تنقية الإيمان من ألاعيب إردوغان

حسين عبدالحسين

خلاف محتدم بين ماركون وإردوغان حول الحقوق البحرية في شرق المتوسط
خلاف محتدم بين ماركون وإردوغان بشأن ملفات عدة.
هل يُعقل أن بعض المسلمين يرون في إهانة الرسول مشكلة أكبر من الكفر بالذات الالهية؟ وهل يُعقل أن الله لكل العالم و”من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، لكن الرسول للمسلمين وحدهم وممنوع لغيرهم الكفر به؟ ولماذا يتصرّف بعض المسلمين وكأنهم ينحدرون من سلالة رسولهم فيما يذكّر القرآن المؤمنين أن محمدا لم يكن “أبا لأحد من رجالكم؟”.

الإسلام رسالة إلهية عالمية لكل البشر. بعضهم يقبله ويسير على هداه، وبعضهم الآخر يرفضه ويسير على هدى أديان أو معتقدات أخرى. وبين البشر غالبية ترفض نبوة محمد، بل تعترض عليها وتراها زيفا، وفي العالم أناس ماديين غير روحانيين، لا يؤمنون بالله، ولا برسله، ولا باليوم الآخِر.

في العالم غالبية تختلف معتقداتها عن معتقدات المسلمين، بل تتضارب معها. مثلا، يقول المسلمون إن المسيح بشر، وأنه رسول كمحمد، وأنه لم يُصلب. هذه رؤية تتضارب ورؤية المسيحيين، الذين يؤمنون أن المسيح ابن الله الحي الذي تجلّى في جسد بشري، وصُلب ومات، وقام من الموت. وفي العقيدة الإسلامية، ليس المسيح للمسيحيين ومحمد للمسلمين، بل أن المسيح كمحمد، وإهانة أي منهما متشابهة. هذا في العقيدة.

لكن في الواقع، انتزع “الإسلام السياسي” منظومة عبادة روحانية كالإسلام، وحوّلها إلى هوية قبلية صار فيها رسول المسلمين شيخ طريقة، قداسته أعلى من قداسة رب العالمين، ونصرته أولى من نصرة مبدأ التوحيد نفسه. ثم يقوم “الإسلام السياسي” باعتبار كل من لا يظهر الاحترام الذي يكنه المسلمون لرسولهم عدوا، ويستبيحون قتله، أو على الأقل محاربته بكل ما هو دون القتل.

أما المشكلة الأكبر، فتكمن في أن الإسلاميين لا يرون تهافت منطقهم. التعبير عن الإيمان أو عدمه خيار فردي تحميه قوانين حرية الرأي، الدينية والمدنية، وحرية الرأي هذه لا حدود لها، ولا تلتزم بقواعد الاحترام أو عدم الاستفزاز، أي أنه يمكن لأي مسلم أن يكتب مقالة فيها أن عقيدة الثالوث المقدس المسيحية هي ضلالة، وهو رأي بمثابة إهانة لمعتقد المسيحيين. لكن مع ذللك، لا نرى المسيحيين يقطعون رؤوس من يصف ابن الرب بالرسول البشري، بل يتمسكون بمبدأ حرية التعبير، وبالآية القرآنية “لكم دينكم ولي ديني”.

العالم بأجمعه يرى مشكلة “الإسلام السياسي” الذي يحاول فرض رأيه على رأي الآخرين، ويسمع تبرير الإسلاميين الذي لا يستقيم، والذي يرددون فيه أن الرسول أغلى لديهم من ذويهم، وتاليا فإن إهانته إهانة لهم. لكن حتى لو أخذنا بهذا التبرير المتهالك، تبقى حرية الرأي هي الناموس الذي يكرّس السلام بين البشر، اذ أنه لو قام كل إنسان يشعر بالإهانة من رأي إنسان آخر بالانتقام، لتحولت المعمورة إلى حفلة قطع رؤوس بلا نهاية.

