ثم .. لم يبق أحداً ؟!

سيمون خوري:
ثم لم يبق احداً ، عنوان رواية للكاتبة ” أجاثا كريستي ” إستعرته دون إستئذان .لا أحد يستأذن الموتى .والنص لا علاقه له بالراحلة كريستي ، أو الأموات الأخرين. بل ببعض الأحياء الأموات كلينيكياً.
———————-
على خشبة المسرح ، كرسي واحد فقط . لممثل عجوز واحد . يؤدي دور الزعيم والشعب معاً. مقاعد فارغة ، رحل الجميع ولم يبق احداً . سوى بضعة أفكارعجوزه من زمن الصحراء . تمارس مونولوجها الذاتي . مثل كافة المجترات الأخرى ، التي أفرزت مناخاً مجدباً ، وعقيماً واتجهت بالحياة نحو ” الآخرة ” ولما كانت ” الآخرة ” غيباً فقد تفننوا في الحديث حولها بلا دليل . ولا أحد يملك سوى الصراخ ..مثل رهان ” باسكال ” .
صراخ ، صراخ ..ثم يخفت الصراخ ، وتتحول الشعارات الى فؤوس وبنادق والى عنف الثنائيات . يسار ويمين ، سني وشيعي ، مسلم ومسيحي كافر ، خائن و ” وطني ” ؟! ..الخ الكلمات التي تفننت بها العقليات التي ابتليت بمرض التهريج. وهكذا تبقى الدماء تسكن أودية الجهل . لأن الوهم المقدس تحول الى واقع والخرافة الى تراث . حتى هذيان أدعياء الدين وكوابيسهم ، تحولت الى عقائد وصولاً الى رموزهم.
هنا مسرح العجائب ، ” ماريونيتس “. وموطن كافة الأنبياء ومدعي النبوة ..؟! والسيوف والنصوص معاً.هل يمكن أن نتحول الى شىء اخر غير الوهم بأننا ” خير أمة اخرجت للناس ” وكما نتهم القوى العظمى بالأمبريالية ، والسعي للهيمنة الكونية . فنحن ايضاً لدينا ذات الأفكار الأمبريالية في الهيمنة، الأثنية والدينية على العالم . بغض النظر حول قدراتنا الذاتية. هذه العقلية المحنطة غير قادرة على عقد صلح مع المستحيل ..مع الآخر المختلف . بعضنا كأفراد إستنشقنا الموت، وأدركنا مبكراً قيمة الدفاع عن الإنسان ، وليس عن ” الإله ” فهو لا يحتاج لمن يدافع عنه أو يقاتل في سبيله ، منحه الحياه ولم يصادر سعادته .نؤمن بالخمرة مثل ” ابو نواس ” فمن لا يحتسي الخمر لا يدخل الجنة . انها لحظة الصدق مع الذات.لا شئ مقدس سوى الإنسان، وما عداه من أفكار ونصوص ترتدي عمائم ، ليست أكثر من كلام في الريح.

