تهنئة المسيحيين.. العودة للشروط العُمرية

أثار الشيخ مهدي الصميدعي مفتي الدِّيار العراقية ما لم يثره السابقون واللاحقون ضد مواطنيهم المسيحيين، وذلك في خطبة الجمعة، في جامع أم الطبول وسط بغداد: «لا تشاركوا النصارى الكريسماس، لأن هذا معناه أنكم تعتقدون بعقيدتهم». ورد هذا مع أن العراق من أكثر الدول بحاجة إلى التسامح، والمشاركة في الأفراح والأتراح هي أُس المواطنة، فلا قيمة للمواطنة، أو الشراكة في الوطن إذا كان الإقصاء الدِّيني يُحدد المشاعر والعلاقات.

ما قاله مفتي الدِّيار ليس جديداً، جاء فقرة مِن فقرات «الشُّروط العُمرية»، أو «العهد العُمرية» أو «أحكام أهل الذِّمة»، مثلما ورد عنواناً لكتاب ابن قيم الجوزية (ت751ه)، وفصل من فصول كتاب الخميني «تحرير الوسيلة»، ففي الكتاب الأخير ورد: «يكره السلام على الذمي ابتداءً، وقيل يُحرم، وهو أحوط. ولو بدأ الذمي بالسلام ينبغي أن يقتصر في الجواب على قولك (عليك) ولا تلحقها بمفردة سلام! وينبغي أن يقول عند ملاقاتهم: السلام على مَنْ اتبع الهدى، ويستحب أن يضطرهم إلى أضيق الطُّرق».

تعد تلك الشروط بواحد وعشرين شرطاً، كلها ليست مناسبة للبلدان المختلطة دينياً، مثلما هو العراق، ففيها على غير المسلمين اتخاذ أرصفة الطُرق، ولا يستخدمون في دوائر الدولة، ولا يدخلون حمامات المسلمين، وأن يميزوا بثياب خاصة، فحسب شرط التحية المذكور، كأن هناك حرباً معهم، صحيح أنها سميت بالعُمرية، لكن ابن قيم الجوزية نفسه قال: «وشهرة هذه الشروط تُغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول» (أحكام أهل الذِّمة). ظلت هذه الشروط مطروحة كقانون، نفذه حُكام وغض عنه الطرف آخرون، ومعلوم أن أشهر من طبقها هو جعفر المتوكل (ت247ه)، بينما رفض الناصر لدين الله (ت622 هـ) الأخذ برسالة ابن فضلان (ت631 هـ)، رئيس ديوان «الجوالي» (أهل الذِّمة) القاضية بتطبيقها رسمياً على غير المسلمين.

دخلت المسيحية العراق منذ القرن الميلادي الأول، وخلال عهود الدولة العراقية الحديثة لم يُعرف أن خطيباً أو فقيهاً، ومن أي مذهب أو طائفة، حذر المسلمين مِما حذر منه الشيخ الصميدعي، وبهذه العلانية وهو مفتي الديار العراقية، وهنا نُذكره بما حصل بالمناطق التي هيمنت عليها جماعة «داعش»، التي اختصرت المسيحيين بالحرف (ن) أي النَّصارى، ومعلوم أن «داعش» مثلما ضد المسيحيين كذلك ضد المسلمين، ولا أظنها قد رضت للشيخ الصميدعي أن يتولى منصباً مثل هذا، فهي إضافة إلى عدم اعترافها بدولة عراقية، أو غير عراقية، لا تعترف بالمنصب نفسه، فالمفتي عندها هو أمير المؤمنين نفسه، مثلما الحال مع «طالبان» و«داعش».


