تيامات – الإلهة الأم في قصة الخلق البابلية بقلم : عضيد جواد الخميسي‎‎

تيامات – الإلهة الأم في قصة الخلق البابلية بقلم : عضيد جواد الخميسي‎‎

تيامات هي إلهة بلاد الرافدين المرتبطة بالفوضى البدائية والبحر المالح في الملحمة البابلية ” إينوما إيليش ـ أسطورة الخلق ” .

في جميع نصوص الأسطورة المتعاقبة بعد النسخة الأصلية ؛ يرمز الى تيامات دائماً من أنها تعبير عن قوى الفوضى العارمة ومصدر تهديد للنظام الكوني الذي خلقته الآلهة منذ أمد بعيد . أمّا شخصية مردوخ (أو آشور في النصوص الآشورية) ؛فهو البطل الذي حافظ على ذلك النظام بذكائه وسرعة فطنته.

تم وصف تيامات في فترات لاحقة من التاريخ ؛على أنها الثعبان أو التنين الذي يتخلله الغموض في ملحمة ” إينوما إيليش ، ولكن لا توجد أيقونة تخصّها تثبت ذلك . وحسبما جاء في كتاب “الآلهة ،العفاريت ، الرموز ، ص 177” لمؤلفه العالم الآثاري “جيريمي بلاك” ، فان اسمها جاء من كلمة
” تيامتوم Tiamtum” ،
والذي يعني (البحر) .

على الرغم من أن اسم تيامات مشار إليه في نقش أكدي قديم ، إلاّ أن شخصيتها لا تظهر في الأدب الأسطوري الرافديني غير ملحمة إينوما إيليش والمدونّة خلال عهد الملك البابلي حمورابي (1792-1750 ق.م) ، ولكن من دون شك في أنها قد كتبت في تاريخ أبكر من ذلك . أمّا عن ورود اسم الإلهة تيامات في الأساطير الأخرى اللاحقة ؛ فإنه يعود إلى نسخ وأشكال مختلفة عن هذا العمل الأدبي القديم .

يرى بعض العلماء أن تيامات هي النسخة البابلية عن الإلهة السومرية الأم “نامو” (تُعرف أيضاً باسم نامّا) ، ولكن هناك اختلافات كبيرة بين الإلهتين ، لا سيما وأن “نامو” هي شخصية مسالمة و راعية الأمومة دائماً ، بينما تيامات في أوصافها ؛ كانت تُعد عدوانية شرسة وذات سلوك انتقامي في بعض من شخصيتها .

في ملحمة إينوما إيليش ؛ ظهرت لنا تيامات وهي مهزومة من قبل الإله “مردوخ ” ، وقد رأى بعض العلماء مثل ؛ ” بول كريڤاشيك” ، الذي يفسر الملحمة من أنها قد شهدت تفوق العنصر الذكوري (المعروف باسم لوگال ـ أي الرجل الكبير) ، وتغلبّه في مجتمع بلاد الرافدين . أمّا علماء آخرون ومنهم “روبرت گريڤز” يرون أن ملحمة إينوما إيليش ؛ جاءت كاستجابة شعرية بعد فقدان الآلهة الإناث سلطتها خلال عهد الملك حمورابي عندما حلت محلها الآلهة الذكور ولا سيما “مردوخ “؛ بحجة أن القصيدة هي استدراج فنّي في صعود النموذج الديني الأبوي بدلاً من النموذج الأبوي السابق . مع ذلك ، فمن الأرجح ألا يكون أي من هذه التفسيرات صحيحاً ، أو على الأقل ؛ أنها لم تعالج تيامات كإلهة في شخصيتها المنفردة ؛بل التركيز على اينوما ايليش في إطارها العام . كما يتجاهل كلا التفسيرين ؛ التاريخ المحدد الذي كُتبت فيه القصيدة ، و يفشلان في فهم دور تيامات عندما اعتمد مؤلفها على إلهتين سومريتين “نامو وإنانا ” في بناء شخصيتها وجعلها إلهة للفوضى .