أعتقد أنه من حسن حظي، أدركت ولو متأخراً حكمة ” برتراند رسل ” الفيلسوف الأنجليزي ” لست مستعداً للموت من أجل أفكار ” ي “، لأنها قد تكون خاطئة “. من يدري .؟!
ولهذا بقيت في السنوات الاخيرة ” كأيوب العصر” الحديث ، يملؤني الرعب والحزن معاً، بل والتعاطف، وأنا أتأمل طوابير اللاجئين والمهاجرين من سفينة ” نوح ” هذا ” التيه ” في شوارع المدن الاوربية وليس الإسلامية ؟؟،.ولانني مثل هؤلاء المساكين عانيت ايضا قساوة الهجرة في طفولتي، أتعاطف معهم وأشعر بتلك المرارة القاسية داخل ذواتهم . وشكرا لليونان التي منحتنا مواطنيتها في الوقت الذي أغلق فيه الأخرون أبوابهم ، حتى اوطان سابقة .ورغم وجود حالات سيئة ومتخلفة ، بين صفوف المهاجرين واللاجئين ، بيد أن ذلك لا يؤدي الى إطلاق أحكام عامة على الجميع . بشر فقدت ايمانها وثقتها وخسرت اوطانها السابقة ، ومرابع طفولتها . رحلت دون حقائب . إمتطت صهوة الموت . و دون نظرة الى الخلف كزوجة نبيهم ” لوط ” التي خسرت فرصتها في الرحيل. وضحت بمستقبلها عندما نظرت الى ماضيها.
ثم لم يبقى احداً..؟
.ربما المكسب الوحيد للهجرة واللجوء ، هذا الهروب الكبير من مختلف الأعمار، من بلدان التعددية العرقية والطائفية ، هو هامش الحرية الكبير المتاح للإنسان .وخاصة للإجيال الشابة الصغيرة .واتمنى ان يجري استثمار هذا الهامش من الحرية ، بما يعيد لهذا الإنسان انسانيته خاصة المرأة التي هدر دمائها في أوطانهم السابقة .وعلى حد رأي صديقي الكاتب ” طلعت ميشو ” في امريكا ، أنه لو جرى رفع الحصار عن إمارة غزة ، وقيود الهجرة والسفر من البلدان ” العربية ” الأخرى لن يبق احد ..؟؟!
على كلا الحالات اتمنى لكافة الناس الخير والسلام والاستقرار . و ” هجرة مباركة ” رغم أني لست ممن يؤمنون بالمعجزات حتى لوكانت ورقة يانصيب . لذا فقد إستهلكت زمني الاخير في جدل ذاتي عميق . اغلق مساءاً نافذتي على ” الواح سبينوزا ” وليست ” موسى “. وكهنته التي ” صادرت ” وثائق بابل حول الخلق . وأفتحها في الصباح على ” أسفار ريتسوس ” . إنتفت رحلة الصيف والشتاء . لأن كافة الحقائق التاريخية التي غطيت بأساطير، تبين أنها تعاني من فقر دم مزمن . وكتبت بطلب من السلطة السياسية – الكهنوتية ، التي كانت حاكمة حينها.هكذا هو التاريخ يكتبه المنتصر. وهكذا جدلي مع ذاتي في أحيان عديدة أتعارك معه . لأنه يورقني بسؤاله الدائم ، الى أين يمضي ” العالم العربي ” رغم أنه ليس عربياً بالمعنى الأثني مائة في المائة .فهو عرقيات وطوائف . كل شئ فيه على تضاد مع الأخر . ربما المنطقة بحاجة الى ” كرنتينا ” للتخلص من فيروساتها الفكرية . ورموز سياسية وطائفية وحزبية تمارس أدواراً مزيفة بصنع وهم التاريخ وحتمية النصر ” مماثلة لحتمية الماركسية التقليدية ” .رموز تمارس في الحقيقة الإستبداد ونفي الآخر . ونكأ الجروح القديمة في تاريخها ” العظيم “.رموز ربما تستحق محاكمة في محكمة حقوق الانسان .لقيادتها الفاشلة لهذا الجزء من العالم ، وتحويل المنطقة الى بلدان فاشلة بلا شعوب.
فعلياً الى أين يمضى هذا العالم ” العربي ” ؟؟؟!
العالم في تغيير دائم ، كل صباح هناك ولادة جديدة ليوم جديد . أختراعات جديدة تكنولوجيا عالية . سياسات قائمة على تبادل المصالح ، إستراتجيات مستقبلية . إلا افكارهم من عالم أصم وأعمى . لا يعرف سوى الصراخ . والرغبة في الموت ..؟! مشهد جحيمي كارثي ، يدفعك ببطء الى الجنون .هل يمكن لحالة من هذا النوع المأساوي ” الكفكوي ” ان تفتح يوماً كوة في جدار عقلها الحجري ؟ وتفكر بعقلانية مستقبلية؟ وتبتعد عن إثارة عقول الأخرين، بكلمات لا معنى لها سوى الإثارة الحيوانية .هل ما زال البعض يتذكر شعارات ايام زمان ، وتلك الحكاوي عن امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ، أو شعارمن النهر للبحر أو من الخليج العربي الى المحيط ، والثورة الخضراء ..أو لاآت الخرطوم الثلاث .أم سننتظر ” غزوة المريخ ” بإذنه تعالى ، واذا لم يوافق … ستنفجر المركبة الفضائية .!
ثم لن يبقى أحداً…؟
ما يسمى بعالم ” عربي ” تنتظره سيناريوهات قادمة ، أكثر انعطافاً مما جرى حتى الأن . وهي نتيجة طبيعية للصراعات السياسية والعرقية والطائفية ،والحزبية الإنتهازية .وصراع المصالح الكبرى القائمة على النفط والمياه وصناعات المستقبل .إنتظرنا ” الربيع ” العربي ، لكنه تحول الى أداة بيد المستعمر الأمريكي والروسي والإيراني والتركي – الأردوخاني . وفي ظل هذه الحالة المأساوية ، فإن التفكك الجغرافي ، سيكون عنوان المرحلة القادمة ، وهناك بلدان عديدة على قائمة ” الويتنك ليست ” والتوطين السياسي بعد التوطين البشري ، قادم على الطريق . هل الحل في الصراخ واستحضار تراث الأموات الذين لا يستأذنهم احداً !؟ أم البحث عن مقعد في قطار المستقبل ، حتى لو كان في عربة العفش . ؟؟ .
أعتقد لم يعد مقبولاً اختزال وطن ما في شخص الرئيس الضوئي ، وقرار مرافقيه. أو رئيس حزب طائفي ومافيات دولية. أو أحزاب دينكوشيتيه. ولتكن لدينا الجرأة على دفن كل ما هو ميت فينا. والنظر للحياة من موقع المستقبل . يحزنني جدأ وضعنا الراهن ، ويعمق جراحي المزمنة. وما بين التشاؤم والأمل أرجو أن يجد البعض موقعهم في بناء الحياة.
ثم لن يبقى أحداً؟؟
المستقبل هو قرار الاجيال الشابة الصغيرة وليس قرار العجائز . هنا في اليونان اقترحت عليهم عدم السماح للعجائز أمثالي ، ما فوق السبعين بالتصويت . على أن يسمح لمن هم في الخامسة عشرة بالتصويت . لأن ثقافتهم ومعارفهم أفضل من ثقافاتنا ومعارفنا القديمة .
هل فكر أحدهم في اليابان نموذجا بعد الحرب العالمية الثانية ؟ أو الهند بلد ألاف العقائد والأديان .وهل فكر أحدهم في أفكار ” نيلسون مانديلا ” وطن واحد للعرق الزنجي والاوربي ” المستعمر السابق ؟ هل يمكن لكافة مكونات المجتمع السوري او العراقي التعايش معا على قاعدة حقوق المواطنة الكاملة للجميع ، بعيدا عن رهاب الدين . وهل يمكن اعتبار ” النقاب والحجاب ” في امارة غزة الإسلامية حرية فردية ؟؟! وهل يمكن تصفية مفاهيم دولة التقاسم الطائفي – الوظيفي في لبنان.. وهل يمكن أن يصبح ” قبطي ” مصري رئيساً للجمهورية ؟؟ …القائمة طويلة جداً قرون من الإستبداد والهيمنة ، هكذا فنحن أيضاً امبرياليون التفكير والممارسة . وفي داخلنا تكمن ” عنصرية ” محجبة أحياناً ،عندما تميط اللثام … يا للهول ..؟
يختفي الجميع ولم يبقى أحداً سوى الرئيس وصوره عارياً ..؟
لا أدري ..؟ عندما بلغ الفيلسوف ” جيته ” الثمانين من العمر قال : يجب علي أن أتغير ، وأجدد شبابي على الدوام وإلا تعفنت ” .
سيمون خوري – اثينا
18-8-20

