تربية الحيوان في العالم القديم بقلم : عضيد جواد الخميسي‎

تربية الحيوان في العالم القديم
بقلم : عضيد جواد الخميسي
تربية الحيوان ، هو نشاط مارسه الإنسان ضمن عمله في المجال الزراعي خلال العصور القديمة ، فكان مهتما بترويض وتربية الحيوانات مثل الكلاب والماشية والخيول والأغنام والماعز والخنازير وغيرها من المخلوقات .
بدأت تربية الحيوانات خلال العصر الحجري الحديث منذ حوالي 10000 سنة ، ولربما في تاريخ أبعد من ذلك بكثير ، وقد تم التكهن بأن البشر قد استخدموا النار لطهي الطعام منذ مليون ونصفه من السنين ، ولكن الدليل الأثري الوحيد الذي تم التوصل إليه الى الآن يحدد تاريخ استخدام النار في الطهي منذ 12500 سنة وذلك من خلال اكتشاف أواني للطبخ مصنوعة من الطين في كل من شرق آسيا ، و بلاد وادي الرافدين .
ظهرت بعض الأدلة الاخرى التي تعود الى أقل من عشرة آلاف سنة بقليل ، وهي عبارة عن عظام تعود إلى حيوانات أليفة كبقايا طعام في مواقع وتجمعات بشرية قديمة ؛ وأن تلك العظام اكتشفت بالصدفة في التنقيب عن مواقد النار في المطابخ القديمة. وعلى الرغم من أن تدجين الحيوانات كان شائعا في زمن أقدم ، فمن المؤكد أن الماعز والأغنام تم تدجينها في جميع أنحاء آسيا بحلول 8000 قبل الميلاد.
اكتشف الإنسان القديم حبوب القمح فاستخدمها في بلاد ما بين النهرين بحلول عام 7700 قبل الميلاد ، وتعرّف على الماعز بحلول 7000 قبل الميلاد ، والأغنام بحلول 6700 قبل الميلاد ، والخنازير بحلول 6500 قبل الميلاد. وعند بناء أول مدينة في التاريخ ” أريدو ” في عام 5400 قبل الميلاد ، كانت تربية الحيوانات ممارسة شائعة فيها ، وان الحيوانات المرّوضة المستخدمة في قوة العمل (حراثة الحقول وحمل الأثقال) تُعد حيوانات أليفة و مصدرا للغذاء أيضاً . اما ترويض الخيول فكان بحلول عام 4000 قبل الميلاد ، إذ كانت عاملا مهما في حسم النصر خلال الحروب والمعارك التي تنشب في المناطق البعيدة لاستخدامها في جر العربات التي تحمل المحاربين والمؤن . كما واستغلت الفيلة والنمور والأسود في ساحات المعارك ، ولا سيما في الفترات الأخيرة من الحملات الفارسية ، واستخدمها الهنود في مقاومة جيش الإسكندر الكبير ايضاً ، وكذلك فاجأ القائد القرطاجي هانيبال الرومان بها في الحرب البونية الثانية .
أدت تربية الحيوانات إلى تغييرات جذرية في طريقة حياة الناس ، فقد اعتمدت شعوب الحضارات المختلفة على الصيد وجني الحاصلات الزراعية كوسيلة للكفاف ، ومن ثم أنشأت لها مستوطنات ثابتة لتشارك في الحياة الرعوية والتي تعتمد على ماشيتها ومحاصيلها.