نامو ـ إنانا ـ تيامات

تم التعرف على الإلهة نامو لأول مرة خلال فترة الأُسَر المبكرّة في بلاد الرافدين (2900-2334 قبل الميلاد) ، وتحديداً الفترة المعروفة باسم الأسرة الثالثة (2600-2334 قبل الميلاد) .على الرغم من أنها كانت معروفة شعبياً من دون سجلات (شفوياً) قبل ذلك التأريخ ، إلا أنها توصف بـ “الأم الأولى التي أنجبت الآلهة” من خلال القصيدة السومرية “إنكي ونينما “، لكن هذا العمل الأدبي؛ للأسف لم يُؤَرّخ بصورة صحيحة . عن هذا الموضوع كتب البروفيسور” جيريمي بلاك ” التعليق التالي :

” في المؤلفات السومرية ، نلاحظ عدم وجود أي شيء فيها سوى الإطار التاريخي العام إلى حد ما ، وذلك يعني أن أي نهج زمني للقضايا الأدبية مثل الأعمال المتجددة والمرتبطة مع الأحداث و المسارات التاريخية ؛يجب التخلي عنه نسبياً . ” ( قراءة في الشعر السومري ، ص 23).

في العمل الأدبي “إنكي ، و نينما ” ؛ كانت الإلهة نينما (المعروفة باسم نينهورساج) وإله الحكمة إنكي ، اللذان خلقا البشر لمساعدة الآلهة الأصغر ، بعدما سئموا( أي الآلهة الأصغر) الأعمال اليدوية الشاقة الموكلة إليهم ، و جسامة مهامهم في الحفاظ على النظام الكوني ضد قوى الفوضى .

في بداية القصيدة ؛ كانت الآلهة الأصغر تنادي الإله إنكي طالبة المساعدة إلا أنه فضلّ النوم متجاهلاً نداءاتها، وعندما توقظه والدته الإلهة نامو وهي حاملة دموع الآلهة إليه ؛ كان ظنّا منها قد تؤثر فيه ؛ فيستجيب .

على عكس إنانا التي لم تكن إلهة للأمومة أبداً ؛ بل هي إلهة سومرية للخصب والحب والإنجاب والعواطف ، كما ارتبطت بالحرب والعنف والنزوات أيضاً ، وكانت في الأصل إلهًة زراعية صغيرة نمت بشعبية كبيرة لدرجة أنها أصبحت تُعبد في جميع أنحاء بلاد الرافدين كملكة للسماء . وقد برزت في عدد من الأساطير المعروفة ، كما في ملحمة گلگامش (2150- 1400 قبل الميلاد) عندما صارت تُعرف باسم “عشتار” .

في عدد من الأعمال الأدبية مثل ؛ (إنانا وشجرة الهيولبو، إنانا وإله الحكمة) يُنظر إلى إنانا ؛ على أنها إلهة لعوب محتالة ومخادعة ، فهي تنل ماتريد بطريقتها الخاصة . برزت في وقت مبكر جداً من تاريخ بلاد الرافدين من خلال قصائد الشاعرة ” إنهيدوانا ” (من 2285-2250 قبل الميلاد) ، ابنة سرجون الأكدي ( 2334-2279 قبل الميلاد) ، مؤسس الإمبراطورية الأكدية وفي بداية فترة حُكْم الملك حمورابي ؛كانت إنانا الإلهة الأكثر شعبية في بلاد الرافدين عندما جُعلت الراعية والإلهة لمدينة بابل .

يُزعم أن تيامات هي النسخة البابلية من نامو ؛ لكن لا يوجد أي إجماع علمي على هذا الطرح . التشابه الوحيد بين الاثنتين هو أن كلتيهما أنثى و مرتبطتان مع البحر ، ودورهما المتقارب في القصص المتعلقة بخليقة الكون والإنسان .

لاحظ بعض العلماء أنه لم يكن لديهما أتباع أو حتى معبد يخصّهما ، ولكن تم الطعن في هذا الادعاء من خلال ذكر مزار للإلهة “نامو” في مدينة بابل .

