بلد الازدواجيات

قبل الثورة، كثيرا ما كنت استمع لحديث إخواننا العلويين عن التقيد بالنظام وتقديس القوانين والارتقاء الحضاري ومصلحة البلد، هذا طبعا فيما يتعلق باشارة السير ورمي القمامة والإصلاح الإداري والاجتهاد الدراسي ومخالفات التموين وخدمة العلم وغيرها من المواضيع “المصيرية” التي تقض مضجع الوطن، أما بالنسبة لشفط أموال النفط من أربعين عاما واحتكار شبكات الخليوي وتحويل مؤسسات الدولة إلى مزرعة عائلية وتحول معظم جنرالات الوطن إلى مقاولين واقطاعيين وسحب كل من يفتح فاه إلى الفرع فهذا حكم القوي وحلال على الشاطر وضريبة الأمن والأمان وحربقة ونباهة وهيك شعب بده هيك حكام….. أما بالنسبة لإخواننا السنة فعندما تستمع إليهم في المجالس المغلقة يتحدثون عن الظلم والاضطهاد من الاقلية الحاكمة وجرائم حماة ومجازر الإخوان وسرقة أموال الدولة ونهب مقدرات الوطن وارجاعه سنوات إلى الوراء والدخل المعدوم والانحلال الأخلاقي والتفسخ الاجتماعي والطائفية التي تنخر عظام الوطن، أما إذا انتقلت إلى الجارة الشرقية التي كانت تحكم من المجاهد أبو عدي- الأخ التوأم لأبو باسل في السلطة والاجرام – حينئذ يقلب الحديث مئة وثمانين درجة إلى الصمود والكفاح والعصامية وخيانة الأشقاء والاكتفاء الذاتي ومبررات البقاء وتحدي الشيطان الأكبر وقهر الأمم الكافرة وتوحيد المجتمع في سبيل المعركة الكبرى…. أما إذا انتقلنا إلى الطائفة الكريمة – المسيحية – فكان يحلو لي الجلوس مع أحد كبارها يتحدث عن بلد الخيرات الذي لوثته أيادي الفاسدين وعن معاش الموظف الذي كان يدخر منه بعد أن يعتاش بأريحية وحرية الكلمة التي انقرضت من سنوات وتعدد الأحزاب الذي أصبح شكليا والديمقراطية الموجودة فقط على صفحات الجرائد والمسؤولين الذين أصبحوا مهرجين تثير خطاباتهم

الضحك والاشمئزاز، أما إذا أخطأت أمامهم وتمنيت انهيار هذه الطغمة الحاكمة في أسرع وقت، زجروك بعنف وبدأوا يتغزلون بحامي الاقليات ونصير الضعفاء ورافع الصلبان على الصدور وجالب الويسكي والخمور وصمام أمان الوطن ومحب الفنون ورائد التحرر الاجتماعي….. في هكذا مجتمع تناقض طوائفه الرئيسية ذاتها في صلب الموضوع وتضيع الطريق بعد جملتين أو ثلاثة وتهرب من جلادها صباحا لتعود إليه مسرعة ليلا استشعرت مبكرا وجود أزمة عميقة وجمرا ملتهبا تحت الرماد، وبعد سنوات قليلة للأسف كنت شاهدا على بروز هذا الجمر الذي أحرق الوطن وقسم مدنه وهجر شعبه وغير معالمه إلى الأبد. والفكرة إذا حبلت ولدت كلمة والكلمة إذا قيلت صنعت فعلا قابله رد فعل صنع حربا ومزق أمة.

About أسامة حبيب

أسامة حبيب تاريخ الميلاد :27/7/1982 إجازة في بناء السفن من جامعة اللاذقية لاجئ في تركيا من عام 2013 ناشط ليبرالي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.