توطين الماركسية بالخرافات الإسلامية !

احمد القاضي
في اعقاب الانهيار الكامل للمعسكر الاشتراكي في اوائل التسعينات من القرن الماضي علق احد مواطني ما كان يعرف ببرلين الشرقية لافتة على رقبة تمثال كارل ماركس المنصوب في ميدان كارل ماركس مكتوب عليها ( لست مسؤولآ عما حدث….التوقيع : كارل ماركس )…. هذا الخبر الذي نشرته وكالات الانباء آنذاك من باب الطرفة حمل الكثير من المعاني والدلالات البعيدة الاغوار…فيبدو ان الماركسية لم تكن محظوظة فعوضآ عن ان تجد طريقها الى التطبيق في بلد رأسمالي متطور مثل بريطانيا ذات التقاليد الديمقراطية الراسخة فانها دخلت حيز التطبيق في بلد له جذور قديمة في نمط الاستبداد الآسيوي ولم يتم القضاء فيه على الاقطاع الا قبل خمسين سنة ونيف من انتصار الثورة الاشتراكية التي سميت بالعظمى وذلك بمرسوم الاصلاح الصادر في العام 1860 لتحرير الاقنان….ولم ينته الامر عند هذا الحد، فالدعاية الضخمة التي رافقت قيام الاتحاد السوفيتي و ملأت ارجاء المعمورة عن جنة الاشتراكية حيث العدالة والمساواة التي تحققت على ارض الواقع حفزت الى قيام احزاب شيوعية في افريقيا وآسيا وامريكا اللأتينية ….أي ببلدان لا يوجد فيها الحد الادنى من شروط قيام حزاب ماركسية لينينية تقود الطبقة العاملة ( التى لا وجود لها في تلك الانحاء ) كالقاطرة حسب التعريف الستاليني للتنظيم الشيوعي الحديدي…ولاجتياز ذلك العائق الموضوعي وتشجيع احزاب العالم الثالث الشيوعية لجأ الحزب الشيوعي الام بموسكو في احد مؤتمراته الى سك شعار ينتسب الى عالم الفانتازيا وهو ( امكانية الانتقال الى الاشتراكية بدون المرور بمرحلة الرأسمالية ) وهي بمثابة الانتقال الى المرحلة الجامعية دون المرور بالمرحلة الثانوية.

عائق الاسلام
الحلقات الماركسية التي ظهرت في بعض البلدان الاسلامية الناطقة بالعربية وتحولت الى احزاب شيوعية لم تواجه فقط حقيقة ان الطبقة التي انشئ الحزب من اجلها على اكتاف نخب من البرجوازية الصغيرة لا وجود لها او مازالت في حالة جنينية بل وواجهت عقبة اكبر هي عقبة الدين ….فقد وصمت منذ البداية بانها احزاب الحادية وخاصة بعد انتشار تلك المقولة الماركسية الشهيرة انتشار النار في الهشيم (( الدين افيون الشعوب )) ….وازدادت عقبة الدين وعورة بعد دخول امريكا في الخط …فأثر تحول الاتحاد السوفيتي الى قوة عالمية كبرى عقب الحرب العالمية الثانية بات في قبضته نصف اوربا انهمكت امريكا في تنفيذ استراتيجيتها الجديدة القائمة على حصار الاتحاد السوفيتي ومنع اي انتشار لنفوذه في بلدان غرب اوربا وآسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية…واعتبرت تلك الاستراتيجية جميع الاحزاب الشيوعية في مختلف القارات ادوات للاتحاد السوفيتي تساعد على انتشار نفوذه فاتجهت الى محاصرة هذه الاحزاب وعزلها مستخدمة الوسائل التي تناسب كل مجتمع….ففي المجتمعات الاسلامية الناطقة بالعربية تحالفت امريكا مع الحركات الاسلامية لادراكها ان المفتاح الى العقل الاسلامي المغيب هو الدين ولا شئ غير الدين…. وبلغ هذا التحالف ذروته في نهاية السبعينات واوئل الثمانينات باعلان الجهاد ضد قوات الغزو السوفيتي لافغانستان…وهكذا كان المحور الاساسي للحرب الدعائية ضد الاحزاب الشيوعية في البلدان الاسلامية هو الدين…وكانت على هذا النحو: الاحزاب الشيوعية تعمل على نشر الالحاد والتفسخ والانحلال….مؤسس الماركسية يهودي…في الاتحاد السوفيتي اغلقوا المساجد والكنائس وحولوها الى مخازن والاحزاب الشيوعية ستفعل نفس الشئ اذا استلمت السلطة في البلدان الاسلامية.

المداوة بالتي هي الداء
لجأ الماركسيون في البلدان الاسلامية لمواجهة عقبة الدين الى حيل كثيرة لتمرير البضاعة الماركسية في مجتمعات زراعية متخلفة غارقة على خلاف بلدان الدنيا في غيبيات هي مرجعيتها في كل كبيرة وصغيرة…..منها الادعاء في برامجهم انهم يحترمون الاديان وحرية العقيدة وفي نفس الوقت تحاشي التطرق بما هو سلبي الى الدين او موضوعات الدين او اثارة اية نقاشات فلسفية حول الدين في ادبياتهم من قريب او بعيد …وركزوا على الجانب السياسي واحلام جنة الاشتراكية الموعودة…اماالحيلة الاخطر فقد كانت محاولة مقاربة االماركسية والاسلام.لاثبات ان الماركسية ليست غريبة على المجتمعات الاسلامية وليست بالنبت الشيطاني….انهمك الماركسيون في نبش التراث الاسلامي لاستخراج ما يفيد انه طبيق الفكر الماركسي …واخذوا في استدعاء شخصيات اسلامية من فجر الاسلام بزعم انها كانت اشتراكية في فكرها وسلوكها.

بندل جوزي
لعل اول من ولج هذا الدرب في ثلاثينات القرن الماضي هو الباحث الفلسطيني بندلي جوزي بكتابه (( من تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام )) ..وليس هناك في سيرته المنشورة ما يخبر متى اعتنق الماركسية… كل ما يشير اليه ذلك القليل من اخباره انه من اسرة مسيحية ارثوذوكسية تعلم في المدرسة الارسالية التبشيرية الروسية بالقدس وتم ابتعاثه الى روسيا القيصرية لدراسة اللاهوت في العام 1891 وبعد ان درس اللاهوت وتحصل على الماجستير في االلغة العربية تم تعيينه استاذآ مساعدآ في كافدرا اللغة العربية بجامعة قازان…و