الاختلاف الأكثر أهمية بين الاثنتين ؛ هو طبيعتهما الجوهرية : فالإلهة نامو هي راعية الأمومة والتنشئة دائماً ، بينما الدافع الأساسي للإلهة تيامات في عناية الآخرين (قد ضعف ) ؛ بسبب تمرّد الأبناء الصغار على الآلهة الكبار في السن ، حتى أنها أصبحت انتقامية ومدمرّة في النهاية . هذا الفصل الأخير من سيرة الإلهة تيامات ، ربطها بشكل وثيق مع الإلهة إنانا أو عشتار في ملحمة گلگامش .

ملخص ملحمة إينوما إيليش ـ أسطورة الخلق

قصة الخلق البابلية التي تبدأ مع خلق الكون ؛ عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء ؛ وفي الأسفل لم يكن هناك أرض ؛ لم يكن في الوجود سوى المياه الأولى الغير متمايزة من الدوّامات في حالة الفوضى ، فانقسمت إلى مياه عذبة وأخرى مالحة . المياه العذبة خلقت الإله أبسو ، بينما المياه المالحة خلقت الإلهة تيامات ، ومن اتحادهما ولدت الآلهة الصغيرة في السن .

هكذا امتلأ موطن الآلهة الأكبر بعدد من الآلهة الجديدة المليئة بالشباب والحيوية ، والنشاط الدائم والحركة الدؤوبة ، مما غيّر الحالة السابقة ، وذلك باستحداث وضعاً جديداً لم تألفه آلهة السكون البدائية التي عكّرت صفوها الحركة المستمرة ، وأقلقت سكونها الأزلي . وصِف ذلك المشهد في المقطع أدناه من الملحمة :

اجتمع الإخوة الإلهيون معاً

ضجيجهم بات أقوى ، جعلوا تيامات في حالة من الاضطراب

فقد تلاعبوا بأعصاب تيامات

كانوا بحركتهم ينشرون الذعر … (السطور 21-24)

تيامات تبدو منزعجة منهم ، لكنها تشعر بالعجز في التأثير على سلوكهم

كانت تيامات تواجههم صمتاً

كانت تصرفاتهم مزعجة لها

على الرغم من أن سلوكهم لم يكن مقبولاً، إلاّ أنها رغبت في تجنبهم… (السطور 26-28)

شعر أبسو بالغضب أيضاً من تصرفات أبنائه ، فقام بالتشاور مع مساعده (أو خادمه) “مومو ” حول تلك المشكلة. ثمّ اتفقا على أن لا يمكن فعل أي شيء حتى يتحدثا مع تيامات . ذهبا سوياً إلى غرفتها حيث بدأ أبسو الحديث قائلاً :

” لقد أصبح سلوكهم مزعجاً بالنسبة لي، ولا أستطيع أن أرتاح في النهار أو أنام الليل . سوف أحطمهم وأنهي طريق حياتهم ، لربما يعود السكون و يمكنني أن أنام “.

عندما سمعت تيامات هذا الكلام

احتدمت وصرخت بزوجها

بكت في ضيق و حسرة ، غاضبة في داخل نفسها

حزنت من الشر المدّبر [قائلة]

“كيف يمكننا تدمير ما أنجبنا ؟

على الرغم من أن سلوكهم يسبب الضيق ، دعونا نعلمّهم الانضباط ، وبلطف “. (السطور 37-46)

على الرغم من رفض تيامات فكرة زوجها أبسو في القضاء على حياة أبنائهما ، إلا أن مومو أقنع أبسو في تجاهل توسلات تيامات و نداءاتها ، وشجّعه في التخلص من صغاره .

اتفق أبسو ومومو على قتل الآلهة الصغيرة دون علم زوجة الأول ، غير ان تيامات عرفت بالأمر المدبّر، فما كان عليها إلا أن تحذر أبناءها من وقوع الخطر عليهم . ما من سبيل أمام تيامات بعد نفاذ حيلتها أمام إصرار زوجها ، غير الذهاب إلى إيا إله الحكمة (المعروف أيضاً باسم إنكي) طالبة المشورة منه .

الإله إيا ؛ بالإضافة إلى حكمته وذكائه الفائق ، فهو كان أيضا إلهاً للسحر. ومن خلال قوة السحر العظيمة ، استسلم أبسو للنوم بسبب تعويذة أطلقها عليه إيا ، ومن ثم قام بقتله ، وأودع مومو السجن .

