توطين الماركسية بالخرافات الإسلامية !

احمد القاضي
في اعقاب الانهيار الكامل للمعسكر الاشتراكي في اوائل التسعينات من القرن الماضي علق احد مواطني ما كان يعرف ببرلين الشرقية لافتة على رقبة تمثال كارل ماركس المنصوب في ميدان كارل ماركس مكتوب عليها ( لست مسؤولآ عما حدث….التوقيع : كارل ماركس )…. هذا الخبر الذي نشرته وكالات الانباء آنذاك من باب الطرفة حمل الكثير من المعاني والدلالات البعيدة الاغوار…فيبدو ان الماركسية لم تكن محظوظة فعوضآ عن ان تجد طريقها الى التطبيق في بلد رأسمالي متطور مثل بريطانيا ذات التقاليد الديمقراطية الراسخة فانها دخلت حيز التطبيق في بلد له جذور قديمة في نمط الاستبداد الآسيوي ولم يتم القضاء فيه على الاقطاع الا قبل خمسين سنة ونيف من انتصار الثورة الاشتراكية التي سميت بالعظمى وذلك بمرسوم الاصلاح الصادر في العام 1860 لتحرير الاقنان….ولم ينته الامر عند هذا الحد، فالدعاية الضخمة التي رافقت قيام الاتحاد السوفيتي و ملأت ارجاء المعمورة عن جنة الاشتراكية حيث العدالة والمساواة التي تحققت على ارض الواقع حفزت الى قيام احزاب شيوعية في افريقيا وآسيا وامريكا اللأتينية ….أي ببلدان لا يوجد فيها الحد الادنى من شروط قيام حزاب ماركسية لينينية تقود الطبقة العاملة ( التى لا وجود لها في تلك الانحاء ) كالقاطرة حسب التعريف الستاليني للتنظيم الشيوعي الحديدي…ولاجتياز ذلك العائق الموضوعي وتشجيع احزاب العالم الثالث الشيوعية لجأ الحزب الشيوعي الام بموسكو في احد مؤتمراته الى سك شعار ينتسب الى عالم الفانتازيا وهو ( امكانية الانتقال الى الاشتراكية بدون المرور بمرحلة الرأسمالية ) وهي بمثابة الانتقال الى المرحلة الجامعية دون المرور بالمرحلة الثانوية.

عائق الاسلام
الحلقات الماركسية التي ظهرت في بعض البلدان الاسلامية الناطقة بالعربية وتحولت الى احزاب شيوعية لم تواجه فقط حقيقة ان الطبقة التي انشئ الحزب من اجلها على اكتاف نخب من البرجوازية الصغيرة لا وجود لها او مازالت في حالة جنينية بل وواجهت عقبة اكبر هي عقبة الدين ….فقد وصمت منذ البداية بانها احزاب الحادية وخاصة بعد انتشار تلك المقولة الماركسية الشهيرة انتشار النار في الهشيم (( الدين افيون الشعوب )) ….وازدادت عقبة الدين وعورة بعد دخول امريكا في الخط …فأثر تحول الاتحاد السوفيتي الى قوة عالمية كبرى عقب الحرب العالمية الثانية بات في قبضته نصف اوربا انهمكت امريكا في تنفيذ استراتيجيتها الجديدة القائمة على حصار الاتحاد السوفيتي ومنع اي انتشار لنفوذه في بلدان غرب اوربا وآسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية…واعتبرت تلك الاستراتيجية جميع الاحزاب الشيوعية في مختلف القارات ادوات للاتحاد السوفيتي تساعد على انتشار نفوذه فاتجهت الى محاصرة هذه الاحزاب وعزلها مستخدمة الوسائل التي تناسب كل مجتمع….ففي المجتمعات الاسلامية الناطقة بالعربية تحالفت امريكا مع الحركات الاسلامية لادراكها ان المفتاح الى العقل الاسلامي المغيب هو الدين ولا شئ غير الدين…. وبلغ هذا التحالف ذروته في نهاية السبعينات واوئل الثمانينات باعلان الجهاد ضد قوات الغزو السوفيتي لافغانستان…وهكذا كان المحور الاساسي للحرب الدعائية ضد الاحزاب الشيوعية في البلدان الاسلامية هو الدين…وكانت على هذا النحو: الاحزاب الشيوعية تعمل على نشر الالحاد والتفسخ والانحلال….مؤسس الماركسية يهودي…في الاتحاد السوفيتي اغلقوا المساجد والكنائس وحولوها الى مخازن والاحزاب الشيوعية ستفعل نفس الشئ اذا استلمت السلطة في البلدان الاسلامية.

