تجربتي في #مؤسسة_الإسكان_العسكرية #سوريا 1/3

Samir Seifan

اكتب من الذاكرة
واعتذر بداية عن طول المادة ولكن تجربة بحجم الإسكان لا يمكن اختصارها بأقل من ذلك، وقد اردت أن أعرض تجربة واقعية عن مؤسسة كبيرة لعبت دور كبير في قطاع المقاولات وقطاع الأعمال في سورية في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته.
عملت في مؤسسة الإسكان العسكرية في وظيفتين، الأولى مدتها خمس سنوات ونيف في أحد فروع المؤسسة، ثم مرحلة ثانية مديرًا للتخطيط المالي في الإدارة المركزية للمؤسسة ومدتها عامين ونيف.
باشرت عملي في مؤسسة الإسكان العسكرية في الثاني من كانون الثاني 1978، وسميت مديرًا ماليًا للفرع 6 الذي كان مسؤولًا عن مشاريع منطقة جنوب دمشق وحتى الصنمين باتجاه درعا، وكنا ثلاثة في الإدارة، مدير الفرع وكان المهندس ابراهيم الخليل من خبب ولم يكن بعثيًا، والمدير التنفيذي وهو المهندس علي الخش من مصياف وكان ضابط سابق، وكان قد سجن وسرح في موجة اعتقالات القوميين السوريين بعد اغتيال المالكي سنة 1955، وبعد سجنه درس هندسة عمارة، وكان مسؤول عن تنفيذ المشاريع، وكنت انا مسؤول عن الشؤون المالية وشؤون العاملين والمستودعات والمشتريات. وكما ذكرت من قبل أنه لم يكن لدي اي خبرة سابقة لأكون في هذا الموقع، لذا فقد كان تحد صعب امامي وقد اجتزته بنجاح ولكن بكثير من الجهد وضمن تجربة الصح والخطأ والاستعانة بأصدقاء استشرتهم، بل اصبحت احد الأشخاص الرئيسيين الذين يساهمون في تنظيم المؤسسة ووضع انظمة عملها المالية والتجارية والإدارية، لذا انتقلت بعد خمس سنوات عمل فر الفرع 6 إلى الإدارة المركزية حيث اصبح عملي لصيق بالمدير العام خليل بهلول.
رغم أنها مؤسسة تتبع وزارة الدفاع ولكن كان وجود العسكريين فيها قليل ومعظم العاملين مدنيين. وقد تأسست الإسكان العسكري بالمرسوم رقم 12 في 15 شباط 1975 وغاية تأسيسها هي بناء مساكن للعسكريين قرب وحداتهم العسكرية لتخفيف انتقالهم اليومي بعيدًا الى دمشق وسمي مشروعهم “مشروع إسكان الفرق” وتم تسمية الرائد خليل بهلول مديرًا عامًا لها، وخليل بهلول صف ضابط سابق عمل دورة كلية عسكرية في تشرين الأول 1963 (على ما اظن) لذلك لم يتم ترفيعه لأكثر من رائد ثم مقدم وأخيرًا الى عقيد كجائزة ترضية. وقد سمي مديرًا عامًا بحكم معرفة حافظ أسد به، فقد كان يخدم معه في احدى القواعد الجوية كما قال مرة بحضوري، وكان قد عينه قبل حرب تشرين 1973 قائدًا لكتيبة إنشاء المطارات العسكرية، ويقال ان الكتيبة أدت واجبها بشكل جيد خلال حرب تشرين بإصلاح المطارات التي تقصف خلال زمن قصير لأنهم حضروا لذلك المواد المطلوبة الخ.


