بلا كتابة؛ لن أموت إلا حين أموت

نجم الدين سمّان

أتساءل أحياناً؛ هل تبقَّى شيءٌ.. لأكتُبَه؟!.
كأنّي كتبتُ في ست سنواتٍ من عمر الثورة السورية؛ ما يُعَادِل ستين عاماً من الكتابة؛ ما يُعادِلُ جبالاً من رُكام بيوتنا المقصوفة؛ نهراً.. من الأزهار؛ قارّةً.. من زنازين الموت تحت التعذيب ومن البراميل المُتفجرة ومن طلقات الرصاص.
عن مخاض ثورتنا.. كتبت:
لا فضلَ لأحدٍ على أحدٍ في الثورة؛ لا فضلَ لطائفةٍ على طائفةٍ فيها؛
ولا لدينٍ على دينٍ فيها؛ ولا لمنطقةٍ على منطقة.
لا فضلَ لمقاتلٍ على ناشطٍ سِلمِيّ؛ لا فضلَ لمُعتقلٍ أو لمُغتَصَبَةٍ على طبيبٍ في مستشفى ميداني؛ ولا لمُعارِض في أيّ ائتلافٍ أو هيئةٍ أو تيارٍ.. على أصغرِ مُتظاهرٍ في أسرعِ مُظاهرة طيّارة؛ كما لا وصايةَ لأحدٍ على الثورة سواءً باسم الدين أَم بالعلمانية؛ أَم.. باسم الله تعالى؛ أم باسم الوطنيّة والمُوَاطَنَة؛ أم.. بأوهامِ مَنصِبه؛ فلا مناصبَ في الثورة؛ لا تراتبيات؛ ولا مكاسِبَ.. سوى الحريّة.

عن الأمل.. كتبتُ؛ وعن الخسارات.. أيضاً:
انتصر أعداء الربيع العربي الأول
ليسَ بقوتهم.. فقط؛ بل.. بتطامُن أغلبِ شعوبنا.
*- شرح المفردات:
التطَامُن.. ما تفعله النعامة حين تدفن رأسَها في الرمال.
وهي عكس مُفردة: التضامن!.

عن المُفارَقات الساخرة:
منذ أكثر من ألف عام.. توقف العرب والمسلمون عن العقل وعن الفعل
لم يُضِيفوا الى القاموس الانساني العالمي سوى مصطلح واحد: انتفاضة؛ ولقاموس هارفارد
Selfie: سَلَفِيّه.

وحتى لا أكون مُغَالِياً.. تستخدم نشراتُ الطقس الامريكية وسواها؛ كلّما هبّت عاصفة رملية وانعدمت الرؤية.. مصطلحَ:
هابوب / الهَبُوب.. العربي الفصيح جداً!.

كما.. عن الحُمَّى الدينية والمذهبية في شرقستان:
لماذا دعمت بريطانيا الحركة الوهابية حتى وصل آل سعود إلى الحُكم؟.
لماذا دعم الغربُ الخميني حتى وصل إلى الحُكم؟.
الجواب واحد:
إقامةُ دولتين دينيتين: وهابيَّة سُنيّة؛ شيعيّة إثنا عشريّة
لتبرير إقامة دولةٍ دينيةٍ يهوديةٍ في المنطق؛ ثمّ.. لتبرير ديمومتها.

عن الحقد الأعمى والضغائن الكبرى والصغيرة؛ عن اللِحَى المصبوغةِ بوحولِ الدنيا.. وليسَ بِحِنَّاء الدينونة:
الدفاع عن أيّ دينٍ.. لا يستقيم إلا بإدانة الجرائم التي تُرتَكَب باسمه.
التطرّف الدينيّ أنتج حروبًا ومذابح جماعية واستبداداً على مرّ العصور؛ وعدم إدانته.. يعني بأنك لستَ مُؤمناً حقيقياً.

عمّا قبل الدول.. كتبت:
ليس في شرقستان دولٌ..
هناك أنظمة قمعية ابتلعت الدولة؛ وحين تسقط.. يسقط معها كلّ شيء؛
ولا إصلاحَ ولا تحديثَ لها؛ إلا بسقوطها.. أجمعين.

عن الرماديّين.. أيضاً:
إلى جماعة “كان بلاها هالثورة” وجماعة “العودة الى حضن الوطن”:
الثورات تجبُّ ما قبلها..
حتى لو عادت لتكونَ كما بدأت.. حُلماً في الضمائر والعقول.

عن المفاوضات.. كتبت:
بدون تفكيك أجهزة مخابراته.. لن يسقط الأسد؛
حتى.. بعد أن يسقط!.

