تلك هي الأمومة….

يحكى أن قبيلة شرسة كانت تعيش على قمة جبل،
وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي.
احد الأيام، وانطلاقا من غطرستها،
قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها،
ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا.

كادت الأم أن تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها،
أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا
في استرجاع الطفل.
بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية،
وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل،
وإذ بهم يتفاجئون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟
تابعت مسيرها، وهي تقول:
لو كنت أما لعرفت كيف!
……………
سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع.
شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها،
كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه.

وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل.
لاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!
فإذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى،
وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.
صاحت عندها مزهوة:
انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض!
……………
أذكر كان لي في سوريا جارتان،
كنت يوما أمر من أمام الشرفة التي تجلسان عليها وهما يتسامران، صاحت إحداهن:
وفاء، أرجوك أن تأتي لتشربي معنا القهوة، وتساعدينا على فض خلاف بيننا!
سألت وأنا احتسي فنجاني: وما هو الخلاف؟
ردت ناديا وهي تضحك:
أيهما أجمل ابني أكرم أم ابنها فادي؟
مشيرة إلى الجارة الأخرى.
فرددت على الفور: ابني مازن أجمل من الاثنين!
………..
للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء.
كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة،
يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:
– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق،
وقال لها:
“اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”
لفت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها!
ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء،
بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!
…..
تلك هي الأمومة….
قصة سرمدية وعلاقة لغزية، لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها!
باستثناء قول أفريقي مأثور: أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات!
…..
اغفروا للامهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل،
لأنه يحافظ على استمرار الحياة…

عندما تنحاز لك أمك تمسك بما انحازت له من جميل وصدقه،
سواء كان وهما أم حقيقة، فوهم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،
لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم…
أياك أن تري فيهم سوءا أو شرا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.
……
ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!
لا تمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب،
وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب…

فكل أنثى قادرة على أن تكون أما، بشكل أو بآخر…
لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي.

لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة،
حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:
ستكونين يا عين ستك………ستكونين….
ستكونين….الله أعلم!
وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل!

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى
على مهنة الله في معرفة الغيب!
كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن…

ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته قالت له أمه:
إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…
وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….
وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…
يتابع بياسو: ولكنني اتبعت الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان، وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي، قبل أن أتصل بأمي…

للأمهات فقط،
يبارك الإله المهمة المقدسة التي يقمن به،
والتي من خلالها يجسدن ألوهيته، ويعوّضن عن تواجده!
…..
لم أر الإله يوما أكثر تجليا وجمالا مما رأيته في عيون أولادي!

كل عام، وكل أنثى أم،
وكل أم بألف خير…..

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.