تجربة شخصية- عُذرًا؛ لا نعترف بشهادتك الجامعية


بقلم✍️ رياض الحبيّب؛ خاصّ: مُفكّر حُرّ
…….
بدأت تجربتي مع طلب تصديق شهادتي الجامعية بالفيزياء المعنون إلى دائرة تصديق الشهادات في عاصمة الدولة الاسكندنافية التي أقمت فيها مؤقتًا سنة 2003 قبلما أصبحت من مواطنيها فيما بعد. فحصلت من الدائرة المذكورة على قبول مبدئي بالطلب؛ يحثّ أرباب العمل الذي أنوي عمله على القبول بشهادتي مؤقّتًا حتى إشعار آخر. ثمّ منحتني جامعة العاصمة تقديرًا ما عن بعض المواد الدراسية المدرجة في قائمة شهادتي الأصلية؛ عِلمًا أنها صدرت عن إحدى الجامعات العراقية، مترجمة إلى الانگليزية ومختومة بختم مصادقة وزارة الخارجية العراقية على ختم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي منذ أوائل التسعينيات. فتعلّمت لغة الدولة خلال فترة الانتظار وقدّمت طلبًا لدراسة جامعية أخرى؛ أرفقت به نسخة مصدّقة من الشهادة الأصلية، بالإضافة إلى نسخة القبول المؤقت. وبعد مضيّ أربع سنوات وتحديدًا سنة 2008 راسلت الدائرة مجدَّدا لمعرفة مصير شهادتي. فجاءني الرّدّ بعد فترة قصيرة نسبيًّا بأنها تعتذر عن تصديق الشهادات الصادرة عن العراق، لسبب التزوير الذي حصل في الشهادات الصادرة عنه بعد أبريل 2003 أي بعد سقوط النظام العراقي السابق أي نظام صدّام. وقرار الاعتذار يشمل أيضًا عددًا قليلا جدًّا من الدول، بينها الصومال وأفغانستان

ولقد فوجئت برسالة الاعتذار حتّى أصابتني بإحباط ما، سُرعان ما تغلّبت عليه بعد مشاهدة مسلسل للفنان عادل إمام، إلى جوار صديقة عربية من المولعات بالمسلسلات العربية حثّتني على متابعته، إذْ عُرض لأول مرة صيفيّة 2012 وتحديدًا [فرقة ناجي عطا الله الحلقة 28 الثامنة والعشرون] التي كشفت النقاب عمّا حصل من تزوير في العراق ولا سيّما في سوق مرَيدي المعروف في بغداد. فأرسلتُ رسالة جديدة قبل انتهاء سنة 2012 عبّرتُ فيها عن أسفي لما حصل في العراق من أحداث مخزية بعد سقوط نظامه الحاكم حينذاك، لكن التعميم ليس من الحكمة، لهذا شعرتُ بالغبن وبالظلم أيضًا لأن شهادتي حقيقية… إلخ. ثمّ جاء ردّ الدائرة قاطعًا بأن قرارها نهائي ولا يحقّ لي الاعتراض عليه مجدَّدا



تركت مسألة تصديق الشهادة نهائيًّا؛ مُلتمِسًا العذر للدولة التي لا تعرف عن العراق ما يكفي، إذ استضافتني مرحبّة بي وفاتحة أمامي أزيد من فرصة للعمل فيها. لكنّي يوم أفقت من نومي ذات صباح، بعد مضيّ بضعة أشهر على قرار الدائرة النهائي، قرأت رسالة بريدية وصلتني منها، فيها إمكانيّة التصديق على شهادتي، كما دلّ عنوان الرسالة! فشكرتُ الرب كثيرًا على هذه النعمة إذْ فاقت استحقاقي طائرًا من الفرح. ثمّ قلتُ في نفسي إنّ انسانية هذه الدول تفوق التصوّر. فذهبتُ إلى المطبخ متشجّعًا لاحتساء قهوة الصباح استعدادًا لقراءة الرسالة، فقرأت بشغف وبدقّة. فصدمتني الرسالة بما احتوت من شروط أو متطلّبات بدت لي تعجيزية في البداية، إذ وجب عليّ أن أجتاز أربع مراحل بنجاح؛
الأولى: تعبئة استمارة طلب جديد يتضمّن إرفاق جميع المواد التي درستُ في الكلية، مع الهدف من دراسة كلّ منها. عِلمًا أني لا أملك نسخة عن أيّ كتاب درستُ فيما مضى وكانت غالبيّة دراسة الفيزياء حينذاك باللغة الانگليزية. حاولت إيجاد كتاب واحد من