عن سماسرة المعارضة؛ وعن تراجيديا مقتلتنا الكبرى.. كما عن كوميديا الإخوة الأعداء:
إذا كنتَ مظلوماً ذاتَ يوم؛ واستعَدتَ قوتَك؛ فلا تصبح ظالماً كظالميك.
الأكثرُ خِسَّةً.. أن تُتاجِرَ بمظلوميتِك؛ وأن تُبرِّرَها؛ لتُبرِّر ظُلمَكَ لِسِوَاك.

عن تغريبتنا كما عن اغترابنا عن أنفسنا:
أسوأ ما تمرُّ به الثورات.. أن يتحوَّلَ خلاصُها الجماعيّ
إلى نجاَةِ أبنائهَا بأنفسِهِم.. مِن دُونِهَا!.

عن أمراء الحرب.. كتبتُ:
لم تسقط حلب.. بقوة حلفاء الأسد
بل.. بخيانةِ أمراءِ الحرب لها.

عن وَهمِ الأغلبيّة وأوهام الأقليّات:
الأغلبيّة.. طابور المصالح.
الأقليّة.. سربُ المبادئ الآيلِ للإنقراض!.

وأيضاً: الأقليَّةُ الوحيدةُ في سوريا.. هُمُ: اللا طائفيّون.
عن شَبِّيحة النظام الأسديّ.. كما عن رُعَاعِ الثورةِ عليه:
أشعر باشمئزاز..
حين يريد أحدٌ انتقادَ أحدٍ؛ فيشتمُ أمّهُ أو أخته أو زوجته.
وبالقرف.. حين يريدُ أحد أن يسخرَ من أحدٍ؛ فيشبّهُهُ بالنساء.
كيف للمُنحطِّين أخلاقياً أن يكونوا ثوّاراً؛
وكم ابتُلِيَت ثوراتٌ عبر التاريخ.. بالرُعَاع !.

عن الغرائز القاتلة والغرائز المُنحَطّة:
فخرُك الوطنيُّ البليد.. بجيشٍ إنكشاريٍّ
يعني أنك.. بعقلية مماليك القرون الوسطى.

كما عن غريزة القطيع والراعي الكَذَاب وكلابه:
لا شيء.. سوى اثنينِ؛ إذ هُمَا.. في دنيا العرب:
البوط العسكري أو.. لِحَى سماسرة الدين.

وعن حالنا السوريّ.. كتبت:

يُشبُه حالنا اليوم؛ ما كُنّاه قبل أكثر من 100 عام؛ قبل انعقاد المؤتمر السوري الأول؛ الذي توافق المندوبونَ فيه على الهويّة الوطنية السورية الجامعة؛ لكلّ السوريّين.

وعن الكتابة ذاتِها:

الكتابة هي علاقة خاصة جداً.. بين الكاتب وكتابته،
كالحبّ.. بين المرأة والرجل تماماً.

أحياناً.. أتعبُ من الكتابة؛ تصرخ روحي:
– سأغادِرُكَ؛ حبستني في زنزانةِ كتاباتك؛ أريد أن أعيشَ لحظةً خارِجَهَا.. يا لَكَ مِن مُستَبدٍ صغير!.
ابتسمُ لها:
– يا روحي.. كنتُ في وطني أعيش.. لأكتب؛ واليومَ في تغريبتي أكتبُ.. لأعيش.
– وأنا.. ألا تُفكِّرُ بي؟!
– يا روحي.. إذا توقفتُ عن الكتابة؛ سأموتُ أنا وأنتِ من الجوع!.

تُحدّق في عَينيّ:
– انظُر جيداً.. أنتَ بالكادِ تأكُلُ طعاماً؛ صحنُكَ مَلِيءٌ بالحروف وبالكلمات؛ حياتُكَ.. أرشيفُ قصصٍ ومقالاتٍ ومسرحيات، وماذا بعدُ.. سوى أنكَ تركضُ من قصّةٍ في كتابِكَ؛ إلى مقالٍ في جريدة ؟!.

– بل.. إنّي أركضُ من بؤس يومي إلى حُلمٍ لا أطَالُهُ ولا يُطَال.

تصرخُ فيَّ روحي:
– ما دامت الكتابةُ لا تُطعِمُ خبزاً؛ ولا تصِلُ بكَ.. إلى آمالِك؛ فلماذا تكتبُ.. إذاً ؟!.
أهمسُ لها: – كي لا أموت !.

• 2018 ق.م الحرية.

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.