المداوة بالتي هي الداء
لجأ الماركسيون في البلدان الاسلامية لمواجهة عقبة الدين الى حيل كثيرة لتمرير البضاعة الماركسية في مجتمعات زراعية متخلفة غارقة على خلاف بلدان الدنيا في غيبيات هي مرجعيتها في كل كبيرة وصغيرة…..منها الادعاء في برامجهم انهم يحترمون الاديان وحرية العقيدة وفي نفس الوقت تحاشي التطرق بما هو سلبي الى الدين او موضوعات الدين او اثارة اية نقاشات فلسفية حول الدين في ادبياتهم من قريب او بعيد …وركزوا على الجانب السياسي واحلام جنة الاشتراكية الموعودة…اماالحيلة الاخطر فقد كانت محاولة مقاربة االماركسية والاسلام.لاثبات ان الماركسية ليست غريبة على المجتمعات الاسلامية وليست بالنبت الشيطاني….انهمك الماركسيون في نبش التراث الاسلامي لاستخراج ما يفيد انه طبيق الفكر الماركسي …واخذوا في استدعاء شخصيات اسلامية من فجر الاسلام بزعم انها كانت اشتراكية في فكرها وسلوكها.

بندل جوزي
لعل اول من ولج هذا الدرب في ثلاثينات القرن الماضي هو الباحث الفلسطيني بندلي جوزي بكتابه (( من تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام )) ..وليس هناك في سيرته المنشورة ما يخبر متى اعتنق الماركسية… كل ما يشير اليه ذلك القليل من اخباره انه من اسرة مسيحية ارثوذوكسية تعلم في المدرسة الارسالية التبشيرية الروسية بالقدس وتم ابتعاثه الى روسيا القيصرية لدراسة اللاهوت في العام 1891 وبعد ان درس اللاهوت وتحصل على الماجستير في االلغة العربية تم تعيينه استاذآ مساعدآ في كافدرا اللغة العربية بجامعة قازان…وبعد انتصار الثورة الاشتراكية وقيام الاتحاد السوفيتي عين استاذآ للآداب بجامعة باكو…ولا ندري عما اذا كان اعتناقه للماركسية تم للتوافق مع الاوضاع الجديدة في روسيا ام في وقت سبق قيام الاتحاد السوفيتي…. وفي كتابه هذا، ذي الحجم الصغير بصفحاته التي تربو قليلآ على المائتي والمكون من اربعة فصول يتقصى بندلي جوزي العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تضافرت لخلق واقع ظالم جائر وفاسد في العصرين الاموي والعباسي ارهق كاهل الامم المغلوبة المضطهدة وادى الى نهوض ثلاث حركات مسلحة يسميها بالحركات الاشتراكية وهي حركة بابك والاسماعيلية والقرامطة… ويذهب الى حد القول بان القرامطة اقاموا في البحرين (( دولة شيوعية )) كما يسميها بالحرف الواحد..ويسميها احيانآ بــــ (( الجمهورية العربية الاشتراكية ))… ولست اريد التوقف عند هذه الحركات التي يتضح منذ البدء تلهف الباحث بندلي جوزي الى تصنيفها بالشيوعية ليثبت انها، اي الشيوعية، ليست بالغريبة على التراث العربي الاسلامي بل اود ان نتمعن في الفصلين الاول والثاني التمهيديين حيث يقوم باسباغ المفاهيم الثورية والتحررية والاشتراكية على الاسلام كله وليس فقط على تلك الحركات… ويرسم صورة انسانية رومانسية بريئة لمحمد حتى بلغ به الامر الى حد تشبيهه بالحكماء بوذا وسقراط وزرادشت الذين لم يحملوا سيفآ ولم يقتلوا نملة ولم يستعبدوا انسانآ ولم يقطعوا طريقآ…واكثر من هذا، يعتبره قائدآ لثورة اجتماعية تحررية اشتراكية ضد اثرياءقريش التف حولها الفقراء والارقاء…وهي رؤية تفتقر الى التحليل المتعمق لشخصية محمد المتقلبة وتعالميه التي جاءت كخلاصة ثقافة العصر العبودي…..