كما عرف الناس أن بعض الحيوانات يمكن ترويضها وتربيتها ، فعكفوا على استغلالها في العبادة وجعلها قرابيناً في معظم طقوسهم الدينية المنتشرة ، ومن ثم حرصوا على تكاثرها خدمة لمصالحهم التعبدية والمعيشية ، لهذا كانت عبادة الحيوانات في مصر شائعة جداً (وأبرزها تقديس شعبها للقط “باستت “الذي يرمز إلى الالفة والخصب والحياة ) ، شأنها في ذلك العديد من الحضارات القديمة عندما جعلت صور الحيوانات رموزاً في ممارساتها الدينية .
كانت الحيوانات البرية تمثل القوة الجامحة في الكون (مثل أسود الإلهة إنانا في بلاد ما بين النهرين) ، في حين يُرمز إلى المخلوقات الأليفة الراحة والاطمئنان ، مثل الكلب على سبيل المثال في كل من اليونان و روما . أما في الهند ، وحسب ما كتبه المؤرخ ” ديورانت ” :
[ لم تكن هناك فروقات حقيقية بين الحيوانات والرجال . إذ كان للحيوانات والرجال أرواح ، وكانت تلك الأرواح تنتقل بشكل دائم من الرجال إلى الحيوانات والعودة مرة أخرى ؛ وتلك الصورة الذهنية المحبكة نجدها في عقيدة التناسخ ، و “كارما “( تعني الفعل ، وهو مفهوم أخلاقي في المعتقدات الهندوسية والبوذية ) ، وعليه فإن الفيل ، على سبيل المثال ، أصبح الإله “غانيشا Ganesha”، وعُرف أيضاً بابن شيفا Shiva الاله الهندوسي ، فهذه التصورات قد جسّدت الطبيعة الحيوانية في الإنسان ، وفي نفس الوقت كان وجوده بمثابة السحر ضد دوافع الشر ] (ص 509 ). ومن هذا المنطلق فان الحيوانات الأليفة جاءت لترمز إلى الهدوء والسكينة ضد الفوضى والعنف في عالم الشر.
أعمال التنقيبات في الأماكن التي تقع خارج نطاق البلدات و المدن المأهولة لمنطقة بلاد ما بين النهرين ، أظهرت بأن هناك انخفاض تدريجي في تناثر عظام الغزلان البرّية خلال الفترة التي بعد 7000 سنة قبل الميلاد (بداية استنزاف الحيوانات البرية) في حين أن أعداد عظام الأغنام والماعز كانت تتزايد في نفس الفترة الزمنية ، ووجد نفس هذا النمط الأساسي في التقييم لدى حضارات الأنهر الاخرى (الصين والهند ومصر) . وقد استنتج العلماء والآثاريون بأن تلك الأغنام والماعز كانت بالأساس أليفة وليست برّية ، والإنسان لم يتدخل في تربيتها بشكل أو بآخر ، استناداً إلى دراسة حالة العظام ومن خلال الكتابات والألواح الفنية التي تركها الأقدمون لتظهر ذلك بوضوح .
من المُعتقد أن الأغنام والماعز كانت ترعى حول المستوطنات البشرية في محاولة للهروب من الحيوانات المفترسة والتي كانت تتجنب الاتصال او التقرب مع البشر ، و بمرور الوقت ، أصبحت هذه الحيوانات تلجأ الى تلك التجمعات البشرية لمطاردة الحيوانات المفترسة لها ، أو للبحث عن الغذاء، ولكن بالنهاية جعلها الانسان مصدراً غذائيا له يسهل الوصول إليه . ويُعتقد أيضا بأن هذه العملية نفسها قد تكررت وبشيء من الترويض التدريجي لبعض الحيوانات البرية الاخرى عن طريق الارتباط الوثيق مع البشر مثل الكلاب والقطط .
وصلت تربية الحيوانات إلى أوجها في العالم القديم ، عندما كان في مصر يتم رعاية القطط والكلاب كما لو انهما جزءا من العائلة البشرية التي كانوا يعيشون معها. وقد تم اكتشاف مومياوات للقطط والكلاب في المقابر المصرية ، وبالفعل أغرم المصريون بقططهم كما كتبه المؤرخ اليوناني هيرودوت ، أنهم كانوا يحلقون حواجبهم ويشكلون موكب جنازة للحزن عند وفاة إحدى هذه الحيوانات الأليفة.
هناك حدث تاريخي مهم قد حصل عام 525 ق.م كمثال على أهمية القطط والحيوانات الاليفة الاخرى لدى الشعب المصري القديم ،ألا وهو معركة الفرما (بيلوز) الشهيرة ( الفرما ـ إحدى المدن الثلاث لمنطقة بورسعيد القديمة ) والتي كان القائد فيها الملك “قمبيز الثاني” من بلاد فارس ، عندما تمكن من هزيمة الجيش المصري على يد جنوده الذين كانوا يرسمون صورة الإلهة القط “باستت” على دروعهم ، بل وقاموا بجلب الحيوانات التي يحبها المصريون معهم الى المعركة ودفعها الى خطوطهم الأمامية للقتال . عند ذلك استسلم المصريون ولاذوا بالفرار من ساحة المعركة ، لأنهم كانوا يخشون الإساءة لآلهتهم بإيذاء تلك الحيوانات التي جلبها العدو ، فقام قمبيز وجيشه بملاحقتهم وقتل معظمهم . وبهذه الطريقة حقق الملك قمبيز الثاني النصر المؤزر فاحتلّ مصر، ولكنه كان منزعج جدا من طريقة تفكير المصريين بسبب تفضيلهم حياة الحيوانات على حريتهم وسلامة بلادهم ، وعند ذلك أصرّ على إذلالهم والحط من كرامتهم ، عندما قام جنوده برمي القطط على وجوه المصريين خلال مسيرة النصر التي أقامها بعد هزيمتهم في المعركة.
بعض الدراسات والبحوث الحديثة تنوّه إلى أن تربية الحيوانات لربما قد بدأت في أوروبا ، وليس في آسيا أو بلاد وادي الرافدين ، من خلال ترويض “الكائنات الشبيهة بالكلب” في المنطقة المعروفة الآن باسم ألمانيا. ومع ذلك ، فشلت تلك الدراسات بسببين ؛ أولهما ،لأنها لم تأخذ بالحسبان الأدلة القوية في المناطق الأقدم تاريخياً . و ثانيهما ؛ الدراسات ركزت فقط على محاولة تدجين الذئاب بدلا من الصنوف والانواع الاخرى من الحيوانات ..
تشير جميع الدلائل على أن أول المناطق التي مارست تربية الحيوانات وعلى نطاق واسع هي بلاد ما بين النهرين ، وبلاد النيل ، والصين ، والهند ، أما أوروبا فقد اعتمدت رعاية الحيوانات وتربيتها بفترة زمنية لاحقة . و حيث لا تزال تلك الممارسة مستمرة في جميع ثقافات العالم إلى يومنا هذا..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويل ديورانت ـ تراثنا الشرقي ـ سيمون وشوستر للنشر ـ1954 .
غيندولين ليك ـ من الألف إلى الياء في بلاد مابي

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.