بعد تسميته مديرًا عامًا للإسكان العسكري، فعل بهلول شيئًا جريئًا، فقد بدأ يتصرف وكأنه مفوض كامل الصلاحية يفعل ما يريد، لذا هو ومنذ اليوم الأول لم يلتزم أنظمة الجيش ولم يخضع أو يتبع فعلًا لأي إدارة وكانت تبعيته الشكلية لوزير الدفاع الشكلي مصطفى طلاس، لذا كان يتصرف بمطلق الحرية فكانت المؤسسة تتمتع بصلاحيات العسكر ومرونة القطاع الخاص. وإضافة لمهمة المؤسسة بإنشاء مشاريع سكن قرب الوحدات العسكرية ويأخذ تمويلها من وزارة الدفاع، بدأ يتعهد مشاريع لمؤسسات الدولة المدنية، ولأنه أعطى رواتب أعلى من رواتب الدولة، فقد اجتذب عددًا كبيرًا من الراغبين بالعمل في المؤسسة. ولجأ لسياسة اجتذاب الكفاءات مثل المهندسين الذين عملوا في سد الفرات، وكانت الصلاحيات الواسعة لمدراء الفروع ومدراء المشاريع أيضًا مما أعطى مرونة كبيرة تشبه القطاع الخاص تمامًا، وأذكر مثًلا أنني كنت أملك صلاحيات تعيين المحاسبين والماليين والإداريين والعاملين في المستودعات والمشتريات، ولم يكن التعيين يحتاج مني سوى ورقة صغيرة أعطيها لمن أرغب بتعيينه وأكتب عليها (يباشر فلان عمله صباح الغد في وظيفة كذا ويستكمل أوراق لاحقًا). ولم يكن بهلول يهتم بالانتماء الحزبي ولم يكن لمنظمة حزب البعث أي وجود ملموس أو تأثير في المؤسسة، وكان فيها شيوعيون وإسلاميون وحياديون وقليل من العسكريين.
عندما عملت في الإسكان العسكرية مطلع 1978 كان فيها قرابة 9000 مشتغل، وعندما سرحت منها بقرار من الأمن العسكري في 1 حزيان 1985 كان فيها قرابة 70 الف مشتغل. فقد نمت كإخطبوط، وكان بها مئات المشاريع فيد التنفيذ على امتداد سورية وكانت تستحوذ لوحدها قرابة نصف اعمال المقاولات الحكومية بقطاعيها العسكري والمدني، وكان بها قرابة 100 ورشة صناعية ومعمل من بينها مصنع للإسمنت بطاقة مليون طن سنويًا في حلب واربع معامل للموبيليا واربع معامل للآجر ومصنع للسيراميك ومصنع للمصاعد ومصنع لأسلاك الكهرباء وورشة أعمال معدنية تنتج سيور ناقلة للأفران ولغيرها وعدد من مقالع البحص والرمل والكسارات وغيرها الكثير. وكان في المؤسسة قرابة 11 الف سيارة ومعدة وآلية هندسية، وكان بها فروع تنفيذ مشاريع البناء وفروع صناعية وفرع تجارة محلية وفرع تجاري للمشتريات الخارجية “فرع العقود”،
السبب في النمو السريع لمؤسسة الإسكان انها كانت تملك مرونة كبيرة في التنفيذ، وخاصة بعد سنة 1980 حيث بدأت مظاهر الأزمة الاقتصادية ونقص في العملات الصعبة مما اثر على شركات الدولة المشابهة وقدرتها على استيراد المواد والمستلزمات والمعدات، بينما كان خليل بهلول يتصرف كما القطاع الخاص، فكان يطلب من التجار ان يزودوه بما يحتاج من حديد وخشب واسمنت وآليات مستوردة وكان يدفع لهم الثمن بالليرة السورية وهم يحولون الليرات السورية الى دولار في السوق السوداء. لذا كان هو اقدر من الجميع على سرعة التنفيذ فاجتذب مختلف جهات الدولة للتعاقد مع الإسكان، إضافة لقدرة الاسكان العسكري على تقديم الهدايا سواء نقدًأ او عينًأ مثل الحديد والخشب او بيع شقة للمسؤول بالسعر الرسمي بينما سعرها في السوق أضعاف.
كانت الرواتب في الاسكان العسكري تعادل وسطيًأ ثلاثة أمثال رواتب الدولة. وكانت الإسكان تخصم ضريبة الدخل عن الموظفين ولكنها لم تكن تحولها لوزارة المالية ولا تدفع ضمان اجتماعي عن العاملين لديها، وكانت لا تدفع اي ضرائب عن أي ارباح ولا تدفع اي رسوم جمركية. وكانت كافة أنظمة مؤسسة الإسكان من رواتب ومشتريات ومحاسبة ومالية ومهمات داخلية وخارجية وتنفيذ وغيرها كانت توضع من قبل المؤسسة وكنا مجموعة من العاملين في هذه الشؤون المالية والإدارية من يضع هذه الأنظمة وتصدر من الفرع المالي.