فالشخصية المحمدية على حقيقتها غائبة في كتاب بندلي جوزي…..واذا جاز له ان ينخدع بالمرحلة المكية مرحلة الضعف والتمسكن…مرحلة ( لكم دينكم ولي دين ) و( فك رقبة او اطعام في يوم ذي مسبغة ) و( ويل للمطففين ) فانه ما كان له ان يغفل عن حقيقة المرحلة اليثريبة التي تحول فيها محمد الى ديكتاتور لا ترد له كلمة…والى قاطع طريق يروع قبائل الجزيرةالعربية بالغزوات الفجرية لينهب اموالهم ويسبي نساءهم…وقد اثرى ثراء كبيرآ بعد ان استولى دون شريك على بساتين واراضي بني النضير الخصبة الذين طردهم الى خارج يثرب ….والى جانب ذلك، كان يأخذ لنفسه خمس الغنائم عقب كل غزوة…..ونتيجة لهذا الثراء الذي حققه بحد السيف بنهب القبائل اصبح يمتلك جيشآ من النساء والاماء والخدم حتى انه كان يمتلك خادمآ خاصآ يحمل له حذاءه وهو عبد الله بن مسعود فاين هذه الحياة المتنعمة من تلك عندما كان جائعآ يرعى الاغنام…ولو تمعن الدكتور جوزي في المرحلة المكية ذاتها لاكتشف ان محمدآ كان بعيدآ عن حياة الزهد وخاليآ من اية نزعة اشتراكية وبلغة اليوم كان مسكونآ بـــ ( تطلعات برجوازية ) ….وهناك ثلاثة مؤشرات.لذلك الاول: هو اقترانه بالعجوز الثرية خديجة بنت خويلد التي تكبره بخمس عشرة سنة وعرفت بثرائها الفاحش حيث كانت تمتلك اكبر اسطول من القوافل التجارية في مكة…. وقد ساعده ذلك على ان يعيش في رفاهية ويتفرغ بالكامل لمشروعه السياسي بارتياد الاسواق لسماع الخطب والاشعار والاختلاء لنفسه في غار حراء وهو من جنس ما يسميه كولن ويلسون في كتابه ( اللامنتمي ) الانسحاب من اجل العودة بقوة ……ولم تبدأ ثروة سيدته في الاضمحلال الا اثر مقاطعة القرشيين لها اقتصاديآ حين افصح عن دعوته …والمؤشر الثاني هو ازوراره عابسآ عن الاعمى الفقير عبد الله بن مكتوم عندما جاءه يسأل عن شئ بينما هو جلوس مع نفر من عظماء قريش يتحدث معهم….ويبدو ان محمدآ ادرك في ما بعد خطورة ما فعله وخاصة ان جل اتباعه القليلين كانوا من الارقاء والفقراء الذين ظنوا ان في الدعوة الجديدة نهاية عصر العبودية….فاعتذر له محمد لتطييب خاطره وليوهم اتباعه الفقراء بانهم احباؤه وجاء الاعتذار بطريقة تحفظ له ماء وجهه حيث ادعى ان الله عاتبه على ذلك بسورة عبس…والمؤشر الثالث هو ما تمناه بان يعز الله دعوته باحد العمرين وكان الاثنان من ملأ قريش الاعلى وهماعمر بن الخطاب وعمرو بن هشام الذي لقبه القرشيون بابي الحكم ولقبه محمد بابي جهل…وهكذا نجد ان محمدآ لم يتطلع الا الى الثراء والاثرياء حتى اصبح واحدآ منهم في المرحلة اليثريبية…وقد غاب عن بندلي جوزي كل ذلك او اراد ان يتجاهله….والادهى انه يعتبر الانقلاب الكامل الذي حدث في طبيعة الدعوة الاسلامية وسلوكيات محمد بعد هروبه الى يثرب او بكلمات ادق انكشاف حقيقته كمتعطش للثراء والنساء والحياة المترفة والتملك والاستحواز مجرد ( تساهل ) و( تنازل ) عن بعض الافكار والمبادئ !! على حد تعبيره….ويذهب بندلي جوزي ابعد من ذلك باشادته بما يسمى بالفتوحات الاسلامية ووصفه لعمر بن الخطاب بالفاتح العظيم…وهذا (( الفاتح العظيم )) هو صاحب (( العهدة العمرية )) ترى هل اطلع عليها بندلي جوزي؟!