بعد موت أبسو ، جعل أيا من جسده المياه العذبة في منزله ، (المرتبط بالمدينة السومرية “أريدو” في مكان آخر من الملحمة) ، وبمجرد تسوية كل شيء وإقامة النظام الكوني ، فما كان من إيا إلا أن يعيش هو وزوجته ” دميكينا “بسعادة عندما ولد ابنهما “مردوخ “.

مردوخ الإله الشاب ، كان أقوى من جميع الآلهة الأخرى الموصوفة بأنها “مبهرة” و “قوية” ، مع “هالة الآلهة العشرة ، كانت قد تعالت قوته” (السطر 103) . إذ كان في قصة الخلق البابلية يتفوق بالوصف على جميع أقرانه الآلهة الشباب ، حتى أنه أصبح المصدر الأكثر ازعاجاً بالنسبة إلى تيامات من أبنائها الصغار، وكما ورد في المقطع التالي :

قام بخلق الغبار ، وأجبر إعصاراً ليدفعه

صنع موجة لجلب الذعر إلى تيامات

كانت تيامات في حيرة من أمرها . ليلاً ونهاراً ، وهي محمومة

(السطور 107-109)

واجه أبناء تيامات الكبار بمعية الالهة الكبرى والدتهم ، وسؤالها عن موت والدهم مذكّرين إيّاها ؛ من أنها لم تفعل شيئاً عندما قُتل أبسو ، ولم تتقدم بشكوى عندما سُجن مومو . ثمّ قالوا لها ؛ أنّ مردوخ والآلهة الأصغر سنّاً ، قد يجعلون حياتهم بائسة عندما يفعلون ما يشاؤون دون أي اعتبار لهم وكبارهم . وبّخوها في البداية ؛ بحجة أنها لا تحبهم ، ومن ثمّ أخذوا يتوسلونها في شن حرب على الآلهة الأصغر والانتقام لأبسو ، وطالبوها أيضاً في وضع حد للضوضاء المستمرة وعدم الاستقرار .

استمعت تيامات إلى مستشارها ، ثمّ وافقت على خوض الحرب ، قائلة : ” فلنخلق الوحوش ، كما نُصِحتْ ” (السطر 126) .

أنجبت تيامات الوحوش الأحدَ عشر والمعروفة باسم مخلوقات تيامات ، والتي سوف تساعدها في معركتها القادمة مع الآلهة الأصغر ، وهم كالتالي :

1. ” موسموهو/ الغاضب ؛ 2. أوسومگالو/ الممجد ؛ 3. بسمو/ الحقود ” (ثلاثة ثعابين ذات قرون) .

4. أُومو دابروتو – العاصفة الهوجاء .

5. موشوسو – الوحش الثعبان .

6. لامو – الرجل الوحش المشعر.

7. أوگالو – العفريت الأسد .

8. أوريديمو – الأسد الهجين البشري ( النغل ) .

9. گيرتابولو- الرجل العقرب .

10. كولولو – الرجل السمكة (عريس البحر) .

11. كوساريكو – الرجل الثور .

ثم اختارت الإله ” قوينگو ” (عشيقها ) ، المحارب لقيادة قواتها ومنحه ألواح القدر ؛ التي تضفي الشرعية على حكم الإله والسيطرة على الأقدار ؛ إذ أن كل من يحمل ألواح القدر ؛ لديه سلطة عليا في السماوات والأرض والعالم السفلي .

مع جيشها الكبير ، خاضت تيامات الحرب ضد الآلهة الأصغر سنّا ، وتمكنت من هزيمتهم – لكنها لم تقتلهم ( غريزة الأمومة ) .

حاولت الآلهة الأصغر سنّاً من تحدّي القوة الضاربة ، لكنها لم تتمكن من مواجهة قوينگو وألواح القدر ، أو حتى مخلوقات تيامات التي تقود بقية الآلهة الحليفة ضدهم .