لقد فسحت الديمقراطية المشوهة للشيخ الصميدعي، وكل المتشددين، خرق قانون الدَّولة نفسه، فالقانون العراقي قبل (2003)، ودستور (2005) يمنعان التحريض ضد دين أو طائفة، والخطاب كان خطاباً تحريضياً، فعندما تُحرم تهنئة فئة دينية بعيدها يذهب المتلقي إلى أن هؤلاء ليسوا مواطنين، وليس مِن حقهم العيش بين المسلمين، لأنهم أعداء طالما احتفظوا بديانتهم. هنا نُذكر بالشخصيات غير المسلمة التي تسلمت مراكز سيادية في الدولة العراقية، يأتي اسم وزير المالية «ساسون حسقيل»، ووزير الإعلام «روفائيل بطي»، ووزير المالية «يوسف غنيمة»، ووزير الإعلام ثم الخارجية طارق عزيز، ووظائف كبرى في شتى المجالات.

استفاد الشَّيخ الصميدعي مِن الحرية، المفسوحة له بلا حدود، ومِن منصبه كمفتي رسمي، أن يُصرح بهذه الكراهية، ولو حصل بيده لأعاد تطبيق «الشُّروط العُمرية» مثلما طُبقها حُكام سابقون، وسيلعب دور رئيس الجوالي ابن فضلان مع خليفة عصره، مِن دون حساب الزَّمن.

إن خطأ الفقهاء، وعلى الخصوص في منصب الإفتاء، له تأثيره البليغ، لأنه يتحدث باسم الدّين، مستغلاً منابر المساجد، وها هي الكراهية تصدر مِن أحد أكبر مساجد بغداد «أُم الطبول»، فكيف يُراد للمواطنة أن تسود، والنَّاس تُقاطع بعضها البعض على أساس الاختلاف الديني أو المذهبي؟! الأمر الآخر كيف يستوعب مسيحيو العراق وغير المسلمين عامة تحريم معايدتهم بأعيادهم؟! فما قيمة المواطنة لديهم وخطاب الإقصاء يُلاحقهم، بأمر لم يحدث ضدهم إلا في زمن الحرية المطلقة للخطاب الديني، وكأنها لا تعني الحرية السياسية، الملتزمة بقيم التعايش والتسامح، إنما حرية هدم المواطنة أيضاً.

ما تفوه به مفتي الدِّيار العراقية نغمة جديدة وخطيرة، في الصلات بين الأديان على أرض العراق، وكأن لم يكفِ مسيحيي العراق تفجيرات كنائسهم واغتيالات رهبانهم، وتشتتهم خارج العراق، بعد تحطيم مؤسسات الدولة، والتي أنهت معها الالتزام بالقوانين الخاصة باحترام الأديان.

إنها حيرة الألباب، أن يصل العراق إلى هذا الدرك، وأرضه أول ما ألفت تعدد الأديان والمذاهب، بينما دول لم تألف الاختلاط الديني، مِن قبل، نجدها تتبنى الحوار الدِّيني، وقوانينها تُعاقب كُلّ مَن يدعو إلى الكراهية. بعد العبارات التي ألقاها مفتي العراق، مِن حقِّ غير المسلمين القول: «إذا لم يكن للمرئ في دولة مرئ/ نصيبٌ ولا حظٌ تمنى زوالها» (الثَّعالبي، يتيمة الدَّهر).

*نقلاً عن صحيفة “الاتحاد”

About رشيد الخيّون

رشيد الخيّون دكتوراه في الفلسفة الإسلامية من أهم مؤلفاته "الأديان والمذاهب بالعراق"، و"معتزلة البصرة وبغداد"، و"الإسلام السياسي بالعراق" و"بعد إذن الفقيه".
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

One Response to تهنئة المسيحيين.. العودة للشروط العُمرية

  1. س . السندي says:

    ١: الذنب ليس ذنب المسخ “الصميدعي أو المسخ علاء الموسوي” بل ذنب من أعطاهم فسحة الحرية هذه لدرجة النباح ولم يفجر جماجهم ؟

    ٢: أرى أن قتل هؤلاء المسوخ وعلى أيدي المسلمين قبل غيرهم سيكون عمل شعبي مقدس ، لأن شرورهم وضررهم فاق حتى على المسلمين المتنورين والمعتدلين ؟

    ٣: وأخيراً …؟
    سبب عدم تهنئتهم للمسيحيين ليس بأكثر من حقد وحسد وغيرة دينية مريضة ومجنونة ، وهى دليل قاطع على الافلاس الاخلاقي والحضاري ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.