ ضرب زوجها لها، وزاد ضرب زوجي لي الذي هجرني، أساساً، ولم ينم معي خوفاً من مولود أنثى قادم.

باب منزل جارتنا التي تركتنا وكان جنس مولودها ذكر، مقابل باب منزلي.

جارتي لديها ست بنات وأنا لدي سبع، قالت إنها شاهدت عضوه الذكري لجنينها في عيادة الدكتورة التي تزورها. كانت جارتي “تتمختر” بمشيتها وكأنها انتصرت على همومها وحزنها.
زوجها لم يعد يكنّيها بـ”حمارة” أو “هااااي”. صار اسمها أم عبدو كناية لعبدو الذي لم يأت بعد. لم أعد أطيق نفسي وزادت ضربات زوجي لي عند دخوله باحة المنزل وخروجه منه.
أثناء جلوسي بالقرب من زيت الغلي وأسطوانة الغاز وسط باحة المنزل أثناء إعداد البطاطا لا أشعر إلا وحذاءً دخل خاصرتي، حاول زوجي مرات عدة ضربي لكي يقتل رحمي ولا تأتي بالمزيد من البنات.
فكرت في حال انجبت جارتي مولوداً ذكراً، كم من الضربات والإهانات سينال جسمي من زوجي أمام بناتي وأهل الحارة؟! كم مرة سأدور حول نفسي وهو ممسك بـ”جدولة” شعري وسط نظرات الجيران؟!

طلبت من أخواتي أن تقمن بزيارتي، وعلى الفور وافقن على فكرتي الجهنّمية: دخلنا إلى منزل جارتنا “أم عبدو” وبأيدينا طشت كبير وكيس من حبات الفليفلة الحمراء الحادة، بحجة أننا نريد شرب القهوة عندها، وتساعدنا بحفر الفليفلة لأجل المونة.
هرسنا حبات من الفلفل الأحمر الحاد، وأم عبدو تساعدنا بهرس الفلفل. نزعنا عنها ملابسها الداخلية، حشينا فرجها بالفليفلة الحارّة، كانت تصرخ وتبكي وأخواتي كنا يمسكنها بإحكام، ويغلقن فمها. وضعت آخر ما في يدي من الفلفل في فرجها. قلت لها وأنا ألهث من الإرهاق: نظل نبكي سوية أحسن ما تفرحي أنت بطفلك وأظل أنا أبكي لوحدي
هربت على إثر الحادثة إلى منزل أختي في الحي المجاور، خفت من الشرطة، كل رجال الشرطة عنيفين مثل زوجي فإن كان هو يضربني من دون ذنب، فماذا سيفعل بي زملاؤه بعد الذي ارتكبته. بقيت متوارية عن الأنظار في منزل أختي وعلمت أن جارتي أجهضت مولودها، وكانت أنثى وليس ذكراً. أظن أنها فرحت هي وزوجها.

بعد أيام طرقت دورية من رجال الشرطة باب منزل بيت أختي ليقوموا باعتقالي، لم يضربوني. وضعوا “الكلبشات” في يديّ واقتادوني إلى المخفر. نمت في غرفة لوحدي، لأنه لا يوجد غرفة مخصصة للنساء في المخفر. في اليوم التالي اقتادني عناصر الشرطة أنفسهم إلى القصر العدلي وهناك وضعوني في مهجع كبير كخان البقر فيه الكثير من النساء. كنت صامتة طوال الوقت وخائفة بعض الشيء. ذاعوا اسمي إلى القاضي، استحى القاضي كما بدا على وجهه عندما قرأ الملف والتهمة.
سألني: هل فعلت ما هو مكتوب هنا بجارتك يا مفيدة؟ أجبته: نعم وطلبت منه إذا كان يسمح لي بشرب كوب ماء. أعجبني شكل كوب الماء الزجاجي في مكتبه، لم أكن عطشانة، قال للشرطة ممن حولي: خذوها إلى “المسلمية” (سجن حلب المركزي).

في مساء ذلك اليوم، ذاعوا اسمي واسماء الكثير من النساء وقيدوا معاصم أيدنا بجنزير حديدي، إن وقعت واحدة من النساء تقع ـ بسبب شدة ربط الجنزير ـ كل النساء، جنزير طويل كلنا مقيدات به.

صعدنا في الصندوق الخلفي لسيارة زرقاء كبيرة، عند كل مطب على الطريق كنا نرتطم ببعضنا ويأكل الجنزير من لحم معاصمنا

وصلنا سجن حلب المركزي، فتشوا كل شيء فيّ وعندما وصلوا إلى فرجي خفت، ظننت أن الحكم سيكون ان يفعلوا بي مثلما فعلت بجارتي، لكنها كانت إجراءات تفتيش ونقلوني إلى مهجع فيه أسرّة قليلة والكثير من النساء يفترشن الأرض وينمن تحت الأسرّة وبينها وفوقها.