وقعت الآلهة الأصغر في الحرج واليأس بعد الهزيمة الساحقة التي منيت بها ، لكن الإله مردوخ بادر الى التطوع في محاربة تيامات و جحافلها ، على شرط أن يصبح بعد تحقيق النصر ؛ الحاكم الأعلى وصاحب الشأن الأول ، كما يتبين من المقطع أدناه :

إذا كان يجب أن أصبح مُنتقِمكم

إذا قيّدتُ لكم تيامات ، وصنتكم

اعقدوا اجتماعاً وأعلنوا لي قدراً عظيماً

اجلسوا جميعاً … في بهجة

واسمحوا لي بقولي ، أن أقرر المصائر بدلاً عنكم

كل مبادرة مني ، يجب أن لا تُغفل

ولا يجوز إبطال أمري أو تغييره

( السطور 156-162)

وافقت الآلهة الأصغر بالإجماع على ذلك ، وقررت منح مردوخ صولجاناً سحرياً وهراوة ، بينما هو تقلّد قوساً قوياً بنفسه ، وعمد الى تخفيض شدة سطوع الضوء بهدف التخفّي .

واجه مردوخ جيش تيامات وقادته في المعركة ، وعلى حين غرّة ، أطاح مردوخ ؛ بـ (قوينگو ) وجرّده ألواح القدر . ثم توالت الانتصارات عندما قتل تيامات وحطم جمجمتها بصولجانه ، وشطرها إلى نصفين بأحد سهامه ، ثم انقضّ على مخلوقاتها المتوحشة ، وأمر الآلهة الأخرى بربطها عند قدميه كغنائم حرب .

من جثة تيامات خُلقت السماوات والأرض ، ومن عينيها الباكيتين تدفّق نهرا دجلة والفرات ، و جُعل ذيلها طريقاً للآلهة ، أو بما يسمّى ” درب التبانة” .

تشاور مردوخ مع إيا وكان قرارهما ؛ أن الآلهة سوف تحتاج إلى مساعدين يشاركونهم في الحفاظ على النظام الكوني الذي تم إنشاؤه حديثاً . أصدر مردوخ مرسوماً يقضي ؛ أن البشر يُخلقون من بقايا الآلهة الأكبر سناً الذين حرضوا على المنازلة والتحدي ، والذين شجعوا تيامات على شن الحرب . من دم القتيل قوينگو يخلق إيا الـ ” لولّو “، بمعنى (الرجل الأول) . ثم يقوم مردوخ بتنظيم الحياة على الأرض والعالم السفلي ، ومن ثمّ تنتهي القصيدة بتمجيد مردوخ كملك للآلهة .

تفسير باهت لشخصية تيامات بصفتها الأدبية / الأسطورية أثاره عدد كبير من الباحثين ؛ وذلك عندما تمّ وصفها كرمز للفوضى التي كانت موجودة قبل تأسيس النظام في الكون .إلاّ أن القصيدة نفسها لا تظهر هذا الوصف بالضبط ! ، وأن تيامات كانت تعارض استخدام العنف في بداية القصيدة ؛ بل أنها طالبت زوجها في اتخاذ إجراءات أقل صرامة مع أبنائه . لكنها فقط ؛ وبعد مقتل أبسو على يد إيا ، قَبِلت مرغمة رأي مستشارها وأولادها الأكبر سناً في شنّ الحرب على الآلهة الصغيرة ، وذلك بعدما شعرت بالخيانة والذّل من قبلهم . إنها بالتأكيد قد استخدمت القوة الغاشمة ضدهم ، ولكن لا يمكن رؤيتها على هذا النحو في بداية القصيدة .

يُعتقد أن تحوّل تيامات من الأم الحامية والمربية إلى الملكة المحاربة المُنتقِمة ، يرجع إلى انتقال في النموذج الذي فقدت خلاله الآلهة الإناث مواقعها المتقدمة في البانثيون الرافديني ، وان هذا التحوّل في النموذج اللاهوتي ، كان قد حصل في عهد الملك حمورابي ، حيث فقدن الآلهة الإناث ( والنساء بشكل عام) دورهن السياسي والديني في بابل .

تم اقتراح هذا التفسير لأول مرة من قبل العالم البريطاني “روبرت گريڤز” ، وفيما بعد أُعتمد من قبل بعض المؤرخين ، مثل ؛ “ميرلين ستون ” في كتابها الأكثر شهرة ” عندما كان الله امرأة ” .