……. لعل الدكتور بندلي جوزي قد بدا له انه يكتب على ضؤ منهج المادية التاريخية ولكنه كان بعيدآ حتى عن الموضوعية والدقة التاريخية ناهيكم عن المادية التاريخية…الملاحظ ان الماركسي الراحل والقيادي في الحزب الشيوعي اللبناني الدكتور حسين مروة كتب مقدمة للطبعة الثانية من كتاب بندلي جوزي وانحصر نقده له في قوله ان الظروف آنذاك – يقصد في الثلث الاول من القرن العشرين – لم تكن مواتية لينضج بندلي جوزي استيعابه لمنهج المادية التاريخية وطريقة استخدامه..حيث اسقط على حركات بابك والاسماعيلية والقرامطة مفاهيم الاشتراكية المعاصرة…..وفي واقع الامر ليس هذا هو العيب الوحيد في كتاب بندلي جوزي كما يحسب الدكتور حسين مروة بل العيب في مجمل رؤيته للدعوة المحمدية…وعجز الدكتور مروة عن اعمال قلمه لنقد هذه الرؤية التي لا تختلف عن الرؤية السلفية التقليدية للاسلام يعود الى ان مروة نفسه حبيس هذه الرؤية كما تقول مؤلفاته.ولا يختلف في شئ عن بندلي جوزي.

حسين مروة
لا يخالج من يقرأ كتب الماركسي اللبناني الراحل الدكتور حسين مروة ( النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية ) و ( تراثنا كيف نعرفه ) و( دراسات نقدية على ضؤ الواقعية ) وغيرها اي شك في انه ظل امينآ ووفيآ للحوزة الدينية في النجف بالعرآق التي توجه اليها في مقتبل شبابه ومكث في حلقاتها الدينية اربع عشرة سنة….ويتراءى لي انه كان يقوم بنفس العمل الذي يقوم به الدكتور الجيولوجي زغلول النجار ولكن بطريقة اخرى…فاذا كان النجار يلوي عنق الآيات لايهام قرائه اومستمعيه بان القرآن قد سبق كوبرنيكس وجاليلو ونيوتن وانشتاين وستيفن هوكنغ وغيرهم بالقوانين الفلكية والفيزيائية والكيمائية والطبية المختزنة فيه فان الدكتور مروة يجعل عظام ماركس تتحرك في قبره وهو يحوّل منهج المادية التاريحية الى اداة سحرية يطوعها ليعطي للغيبيات والميتافيزيقيات.معان عقلانية ومادية….وبهذه الاداة السحرية العجيبة يكون ظهور الاسلام في مفهوم مروة ضرورة تاريخية…وهو في نظره دين للحرية والمساواة بين البشر والاجناس ومثله مثل بندلي جوزي لا فرق عنده بين المرحلة المكية والمرحلة اليثريبية التي اتجهت فيها الدعوة المحمدية الى الغزوات والمذابح والنهب والسلب والسبي…وحركات الردة التي انتشرت في سائر الجزيرة العربية بعد موت محمد كرد فعل لدكتاتوريته وفرضه لدينه بحد السيف واجباره للقبائل على دفع الزكاة هي في مفهوم الدكتور مروة (( ثورة مضادة )) و(( وذات مضمون رجعي لانها في جوهرها العام تناهض الجانب التقدمي من الحركة الاسلامية )) على حد قوله……اما حروب الاستعمار الاستيطاني المسمية بالفتوحات التي حولت شعوب العرآق وفارس ومصر والشام وشمال افريقيا الى اقنان كادحين في بلدانهم واراضيهم الزراعية التي وضع المحتلون العرب يدهم عليها قهرآ وقسرآ لايراها الدكتور مروة احتلالأ ولا استيطانآ… فالفتوحات في مفهومه عملية حضارية كبرى ويصل الدكتور حسين مروة الى حد تزييف التاريخ عندما يقول ان اهل الشام رحبوا بالفتح الاسلامي كرهآ للبيزنطيين وان الفاتحين عاملوا سكان تلك البلاد المغلوبة بالحسنى ولم يجبروهم على الاسلام.. (( راجع كتاب الدكتور مروة الجزء الثاني من ” النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية ” للاستزادة من نتاج تحويل منهج المادية التاريخية الى اداة سحرية للتلفيق والتزوير )) ..