كانت المؤسسة منظمة على نحو لا مركزي بصلاحيات لا مركزية واسعة، وكانت جميع الفروع ذات استقلال مالي وإداري ومحاسبي وكان كل منها يعمل كشركة مستقلة وله موازنته وميزانيته وحساب ارباح وخسائر وحساب مصرفي يدار من قبل مدير الفرع والمدير المالي للفرع. وكان بامكان الفرع أن يشتري بعض احتياجاته من السوق المحلية أو من لبنان. ولكن كان مصدر مواده ومستلزماته تأتي من المؤسسة إما من فرع الإمداد أو من الفروع الصناعية، وكانت الآليات والمعدات الهندسية تدار مركزيًا بينما كانت السيارات وسيارات النقل تعود للفروع. وكانت العقود الخارجية مركزية وكان شراء السيارات والمعدات الهندسية مركزيًا بقرار من بهلول. وبسبب هذا النظام اللامركزي لم يكن لدى بهلول مكتب كبير ولم يكن يقدم له بريد يومي بمئات الوثائق والقرارات كما يفترض لأن أمور الفروع تدار في جلها من قبل الفروع، وكان بهلول يقوم بزيارات الفروع وحينها يوقع للفرع ما يحتاجه من قرارات أو كان مدراء الفروع يأتون إليه يحملون كتبهم لتوقع منه أي ليس عبر مكتب وسيط. وهذه الامركزية والمرونة هي ما منح المؤسسة قدرة تنفيذية كبيرة، وبذات الوقت سمحت بقرارات لاعقلانية أحيانًا ووجود هدر كبير في احيان أخرى ولكن كان العمل والانجاز يغطي على الثغرات.
كان معظم مدراء الفروع ومدراء الأقسام من المدنيين وكان جلهم غير بعثي، وكان في المؤسسة عدد محدود من العسكريين جهلم فاسدون مثل حبيب يونس الذي كان مدير الفرع المالي ثم ازيح وقصي درويش مدير فرع الآليات وأبو مدين ضابط الأمن في المؤسسة وهو من قرية عين شمس قرب مصياف، وقد نسيت اسمه رغم انه هو من كتب بي التقارير وتسبب بدعوتي للتحقيق معي في فرع الأمن العسكري ثلاث مرات، بينما تميز بين الضباط المقدم اسبر عثمان وكان نائبًا للمدير العام ومديرًا لفرع الإمداد وكان يتميز بنظافته وسمو أخلاقه ولم يكن بعثيًا. ولكن خليل بهلول خشي منه فأقصاه سنة 1984 عن أي مهام ثم أبعده عن المؤسسة.
وبعد أن توسعت المؤسسة تم إحداث إدارات مناطق وفيها نواب للمدير العام لهم صلاحيات محددة واسعة، وقسمت المؤسسة الى خمسة مناطق، ولكل منها إدارة تتبع لها الفروع: (الجنوبية والوسطى والساحلية والشمالية والشرقية)
عملت لمدة خمس سنوات في الفرع 6 وكانت إدارة الفرع في مساكن برزة بدمشق، ثم انتقلت إلى الصنمين بعد أن تم الفصل بين مشاريع درعا والسويداء، فقد كان فرع المنطقة الجنوبية ينفذ مشاريع محافظتي درعا والسويداء وكان مقره في درعا، ولكن احتجاج أهل السويداء دفع خليل بهلول لينقل مقر الفرع إلى السويداء ويحصر مشاريعه في محافظ السويداء، وتم إلحاق مشاريع محافظة درعا بالفرع 6 فانتقلت إدارة الفرع 6 إلى الصنمين وأصبحت مشاريع الفرع 6 تمتد من جنوب دمشق وحتى حدود الأردن، بينما كانت من قبل تقع بين جنوب دمشق وتنتهي في الصنمين. وكانت المشاريع تتنوع بين مجموعة مشاريع إسكان الفرق (للعسكريين) في الصنمين ودرعا والشيخ مسكين والكسوة والحرجلة والدير علي، ومجموعة مشاريع المدارس وتغطي العديد من بلدات درعا إضافة لبناء المنطقة الحرة السورية الأردنية على الحدود ومشاريع أخرى لم اعد أذكرها.
يتبع

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.