كتب الدراسة عبر گوگل ففشلت محاولتي، لكني عثرت على معلومات قليلة ومعقّدة تعلّقت بدراستي في ذلك الوقت. هذا نتيجة لتطوّر العلم والمعلومات مع الزمن والتطوّر أسرع ممّا قد يُظَنّ

الثانية: إذا وافقت الدائرة على معلومات الاستمارة الجديدة؛ فعليّ النجاح في مقابلة عبر التلفون- الهاتف- مع مسؤول من مكتب الدائرة. عِلمًا أني لم أملك غير الموبايل (الجوّال) الذي كان من أقدم الموديلات، لضعف حالتي اقتصاديّا، حتّى بطّاريته كانت هابطة نسبيّا

الثالثة: إذا وافق المسؤول-ة على نتيجة المقابلة؛ فأنّ عليّ اجتياز امتحان أوّلي عبر الانترنت بإحدى اللغتين- الاسكندنافية أو الانكليزية- يبدأ بتاريخ كذا وعليّ إرسال الإجابة في موعد أقصاه 72 ساعة. عِلمًا أن دقيقة تأخير واحدة عن الموعد المقرَّر كفيلة بإلغاء الطلب. وعِلمًا أن الامتحان الأوّلي احتوى على خمسة أسئلة وكلّ سؤال في فرعين أو أزيد. وعِلمًا أنّ عليّ كتابة الإجابة على صفحة الكومبيوتر لا الورق بما في الإجابة من معادلات رياضية ذات دوالّ مثلّثيّة وأرقام أسّيّة وجذور تربيعية وتكعيبية… إلخ ومصفوفات ومحدّدات ودوالّ هندسية على اختلاف الإشارة ما بين الموجبة والسالبة، بالإضافة إلى الرسوم الفيزيائية للدوال والمجسّمات والقذائف والأطياف البصرية منها والذرية والنووية والدوائر الكهربائية منها والالكترونية… إلخ فلحُسن الحظّ أني استفدت من دراستي الجامعية الجديدة حتى سنة 2008 مستمتعًا ببرامج أوفِس365

الرابعة: إذا اجتزت المرحلة الثالثة فالتالي لقاء مرتقب في العاصمة ما بيني وبين اثنين من الفيزيائيّين الاسكندنافيّين كلّ منهما بدرجة بروفسور
ــــــــــــــ
هل أنت من ذوي الاختصاص أم من محبّي البحث والاطّلاع؟
هذا العذر هو الذي التمستُ لدائرة تصديق الشهادات في كل دولة تحترم قوانينها وتخشى على مواطنيها من الثقافات المختلفة عن ثقافتها ومن الطقوس المختلفة عن تقاليدها: هل أنت من ذوي الاختصاص حقًّا أمْ من محبّي القراءة العلمية ومشاهدة أفلام وفيديوهات؟ هذا ما يظهر لنا من منطقيّة أجوبتك الشفويّة ومن صحّة حلولك المعادلات الرياضيّة المتعلّقة بالفيزياء. فقد تكون مطّلعًا على فيزياء الكمّ- مثالا- لكن من المستحيل أن تحلّ لنا معادلة شرودنگر لذرة الهيدروجين، وهي أبسط معادلاته، ما لم تكن دارسًا في الجامعة حتّى السنة الأخيرة منها! هذا مهما قرأت عن أيّة معادلة شرودنگر. فقد تكفيك صفحة ورقية واحدة لحل معادلة الذرة المذكورة، وثلاث صفحات لحل معادلة ذرة الهيليوم، خذ ما تشاء من أوراق وأقلام وألوان لكنْ أرِنا “عضلاتك العلميّة” لكي نصدّق أنّك من خملة شهادة الفيزياء

