تناقضات تاريخية

سناء العاجي

قبيل وفاته بأيام قليل، وبينما اشتد عليه المرض، طلب الرسول محمد ورقة وقلمًا ليملي وصيته، فاعتبر أغلب المحيطين به (وعلى رأسهم عمر بن الخطاب) أن المرض اشتد به وأن الأمر اختلط عليه، ورفضوا أن يمدوه بما طلب. هكذا، منع الرسول بطريقة ما، من وصيته الأخيرة.

بغض النظر عن المحتوى المحتمل لهذه الوصية، والذي لن نعرفه أبدا، فإن هذه الواقعة بالتحديد، في كتب السيرة وفي صحيح البخاري، ترِد بأكثر من رواية، وكل رواية منها تقدم الأحداث بشكل مختلف.
فهل هذا بالأمر الجديد؟

في الواقع لا.. لأن معظم ما وصلنا من أحداث وتفاصيل وأحاديث من تلك الفترة الزمنية وفي تلك الرقعة الجغرافية، نجده في روايات متعددة، بل ومتناقضة أحيانا، تختلف فيها الصياغات ويختلط المعنى في مواضع كثيرة.

نتحدث هنا عن واقعة وصية النبي، لكن الأمر هو نفسه بالنسبة لمختلف القضايا. لنأخذ على سبيل المثال قضية الإمامة بعد وفاة النبي، حيث نجد أنفسنا أمام حديث الغدير وأمام حديث “الأئمة في قريش”.

فهل يكون حديث “الأئمة في قريش” صحيحا ومعروفا في حينها من طرف الصحابة؟ في هذه الحالة، لماذا طالب الأنصار بالخلافة في اجتماع السقيفة؟ ولماذا لم يستشهد به أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة الجراح خلال نفس الاجتماع؟.

في المقابل، هل حادثة الغدير صحيحة؟ إن كانت كذلك (وهي موجودة في كتب السنة والشيعة على حد سواء)، فلماذا اختلف الصحابة حول الإمامة بعد وفاة النبي؟ ولماذا لم يحتج علي بن أبي طالب بحادثة الغدير (التي أوصى فيها النبي بالإمامة لعلي)؟ ثم، كيف يكون للرسول حديثان صحيحان بإسناد صحيح في كل مرة، لكن بمعنين متضادين متناقضين؟

بل أن عددا من الأحاديث “الصحيحة” قد نجدها مثلا في صحيح البخاري ولا نجدها في صحيح مسلم. فكيف تكون صحيحة عند هذا وغير صحيحة عند الآخر؟

هذا يحيلنا على تساؤل آخر بخصوص تسمية كتاب البخاري من طرف البعض بأنه “أصح كتاب بعد القرآن”. كيف يعتبر هؤلاء القرآنَ أقدس الكتب بما أنه كلام الله، ثم في نفس الوقت يقارنونه مع مجهود بشري خالص، بغض النظر عن كل الانتقادات (المنطقية) الممكنة التي توجه لعمل البخاري؟ كيف يقبل منطقهم نفسه مقارنة كتاب الله… مع كتاب بشري، مهما كانت عظمته بالنسبة لهم؟

هل نستطيع اليوم أن نأخذ كتابا مميزا وموثقا أكاديميا (وهذا مهم) لمحمد عابد الجابري أو لعلي عبد الرزاق أو لمحمد أركون ونعتبره مثلا ثالث أصح كتاب بعد القرآن؟ يبدو الأمر عبثيا وغير مقبول بالنسبة لكل مسلم مؤمن بعظمة وقدسية القرآن؟ فكيف لا يبدو لنفس المسلم مدى عبثية مقارنة كتاب بشري مع نفس القرآن؟

لنعد مجددا لاختلاف الروايات، والذي سنجده في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم وفي طبقات بن سعد وفي كتب السيرة (الطبري،…) حيث نجد هؤلاء الكتاب والرواة يقدمون عدة صيغ لواقعة واحدة.
بعض هذه الصيغ تختلف في تفاصيل صغيرة، وبعضها يختلف كثيرا حد التناقض. فكيف يمكننا اليوم اعتماد هذه المرويات لتدبير حياتنا خمسة عشر قرنا بعد وقوعها؟ بل وأكثر من ذلك، كيف نعتمد مرويات يبدو واضحا أن جزء كبيرا منها تمت فبركته سنوات بعد وقوع الأحداث الحقيقية، لشرعنة حكام وتوجهات واختيارات سياسية معينة، وهذا ما قد يفسر التناقضات الصارخة بينها.

الآن، يبدو أكيدا أن إعادة كتابة تلك الفترة بشكل دقيق هو أمر شبه مستحيل، لأن ما نتوفر عليه من كتابات تم تأليفه ابتداء من القرن الثاني بعد وقوع الأحداث.

فهل يعي من يودون العود لحياة “السلف الصالح” أن كل ما نتوفر عليه من معطيات حول “السلف الصالح” (بما فيه حروبهم واقتتالهم بين بعضهم البعض)… هو موضوعُ أكثر من علامة استفهام؟

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.