وبالاطلاع على كتابه ( تراثنا كيف نعرفه ) لن تجده، وانت تقرأ مثلآ ما كتبه عن المتنبي والحركة الشعوبية وغيرها، سوى قومي عروبي متحمس…فالشعوبية عنده شعوبيتان…شعوبية معتدلة كانت تطالب بالمساواة واخرى شوفينية عنصرية ترى انها افضل من العرب…ولو كان منصفآ لاقر بان الشعوبية التي وصفها بالشوفينية كانت ردآ طبيعيآ لشوفينية العرب وعنصريتهم وتعاليهم على الشعوب المغلوبة وتسخيرها لخدمة الفاتحين واتخاذ ابنائها موالي…ومع ان دكتور مروة اشار الى ان الحركة الشعوبية في مجملها جاءت ردآ على شعار (( العرب خير الامم )) الا ان ذلك لم يكن كافيآ حيث حمل على الشعوبية دون ان يوازي شوفينيتها التي زعمها بشوفينية العرب….ومما يلفت النظر انه في هذا الكتاب يبرئ ابا العلاء المعري من تهمة ( الكفر ) و( الزندقة ) استنادآ الى اشارات ايمانية في ديوان ( سقط الزند ) كما يقول وكأن في ذلك اعلاء لشأن المعري ….و( سقط الزند ) هو نتاج مرحلة الشباب بينما ( اللزوميات ) الذي يعود الى مرحلة الكهولة يشكل عصير تجربته الحياتية والفكرية ويمتلئ بالشك والاسئلة الوجودية ومن البديهي ان يعتد بافكاره ومواقفه التي ختم بها حياته….ولعل الطامة الكبرى تتمثل في ما كتبه عن ( الطبقات الكبرى لابن سعد ) اذ يقول في مبتدئه (( ان مجموعة تراثنا الثقافي تنبع، في مبدئها، الى حقيقة تاريخية ترجع الى تدوين علوم: الحديث والرجال والانساب، والتفسير والسير، في العهد التدويني الاول…)) انتهى…ترى هل يرى مسيحيو لبنان والعرآق وسوريا ومصر وغيرهم من اصحاب الديانات الاخرى ان هذا ايضآ تراثهم ام ان الدكتور مروة يعني بتعريفه القاصر تراث المسلمين في البلاد الناطقة بالعربية….هذا غيض من فيض ما اسماه الدكتور حسين مروة بدراسة التراث على ضؤ منهج المادية التاريخية…وفي نهاية المطاف لا مادية ولا تاريخية.

عبد الرحمن الشرقاوي
ومن المعالم البارزة في محاولة الماركسيين خلال العقود الاربعة او الخمسة المنصرمة لتوطين الماركسية في البلاد الاسلامية الناطقة بالعربية عن طريق الخرافات الدينية هي كتب الماركسي المصري الراحل عبد الرحمن الشرقاوي الاسلامية…..وقد اسرف الشرقاوي في هذا الاتجاه والف سلسلة من الكتب في تمجيد الاسلام ورموزه مضفيآ عليهم كل القيم الانسانية والاشتراكية والثورية النبيلة محاولآ تأكيد ان القيم الماركسية تلتقي مع القيم الاسلامية..ومن تلك الكتب ( محمد رسول الحرية ) و( علي امام المتقين ) و( الحسين ثائرآ ) و ( الحسين شهيدآ ) و(عمر الفاروق ) وغير ذلك…وهذه الكتب ليست مناقضة للتاريخ ومجافية له فحسب، بل وتفتقر الى منهج البحث التاريخي الموضوعي النقدي ….اما منهج المادية التاريخية الذي كان من المفترض ان يكون منهج الكاتب الماركسي لا نجد له اثرآ…وبقراءة الاهداء في كتاب ( محمد رسول الحرية ) يكتشف القارئ المنهج الذي استند اليه الشرقاوي حيث كتب (( الى ذكرى ابي الذي غرس في قلبي منذ الطفولة حب محمد )) ..فحضرة الكاتب الماركسي كتب كتابه تحت تأثير مرويات والده لا تحت تأثير المنهج الماركسي ولذا جاء كتابه دفقآ من العاطفية والعشق للشخصية المحمدية بعيدآ عن الموضوعية والعقلانية…ايكون رسولآ للحرية من يحمل السيف ويقطع رأس كل من لايعترف له بزعمه انه رسول السماء؟!..