تتضاعف المشكلة عندما يصرّ “الإسلام السياسي” العالمي، الممثل حاليا بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان، على استخدام منطق الإسلاميين غير المستقيم في ألاعيبه السياسية. أين كان السيد إردوغان في زمن الرسوم الدانماركية عن رسول المسلمين؟ وأين كان إردوغان يوم قامت صحيفة تشارلي إيبدو الفرنسية بنشر رسوم مشابهة؟ لماذا لم يدعُ إردوغان إلى مقاطعة المنتجات الدنماركية والفرنسية في حينه، ونراه اليوم يتنطح بغيرته على الرسول ويدعو لمقاطعة فرنسا؟

وهذه الأسئلة نفسها تنطبق على قيام رئيس تركيا بتحويل بعض المتاحف التركية مساجدا، وهذه المتاحف كنائس مسيحية بيزنطية حوّلها الغزاة العثمانيون إلى مساجد، قبل أن تحوّلها تركيا العلمانية الى متاحف. لماذا انتظر إردوغان 17 عاما من وجوده في الحكم ليحوّل الكنائس-المتاحف إلى مساجد؟ وهل يعتقد إردوغان أن لتركيا سيادة تمنع التدخل في شؤونها الداخلية وكيفية معاملتها مسيحييها ولكن لا سيادة لفرنسا في كيف تعامل مسلميها؟

أما الإجابة الأبرز فهي أن إردوغان لا يكترث للمسلمين، بل يستخدم “الإسلام السياسي” كمطية لتشتيت الانتباه عن بقائه في الحكم كل هذه المدة، وفشله في هذا الحكم. الدولار الأميركي كان يساوي أقل من ليرتين تركيتين، وكان الاقتصاد التركي في صعود عامودي يوم صار إردوغان رئيسا للحكومة في العام 2003. اليوم، بعد سلسلة من التعديلات الدستورية لتحويل نفسه رئيسا الى الأبد، تحطم اقتصاد تركيا بسبب رعونة حاكمها، وصار الدولار يساوي ثماني ليرات.

وإردوغان هذا لا يألوا جهدا في تحويل الشأن العام إلى حفلة شتائم دينية، بدلا من أن يكون الشأن العام نقاش حول سياسات الحكومات، مثل سياساته الفاشلة. لذا نراه يحارب في سوريا وليبيا، ويستفز اليونان عسكريا، ويشتم إسرائيل علنا فيما يرفع من نسبة التبادل التجاري معها سرا، ويسعى بكل ما أوتي من قوة للقضاء على خصومه الأتراك، وفي طليعتهم معلمه السابق الداعية الإسلامي فتح الله غولن. كما يتأرجح إردوغان في شعبويته بين إثارته الحنين لماضي الأتراك، وبين تنصيب نفسه سلطانا للمسلمين.

ثم يختم إردوغان حفلة جنونه باتهام القوى الأوروبية بأنها كولونيالية مجرمة، وهو اتهام يأتي من تركي يمجّد اجتياح الأتراك لهضبة الأناضول وقسطنطينية، وتطهير اليونان عرقيا منها، واحتلال واضطهاد دنيا العرب المسلمين في العراق وسوريا وسائر المشرق، كما مصر وشمال أفريقيا. كل هذا الغزو والاحتلال التركي، ثم يصوّر إردوغان تركيا الكولونيالية كنصيرة الشعوب التي عانت من الاستعمار الأوروبي.

هي حفلة من الجنون وتزوير التاريخ لتحريض المسلمين على بعضهم البعض، وعلى غير المسلمين، وهي حفلة من الجنون لبث الفوضى وتشتيت الانتباه عن الاستبداد داخل تركيا، وعن التدهور الاقتصادي التركي في زمن الإردوغانية.

ليت المسلمين ممن تستهويهم العصبية القبلية الدينية يعوا أن الدين مسألة فردية روحانية، لا حربا سياسية أو عسكرية. وليت هؤلاء المسلمين يدركون أن نقاء ايمانهم يكمن في بقائه بعيدا عن السياسة ومكائدها، وعن إردوغان وألاعيبه.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.