About سيمون خوري

سيمون خوري مواليد العام 1947 عكا فلسطين التحصيل العلمي فلسفة وعلم الأديان المقارن. عمل بالصحافة اللبنانية والعربية منذ العام 1971 إضافة الى مقالات منشورة في الصحافة اليونانيةوالألبانية والرومانية للكاتب مجموعة قصص قصيرة منشورة في أثينا عن دار سوبرس بعنوان قمر على شفاه مارياإضافة الى ثلاث كتب أخرى ومسرحيةستعرض في الموسم القادم في أثينا. عضو مؤسس لأول هيئة إدارية لإتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين فرع لبنان ، عضو إتحاد الصحافيين العرب منذ العام 1984. وممثل فدرالية الصحافيين العرب في اليونان، وسكرتير تجمع الصحافيين المهاجرين. عضو الهيئة الإدارية للجالية الفلسطينيةفي اليونان .
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

1 Response to ثم .. لم يبق أحداً ؟!

  1. س . السندي says:

    من ألأخر

    ١: بداية تحياتي لك وللصديق طلعت ميشوا ، أبو الافكار النيرة والحلوة والغريبة والعجيبة ؟

    ٢: ليعلم كل أحمق أن مصير كل من يلتف الى الوراء ، كمصير زوجة لوط ، وأن من يعبدون الموتى ويؤلونها هم موتة يثيرون الشفقة أكثر من الاشمزاز والسخرية ، ألم يقل السيد المسيح {دعو الموتى يدفنون موتاهم} ؟

    ٣: هل من يؤمنون بإله يجازي القتلة والسفلة والغزاة واللصوص والمغتصبين بغلمان وحور عين ، ومن قاتل وفاسق وغازي ولص ومغتصب أشرف خلق الله ، أحياء ولهم عقل ؟

    ٤: مصيبة البشرية ليست بتجار العقائد والافكار بل بالحمير الذين يصدقونها ويروج لها ، من دون إخضاعها لمنطق العقل والعدل والبحث والتحليل ومن دون برهان ودليل ؟

    ٥: وأخيرا
    لا عزاء للحمقى والسذج والمغفلين ، لانهم يستحقون ماهم فيه وأكثر وهم وشاكرون ، فمن يزرعون الشوك إياه يحصدون ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.