سؤال آخر أبسط بكثير؛ ارسم لنا من فضلك ذرة الهيدروجين ثم أخبرنا: لماذا يوصل المعدن الطاقة الكهربائية عبر أسلاك مصنوعة منه ولا يوصلها الخشب ولا الجلد ولا الفلين… إلخ؟ لقد أضحكني هذا السؤال لا إراديًّا حينما قابلت البروفسورين المذكورين أعلى، فضحك أحدهما معي إمّا مُجامِلا أو خجلًا من تفاهة سؤال موجّه إلى شخص ادّعى أنّه من الفيزيائيّين، وبعد اجتيازه المراحل الثلاث المذكورة بنجاح. لكني حينما بدأت بالإجابة على هذا السؤال أجبت بجدّيّة، بدون ضحك، واضِعًا نصب عينيّ اختلاف طريقة التفكير بين كلّ منّا. هكذا تدرّجت أسئلة المقابلة من السهل نحو الصعب فالأصعب. ثمّ أراني البرفسور المسؤول في النهاية مجموعة من الصور، كلّ منها يعود لواجهة جامعة ما من الجامعات العراقية متسائلا: أيٌّ منها جامعتك؟ فنجحت في الإجابة؛ لأني حينما زرت الجامعة آخر مرة تنبّهت إلى تغيّر شكل الواجهة. وهذا لحسن الحظّ وإن كنت ضدّ مسألة الحظّ، لأني اعتبرت العناية الإلهية هي التي رافقتني في كل مرحلة ومنذ البداية. عِلمًا أنّ مسؤولة الدائرة إذ استقبلتني بسرور وصافحتني سألتني قبل المقابلة: ألستَ خائفًا؟ فقلت لها: بل العكس، لأني على حقّ! فلولاه لَأعوزتني الجرأة على السفر إلى هذا المكان. وقد جلست المسؤولة عن قرب لمتابعة الحوار والاشتراك فيه أحيانا. عِلمًا أني أظهرت إحدى عضلاتي ما ليس في إمكان غير المتخصّص فعله، إذْ واجهت البروفسورين بسؤال بعدما صعدت في رأسي الغيرة العراقية: هل يوجد احتمال لتدحرج صخرة نحو أعلى الجرف الصخري الذي أزيحت عنه على خلاف جاذبيّة نيوتن؟ لم أعطِ أحدًا فرصة إجابة لئلّا يشعر أني تجاوزت حدودي فبدأت بامتحان البروفسورين. لهذا أردفت فورًا: قطعًا تعلمان أنّ هذا ممكن في مجال الذَّرّة… إلخ

ولقد قبلتُ بما اعتبرتُ تحديًّا صعبًا، وذلك انطلاقًا من آيتين إنجيليّتين؛
الأولى: قال السيد المسيح: {غَيْرُ المُستطاع عِندَ النّاس مُسْتَطَاعٌ عِندَ الله}+ لوقا18: 27 ومتّى19: 26 ومرقس10: 27 فقد وثقت بعون الرب في الضيقات منذ حداثتي
والثانية: {أستطيع كلّ شيء في المسيح الذي يقوّيني}+ فيلبّي4: 13
فيما بعد؛ لم يمضِ شهر على تلقيَّ وثيقة تصديق محترمة أنيقة صادرة عن الجهة الاسكندنافية المختصّة. هي الأولى من نوعها بحسب عِلمي، حتى تاريخ كتابة هذي المقالة، بعد نضال سلميّ زاد عن اثنتي 12 عشرة سنة مؤلمة لكنها مفعمة بالهدوء والصبر وطول البال والمتابعة وحسن تقدير الظروف على اختلافها. عِلمًا أنّي أُعطِيت فرصة ثلاثة أشهر لتقرير قبول التحدّي المذكور أو رفضه
ــــــــــــــ
عُذرًا وشكرًا
نَعَمْ؛ عُذرًا إذ راودتني شكوك حول حيازة د. فلان دكتوراه في المادّة “كذا” من جامعة “كذا” لأني- أوّلا- أتفق مع ما تصادق عليه الجامعات المعترف بها عالميًا

ثانيًا- تكفي تجاربي الشخصية سلاحًا في مواجهة الكذبة بعد إلهام الرب وعونه وفضله

ثالثا- إذا صعب إثبات حيازة المدَّعي الشهادة المطلوبة وكان منطقه عِلميًّا، مدعمًا بحجج قاطعة وبراهين ساطعة، فلا أحد يشكك في شهادته ولا غبار على ما يحمل من شهادة أو ربّما شهادات، لأن صاحب المنطق العلمي لا يترك المشاهد أو المُصغي في حيرة من أمره ولا يُتعِب أيًّا منهما باحثًا بنفسه ومدقّقًا في كلّ صغيرة بعد الكبيرة. وهذا يشمل كلًّا من كتّاب المقالات ومنتجي الأفلام ومروّجي الفيديوهات وأصحاب الترجمات… إلخ

أخيرًا؛ شكرًا لكلّ من قرأ-ت هذه المقالة وكلّ ما خطّ قلمي منذ نشر أولى مقالاتي سنة 2008 وشكرًا لكلّ مَن وَثِق-ت في كلامي وقدَّره بما استحقّ من تقدير وثناء، وإلّا فأنّي أعرف وزن قلمي جيّدًا! عِلمًا أنّي مهتمّ بالعُلويّات- السماويّات- ما حَييت
ـــــــــــــــــــــ
تمّت ب ظ 11.11.2018

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.