تزعم الحجّة ؛ أن تيامات كانت قد جمعت بعض الصفات السابقة لـ ” نامو ” كإلهة للأمومة مع الصفات اللاحقة للآلهة الإناث الباحثات عن الفوضى والانتقام ، كما هو الحال في ” إنانا ” التي تصبح عشتار ؛ عندما تظهر كإلهة عنيفة وغير منضبطة في ملحمة گلگامش من خلال المشهد الذي رفض فيه گلگامش علاقتها الغرامية معه . وعلى أثر ذلك ، فقد تسببت في موت ثور السماء زوج شقيقتها ، وصديق گلگامش (إنكيدو) .

يرى گريڤز وآخرون ؛ أن هذا التحول من الرؤية الأبوية إلى الرؤية اللاهوتية الأبوية ، قد تم تناوله بطريقة شعرية لشخصية تيامات في إينوما إيليش ، لأنه في جميع الأحوال ليس في الإمكان ذكره بشكل صريح في النص .

ليس هناك أدنى شك في أن عبادة الآلهة الأنثوية قد تراجعت في عهد حمورابي واستبدلت بالآلهة القوية القديمة ( الذكورية ) .

المشكلة في تفسير گريڤز ؛ ليس هناك دليل على وجود “نموذج لاهوتي أنثوي” في بلاد الرافدين . أقدم النقوش السومرية بشأن الآلهة تذكر العديد من الآلهة الأنثوية ، ولكن لديها “ذكر” مهيمن ويرأس البانثيون الرافديني بصورة دائمة .

يرى البروفيسور “پول كريڤاشيك ” ضرورة قراءة بديلة لإينوما إيليش وشخصية تيامات . فهو يعتقد ؛ أنه يجب استيعاب كلتيهما في ضوء تطور مفهوم (الزعيم أو القائد ) الذي يحمي أو يقود الناس ، مستشهداً بنشوء دولة المدينة في بلاد الرافدين . وقد وصف كريڤاشيك كيف تطور دور زعيم القبيلة ؛ وذلك حسب مخيلته كما في المقطع التالي :

” عندما وردت أنباء عن وجود لصوص وقطّاع طرق في طريقهم إلى المدينة ، (لربما تم رصدهم من قبل الرعاة وهم يرعون حيواناتهم في البرّية البعيدة عن أسوار المدينة) ، كانت الدعوة تنطلق الى الرجال لتشكيل سدّاً من المقاومة ضد الغزاة . تحوّل المزارعون أنفسهم إلى ميليشيا المواطنة ، فألقوا بالمجارف والمعاول جانباً ، وحملوا الهراوات والرماح بدلها . لعلّ هذا المشهد قد يُعتبر استجابة دفاعية كافية للعصابات الصغيرة ، إلا أنها لا تكن كذلك في حال صد هجوم بحجم كتيبة مثلاً . لذلك ، فقد كانت هناك حاجة إلى مجاميع مدرّبة من المقاتلين شبه المحترفين لتنتهي في جيش محترف بالكامل . إذ لم يكن بمقدور مراكز السلطة القديمة في المجتمع السومري (كهنوت المعابد ورؤساء القبائل ) ، أن يحشدوا العدد المناسب من الرجال و قيادتهم المعارك . كانت تلك المهمة تؤول بشكل افتراضي الى النخب الاقتصادية الجديدة (الرجال الكبار ـ لوگال) ، بممتلكاتهم الكبيرة وأتباعهم الكُثر . ” (ص 87)

الصعود بـ “الرجل الكبير” إلى مراكز السلطة العليا – وفقا لـ كريڤاشيك، هو لب قصة الخلق البابلية ، عندما أصبح مردوخ الملك بلا منازع للآلهة بعد فرضه جملة من المطالب كشرط لهزيمة قوى الفوضى .