مرّ شهر على اعتقالي. لم يزرني أحد، شعرت بالوحدة واشتقت لزوجي. اشتقت لضرباته. المهم أن أعرف ماذا حدث مع بناتي وكيف يأكلن ويشربن، تسللت بين النساء اللواتي لديهن زيارة علّني أشاهد أحداً أعرفه ليخبرني عن بناتي، كان هناك شبك حديدي وشبك أخر بينهما مسافة نصف متر ولا تستطيع السجينة لمس من يزورها، فهمت لماذا لم يأت زوجي إلى هنا: لأنه، ببساطة، لا يستطيع ضربي! عدت إلى المهجع.

استغربت كيف لامرأة أن تنام حتى ساعات الظهر وحتى ساعات المغيب، دونما أن يضربها أحد، تعرفت على نساء يلعبن الشدة ويسهرن للصباح ويرقصن حتى لو لم يكن هناك عرس، ولا يستيقظن إلى ما بعد الظهيرة.

استغربت وتعرفت أيضاً على نساء يضربن الرجال من دون خوف، تعرفت على أم خالد التي ضربت زوجها لأنه صرخ بوجهها، وأخرى وضعت حجارة في حقيبتها وضربت به رأس الرجل الذي كان زوجها في الشارع عندما اعترض طريقها يريد منها العودة إلى المنزل.
نساء لسن كالنساء اللواتي أعرفهن، ويتعرضن لضرب شديد من أزواجهن من دون أن يصرخن من البكاء. تعرّفت إلى نساء علويات وكرديات ومسيحيات ونَوريات، المهندسة والخادمة، لم أعد أفكرّ بزوجي ولا بالحارة؟ أخذ السجن والذهول يأخذ كل تفكيري. حاولن استدراجي لمعرفة تهمتي. كذبت عليهن وقلت مشكلة صغيرة مع جارتي، رددن علي: هذا المهجع ليس للمشاكل الصغيرة مع الجارات وأنت معنا لمدة أطول من المدة التي تقضيها النساء صاحبات المشاكل الصغيرة، خفت _صراحةَ_ من إخبارهن السبب الحقيقي لدخولي السجن، لكن إحداهن دفعت مبلغ خمسين ليرة واستطاعت شراء ضبطي من الشرطة، استيقظت لأجدهن يحاولن ممازحتي بقرصهن أفخاذي وفرجي. لكننا أخيراً جلسنا، شربنا القهوة وأخبرتهن بالحقيقة. زغردن لفعلتي واحتفين بي.
قالت صباح: “ظننا أن القط يأكل طعامك! طلعتي أقوى واحدة فينا، من أين خطرت لك الفكرة؟”. أخبرتهن عن السبب وراء ما فعلت بجارتي. ردّت سجينة اسمها زبيدة: لا تبرري شيئاً، حصل ما حصل، المهم قلبك ارتاح، لكن الذنب ليس ذنبك إن كانت خلفتك كلها بنات، طبياً، الذنب ذنب زوجك. واصلت زبيدة سؤالها: ماهي مهنة زوجك؟ أجبت: شرطي. ضحكت وقالت: عرفنا السبب… زوجك يا انسة شرطي مهروسة كرامته، لن تقدر نطفته الخروج من عضوه الذكري إلى رحمك قبل ان تأخذ إذناً من معلمه (الضابط المسؤول عنه) قبل خروجها … هؤلاء رجال الشرطة يداس على رؤوسهم طول اليوم وفي المساء يعوضون ذلك في نسائهم. يحاولون جمع ما تناثر من كرامتهم من فروج نسائهم … قلتِ إنه يضربك بسبب ومن دون سبب أليس كذلك؟

أجبت: “من دون سبب ولا مرة بسبب”. أم خالد كانت تملك بيت دعارة وضربت ضابطاً من قسم الأخلاقية لأنها لم تقاسمه غلة أيام العيد، مثلما يريد. انهت كلامها معي: “عندما يتقاعد يأتي ولدك… انتظري تقاعد زوجك الشرطي”.
زارتني أختي في السجن، من خلف الشبك، قالت إن زوجي هو من أخبر الشرطة بمكان تواجدي بحجة أنه يخاف في حال عرفوا أنه يعرف أن يسرّحوه من الخدمة، كما قالت إن زوجي يبحث عن أنثى يتزوجها بحجة أنه مشغول دائماً عن رعاية بناتك.