ايكون رسولآ للحرية من كان يسبي النساء ويتخذهن اماء لاشباع شهواته الجنسية ؟! ايكون رسولآ للحرية من قتل في ساعة من الزمان سبعمائة وقيل تسعمائة من يهود بني قريظة وهم اسرى ليستولي على اموالهم واراضيهم ونسائهم؟!..اي حرية هذه؟ واي رسول هذا ؟…وهذه الفقرة الصغيرة من مقدمة كتابه تكفي للدلالة على ان الشرقاوي كتب كتابه هذا وهو في غيبوبة كبرى اعمته عن الامانة التاريخية اذ يقول (( انا اعرف ان من الناس من يجحد دور الاسلام ومحمد..ومن يتهم الاسلام بانه حركة رجعية…ومن يتهم محمدآ بانه ارستقراطي من اشراف مكة كان يطلب ملك الحجاز.وانه جاء لينظم العبودية وليحتال.على المجتمع ببعض الاصلاحات تخفف الضغط على الفقراء ليؤخر ثورتهم …وانه جاء ليضطهد اليهود….ومثل هذه الآراء ينشرها كتاب كثيرون في العالم باكثر من لغة …وعلى الرغم من اننا نملك الآف الادلة على فساد هذه الآراء ونملك من حقائق التاريخ الثابتة ما يقطع بان للاسلام دورآ تقدميآ وتحرريآ، لم يزل يؤثر في تاريخ البشرية ومستقبلها. وان محمدآ كان رسولآ يبشر بالحرية والاخاء الانساني..وانه عامل اليهود بصبر ورحمة وحكمة لم يعرفها التاريخ من قبل ولا من بعد… )) انتهى……… لقد غابت العقلية النقدية…ومن سخرية التاريخ انه اصدر هذا الكتاب في فبراير من العام 1962 أي في عز ماركسيته…..وهذا النهج اللا تاريخي اللا موضوعي اللا ماركسي هو نهجه في جميع كتبه التي اراد منها المقاربة بين الماركسية وبين الاسلام للايحاء بان الماركسية ليست غريبة على المجتمعات الاسلامية… فلو وقفنا لنعقد مقارنة سريعة بينه وبين الشيخ المعمم الذي جاء من قلب المؤسسة الازهرية خليل عبد الكريم سنجد بونآ واسعآ وشاسعآ…فالشيخ خليل الذي قضى ما لا يقل عن ثلاثة عقود في كنف تنظيم الاخوان المسلمين واتجه في الثلث الاخير من عمره نحو العقلانية والنور كتب اربعة عشر كتابآ تنويريآ بمنهج تاريخي نقدي تحليلي استحضر فيه تأثير البيئة والاحوال الاقتصادية والاجتماعية في تشكيل الديانة الاسلامية التي هي منتوج الصحراء…فاي مقارنة يمكن ان تعقد بين الكتاب البائس ( محمد رسول الحرية ) للشرقاوي وبين كتاب ( الصادق الامين في فترة التكوين ) لخليل عبد الكريم الذي ينتهي فيه الى ان نبوة محمد قد اعدت اعدادآ وصنعت صناعة على يد القس ورقة بن نوفل وبنت عمه خديجة….واي مقارنة يمكن ان تعقد بين كتاب ( علي امام المتقين ) للشرقاوي الذي يرسم فيه صورة ملائكية زائفة لعلي بن ابي طالب كتقي فقير زاهد عن عرض الدنيا وبين كتاب ( شدو الربابة باحوال مجتمع الصحابة ) باجزائه الثلاثة لخليل عبد الكريم الذي يثبت فيه بالمراجع، ضمن اسماء اخرى، ان عليآ الذي عاش فقيرآ معدمآ في بدايات حياته اثرى بعد الغزوات والسلب والنهب وامتلك الضياع والزوجات والخدم وخاصة عقب حروب الاحتلال من الاموال التي تدفقت على يثرب من عرق الشعوب المغلوبة، وذلك الى جانب صراعه على السلطة بشخصيته الدموية المناقضة لمبدأ الزهد والورع حيث كتب (( وحتى يثبت لمحمد انه اهل للمؤاخاة ولسائر اللالقاب التي اطلقها عليه فقد اثخن في اعدائه قتلآ وحصدهم حصدآ، حتى قيل انه في غزوة بدر الكبرى وحدها قتل عشرين من المشركين ولا يهم انهم كانوا من قريش قبيلته، اما الاهم في نظره ان يؤكد لمحمد انه يستحق ان يكون بالنسبة اليه بمنزلة