إن تفسير كريڤاشيك هذا ؛ يتجاهل البناء الدقيق لشخصية تيامات في بداية القصيدة وارتباطها الوثيق مع نامو. كما أنه فشل في معالجة سبب شعبية إينوما إيليش ، ولماذا تُتلى سنوياً خلال فعاليّات مهرجان مردوخ في كل عام جديد ، ولماذا أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هذا المهرجان حتى بعد وفاة حمورابي .

يمكن للمتابع أن يرى في توصيف تيامات ؛ مبدأ الرجوع إلى المفهوم المتبقي للإلهة الأم ، وبالتحديد الإلهة “نامو” . ويمكن ان يتفق مع رأي گريڤز ؛ من أن مؤلف الملحمة قد سلّط الضوء على النسخة القديمة عمداً من أجل تحريفها وتشويهها . وتمشياً مع هذا الرأي ؛فإن شعبية القصيدة وأهميتها لمهرجان مردوخ ؛ كانت احتفالاً بانتصار المجتمع الذكوري .

من المحتمل جداً ؛ ان مؤلف ملحمة إينوما إيليش لم يحاول تغيير أية صيغة حرفية أو كتابة رمزية من أجل إبراز أسماء لامعة من زعماء القبائل والملوك ، لكنه كان ينفذ فقط ؛ العمل أدبياً الذي كلفه الملك حمورابي في كتابته .

كان مردوخ إلهاً زراعياً صغيراً في المنطقة قبل وصول حمورابي إلى السلطة ، لكنه كان الإله الذي اختاره الملك كـ (إله خاص) به . قبل عهد حمورابي وكما هو معروف ؛ كانت إنانا الإلهة الراعية لمدينة بابل ، وعلى الرغم من استمرار تبجيلها في بداية حكمه ، إلا ان شعبيتها قد تضاءلت بشكل كبير ، بعد أن ارتفعت منزلة الإله مردوخ إلى الإله الراعي على بابل بأمر من الملك حمورابي .

في شخصية تيامات ؛يجمع مؤلف ملحمة إينوما إيليش بين خصائص نامو الأم ، وإنانا ؛ وهما إلهتان معروفتان في ميثولوجيا بلاد الرافدين ، وذلك لتوضيح كيف أن سلطتهما السابقة قد أفسحت المجال في ظهور الإله مردوخ ؛ ولكن من دون أي تأثير من أحد . إذ لا يمكن أن نعتبر هذا العمل الأدبي قد ناله التشويه في صيغتيه الحرفية والرمزية ، كما لا يُعدّ وصفاً مقصوداً في بروز الحكّام أو الملوك ؛ بل هو مجرّد إفصاح عن إله قوي وجديد هناك حاجة إلى ظهوره .

في النهاية ؛ لا نجد في هذه الملحمة بجملة أحداثها وشخصياتها ؛ إلاّ ما يُعبّر عن ميول الملك تجاه إلهه المفضّل الذي وجب عليه تمجيده وتعظيمه في شكل واضح وصريح .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ستيڤن پيرتمان ـ الحياة في بلاد الرافدين ـ مطبعة جامعة أوكسفود ـ 2005 .

جيريمي بلاك ـ الإلهة ، العفاريت ، الرموز ـ مطبعة جامعة تكساس ـ 1992.

جيريمي بلاك ـ قراءة في الشعر السومري ـ مطبعة جامعة كورنيل ـ 1998 .

جيريمي بلاك ـ أدب سومر القديم ـ مطبعة جامعة أوكسفورد ـ الولايات المتحدة ـ 2006 .

جورج آندرو ـ ملحمة گلگامش ـ پنجوين كلاسيك للنشر ـ 2003 .

ثوركيلد جاكوپسن ـ كنوز الظلام ؛ تأريخ الديانات الرافدينية ـ مطبعة جامعة يل ـ 1978.

صموئيل نوح كريمر ـ السومريون ؛ تأريخ ، ثقافة ، شخصية ـ مطبعة جامعة شيكاغو ـ 1971 .

پاول كريڤاشيك ـ بلاد الرافدين و ولادة الحضارة ـ سانت مارتينز گرڤن للنشر ـ 2012 .

ميرلين ستون ـ عندما كان الله امرأة ـ مارينر للكتاب ـ 1978.

صموئيل نوح كريمر ـ إنانا ؛ ملك

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.