ما أكذبه، لم أشاهده يوماً يهتمّ أو يُقبل إحدى بناته، كان يتحاشى النظر بإحدى بناته الصغار اللواتي لم يبلغن الثالثة إذا ما كن خارجات من الاستحمام وعورتهن ظاهرة، إذا ما شاهد عورة أي بنت من بناته وكأنه شاهد شيطان، كما أني أعلم أن ابنتي الكبيرة ذات السبع سنوات هي من ترعى شؤون اخواتها وكلهن يرعين بعضهن البعض بحسب أعمارهن.

ختمت أختي زيارتها لي بعد الكثير من الأحاديث التي أنهيناها بسرعة بسبب ضيق وقت الزيارة. من الأحاديث أن جارتي صعب عليها وضع بناتي وقرار زوجي بالزواج مرة أخرى، لذلك ستسقط حقها في هذا الأسبوع عني لتكون القصة مشاجرة فقط من دون النية بقتل المولود الذي كان أنثى.

ذهبت أختي ودار في رأسي سؤال: هل تعاطفت جارتي بالفعل معي، أم انها تفعل ذلك لشكري على قتلي لمولودها الأنثى، بعد أن أرحتها بفعلتي من همّ جديد يزداد فوق همومها؟

أسقطت جارتي حقها ولكن علي أن أقضي ما يسمى بـ”الحق العام” في السجن، لم أرد الخروج من السجن، بدأتُ استوحش إذا ما خرجت من المهجع، أبكي كثيراً إذا ما خرجت سجينة. السجينات كن يعتقدن أنني أبكي لعدم خروجي ويطلبن مني الصبر، لكن بكائي كان بسبب شعوري بالوحدة والفقد كلما خرجت إحداهن.

بدأت اجني مالاً من عملي داخل السجن، أنظّف وأطبخ لبعض السجينات، أساعدهن على نزع شعر أجسادهن. السجينة التي تخرج تترك لي ملابسها، أجمع أيضاً الملابس المرمية في براميل القمامة، أعيد حياكتها من جديد، بالإضافة إلى عدد من الأعمال التي أقوم بها وأجني مالاً منها وعلاوة على ذلك تشكرني السجينات على خدماتي مع إعطائي المال. أرسل قسم من المال مع أختي إلى بناتي.
قبل اعتقالي، كنت أخدم زوجي واخواته وضيوفه على مدار الأربعة وعشرين ساعة ولا أسمع حتى كلمة شكراً. في السجن اسمع شكراً واحصل على المال. بعض السجينات يحسدنني، هن إذا ما زعلن أو تعكّر مزاجهن، تنمن ساعات طويلة ولا تأكلن ولا تقمن بخدمة أنفسهن، بينما أنا عكسهن، عندما أغضب أو استذكر بناتي واشتاق إليهن، كنت انظّف سريري عدة مرات وانظّف الممرات وأجلي الصحون والطناجر بقوة حتى تلمع، هذه عادة كانت ترافقني بعد كل مرة يضربني فيها زوجي، لا يوجد من اشكي له همّي ولا استطيع الرد عليه، فأفرغ غضبي بتنظيف المنزل والصحون أكثر من مرة، حتى في بعض المرات يسيل الدم من يديّ بسبب شدة قبضي على ” السِيفة”.

تمنيت ألا أخرج من السجن، واجمع المال لأجل بناتي واشتري لهن ملابس جيدة ونظيفة، كما أني أحببت تقدير نساء المهجع لي.

لكن هذا لم يكن، انهيت مدة حكمي، وخرجت من السجن. باب أسود كبير، وقفت أمامه انتظر أي سيارة تقلّني إلى مدينة حلب، لكنني قررت أن أمشي وحدي باتجاه حلب، ساعات طويلة حتى تعبت، شعرت بحرية لم أشعر بها من قبل، لا أحد يسألني أين أنت ولا طبخة على النار أخشى إن شردت أن تحترق.

استريح وأمشي، استريح وأمشي. مشيت حتى تعبت، ومن ثم أوقفت سيارة أوصلتني إلى منزل أختي، أعطيت السائق أكثر من المبلغ الذي طلبه.

كل الأحداث التي درات مع مفيدة، والتي سمعت من لسانها الكثير منها وهي تخبر الخالة أمينة بها والتي سمعت بعضها من بعض الجارات، دفعتني لأسال أمي والجارات والخالة مفيدة نفسها: كم كان عمرها في فترة اعتقالها؟
كان الجواب: عندما تم اعتقالها كانت في سن الثالثة والعشرين.
فقد تزوجت في الرابعة عشرة وصارت أمّاً في سن الخامسة عشرة وكانت المدّة بين ولادة بناتها السبعة، 11 شهراً فقط.

About عبدالله حسين

(إذا فسدت دوافع المرء فلا يمكن لأي شيء في حياته ان يستقيم عبدالله حسين.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.