محمد من ربه وهارون من موسى والرأس من الجسد )) انتهى…وبالفعل كان علي هو سياف محمد الذي يكلفه بعمليات القتل… وهو اول من بدأ بجز رؤوس اليهود في غزوة بني النضير ومثل بجثثهم.. واول من بدأ مجزرة بني قريظة…ايعقل ان يكون شخص بكل هذه الدموية ورعآ زاهدآ وحكيمأ…ولكن يجب الا ننسى ان المسلم في المعايير الاسلامية يعتبر تقيأ وزاهدأ وحكيمآ كلما ولغ في دماء ( الكفار ) واثخن فيهم ذبحآ…اذن الفرق كبير بين الماركسي الذي ساهم في تغييب وتزييف الوعي وبين الاخواني الاسلامي السابق الذي ساهم في التنوير مساهمة كبيرة ممسكآ بمبضعه لتشريح الاسلام برموزه ونصه المقدس…فلا غرو اذا كان الشرقاوي يوصف الآن لدى الاسلاميين والسلفيين بالكاتب الاسلامي بينما يوصف خليل عبد الكريم بــ ( الزنديق ) و( الكافر ) و( الشيخ الاحمر )….وربما يفاجئ البعض ان الماركسي عبد الرحمن الشرقاوي كتب كتابآ بنفس النفس والنسق التمجيدي عن ( شيخ الاسلام ) ابن تيمية بعنوان ( ابن تيمية.. الشيخ المعذب ) ..” بفتح الذال “…فتأمل!…. فلو طلب من الشيخ محمد بن عبد الوهاب و حسن البنا وابي الاعلاء المودودي و سيد قطب و بن لادن ان يكتبوا كتابآ عن ( ابن تيمية ) لما كتبوا افضل مما كتب عنه عبد الرحمن الشرقاوي تمجيدآ له وتعظيمآ لتعاليمه وفتاويه ….وكما هو معروف ان اس منهج ابن تيمية يقوم على تغليب النقل على العقل اذا تعارضا وذلك الى جانب دعاويه لاحياء فريضة الجهاد على الطريقة المحمدية ضد الكفار واعوانهم من المسلمينوالمبدلين. ……..فكتابات الشرقاوي الاسلامية تشي بكاتب اسلامي سلفي ضل طريقه الى الماركسية!

ابو ذر الغفاري
كما اسلفنا كان الماركسيون وما زالوا مهوسين بمحاولة توطين الماركسية في المجتمعات الاسلامية الناطقة بالعربية بادعاءات تزعم انها ليست بغريبة عليها وعلى التراث الاسلامي.وان اهداف الماركسية في المساواة والعدالة تلتقي مع اهداف الاسلام المزعومة في العدالة والمساواة مع ان القرآن ينص صراحة على الطبقية وعدم المساواة (( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) )) ” الزخرف “..و(( إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) ” آل عمران” )) …وهذا الهوس الماركسي بالتراث الاسلامي لم يقتصر على هؤلاء الكتّاب الذين اوردنا نماذج مما كتبوا بل امتد على شكل موجة واسعة.شملت جميع البلدان الناطقة بالعربية…. وفي سياق محاولة توظيف التراث الاسلامي لشرعنة وجودهم في المجتمعات الاسلامية كثيرآ ما لجأ الكتّاب الماركسيون الى حديث ( توبير النخلة ) الشهير الذي قال فيه محمد لاصحابه (( انتم اعلم بامور دنياكم )) وذلك في مواجهة ما تطرحه الحركات الاسلامية بضرورة تطبيق الشريعة المحمدية استنادآ على قوله في القرآن (.ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) “المائدة آية 44.”..ولعل من اكثر الشخصيات الاسلامية التي اسرت اهتمام الماركسيين في البلاد الاسلامية الناطقة بالعربية هي شخصية الصحابي ابي ذر الغفاري الذي اسرفوا في الكتابة عن اشتراكيته المزعومة… كان ابوذر قبل ظهور الاسلام وفي مطلع شبابه لصآ قاطع طريق..ومن المفارقارت ان نبيه نفسه سرعان ما تحول الى قطع الطريق بعد فشل دعوته في مكة….ومما يروى عنه يمكن الاستنتاج بانه كان انطوائيآ يعاني من عجز نفسي يعوقه عن التواصل والقدرة على الكسب…. جاء في صحيح مسلم انه سأل محمدآ ان يستعمله فرفض قائلآ (( انك ضعيف وانها امانة )) (( عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن ابن حجيرة الأكبر “عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها” (صحيح مسلم) )) …لذا اقتصرت همته على خدمة محمد في النهار والنوم ليلآ في المسجد وقد كان من افقر فقراء المهاجرين…بعد موت محمد وتفجر الصراع على السلطة انحاز الى بني هاشم وتحديدآ الى علي بن ابي طالب ضد البيت الاموي في صراعمها على السلطة والثروة ولذا نفاه عثمان بن عفان الى الربذة بعد ان اخذ يحمل عليه وعلى قريبه وعامله في الشام معاوية بن ابي سفيان في كل مجلس.متهمآ اياهما بالاستئثار باموال المسلمين…. وفي التحليل الصحيح ان تلك الاموال لم تكن اصلآ اموال العرب المسلمين فهي اموال الشعوب المغلوبة التي نهبها الغزاة البدو مستولين على زرعهم وضرعهم ونسائهم….اي انه صراع اللصوص على مال مسروق … فانحياز ابي ذر لعلي بن ابي طالب لا يجعله اشتراكيآ ولا زاهدآ لان عليآ نفسه وبنيه اثروا ايضآ من تلك الاموال المنهوبة….ومن الاقوال التي تنسب اليه كدليل على اشتراكيته قوله (( عجبت لمسلم لا يجد قوت يومه ولا يخرج على الناس شاهرا سيفه ))…واي جديد في قوله هذا فقد حمل سيفه وخرج ليقطع الطريق على الناس في شبابه وبعد اسلامه انضم الى غزوات النهب والسلب بقيادة نبيه الذي قال (( جعل رزقي تحت ظل رمحي ))…. وهكذا تم تصنيم ابي ذر الغفاري كرمز اشتراكي على يد الماركسسين دون اساس.

حلب الثور
ماذا كانت النتيجة بعد تلك العقود من محاولة تجيير التراث الاسلامي لصالح الماركسية ؟ هل تم توطين الماركسية في المجتمعات الاسلامية ؟ وهل وجدت فيها قبولآ ؟ وهل تمكنت الاحزاب الماركسية من ان تصبح قوة اجتماعية حقيقية لها حضورها ووزنها ام ان ذلك كله كان ضربآ من حلب الثور ؟…..فالماركسيون بدلآ من ان يشرحوا ويبينوا للناس هذه الماركسية وفلسفتها وجدليتها انفقوا وقتهم في تلميع الاسلام وتصويره بانه يتفق مع الماركسية نتاج عصر الحداثة والانقلاب الصناعي…..فالمسلم التقليدي مشحون اصلآ بفعل نصوصه المقدسة بالجهل والغرور العقائدي ويعتبر ان الاسلام هو دين الله الذي جب كل ما قبله وانه دين الحرية والتسامح وان نبيه هو اشرف الخلق وان المسلمين هم افضل الامم طرآ، فكيف يكون الحال اذا جاء الماركسي وزاد من شحنه بالقول بان الدين الاسلامي هو دين الحرية والمساواة والانسانية والاشتراكية وان نبيه قائد ثورة تحررية كبرى وان ابا ذر هو امام الاشتراكيين….الا يزيد ذلك من غرور المسلم التقليدي وجهله ويجعله يقول: اذا كان الاسلام يحتوي على كل هذه القيم الانسانية والتحريرية والاشتراكية فما حاجة المسلمين الى الماركسية ؟!!…اظن ان تلك الكتابات الماركسية التي انهمكت في تلميع الاسلام وتراثه ساهمت بطريقة ما في ما يسمى بالصحوة الاسلامية التي يشهدها العالم الاسلامي…..هذه الصحوة التي تروع المجتمع الدولي وتهدد الحضارة الانسانية المعاصرة ومكتسباتها….والآن، هل ادركتم السر الذي يقف وراء تحاشي الماركسيين في هذا المكان انتقاد الدين ولا يسرهم ان ينتقد الآخرون.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.