بكيت الشاب الذي مات تحت عجلات باص النقل الداخلي وكأنني أعرفه

الكاتبة السورية سلوى زكزك

القهر…
Salwa Zakzak
بكيت الشاب الذي مات تحت عجلات باص النقل الداخلي وكأنني أعرفه،ذكرني بوجوه شبان كثيرين تعلقوا قبله لكنهم نجوا، كلهم سكنوا ذاكرتي..ربما حفظت عن غيب أيديهم، اصابعهم الغارزة بشدة في الحديد، ساعاتهم، خواتمهم المعدنية الرخيصة، غضبهم المكتوم وسخريتهم الفاقعة.
وما الحديد هنا الا مسكتين قزمتين وباهتتين أمام ايد شابة تريد أن تصل بيوتها، احدهم علق كيسا في فمه ليتمسك بشدة، واحدهم علق حقيبته المدرسية بظهر غيره لأنه أقرب منه إلى وسط الباص كي لايشده ثقلها للوراء..
في باص النقل الداخلي نضع أطفال صغارا ورضعا في احضاننا ونفرح حين يسكتون او حين يلاعبوننا.. اتذكر امرأة وضعت طفلة في حضنها كانت تبكي بشدة وهي بين الأقدام..وحين استقرت بحضن المرأة نامت فورا فبكت المرأة وام الطفلة وانا ايضا بكيت..
في باصات النقل الداخلي نضع أجسامنا احيانا فواصل بين أجساد تبدو لنا وكأنها متحرشة وبين أجساد فتيات او شابات، نجلس ثلاثة في مقعد واحد، نوزع محارم للمحترقين بالحر او لأطفال باكين او قد أنهوا لتوهم فطائرهم او بسكويتهم، أطيب لقمة خبز طازج آكلها تكون في باص النقل الداخلي..تناقض غريب عجيب.
اهرب من الروائح المنفرة وأقول موبخة نفسي : الله يعين العالم. في باص النقل الداخلي نتحول مرات لساعات منبهة توقظ الرجال الغافين من شدة التعب، او نكرر شرح خارطة الطريق وعدد المواقف المتبقية للتائهين وخاصة النساء الغريبات التائهات الخائفات من الضياع..
حكايا تحكى لنا وكأننا فرد من العائلة وأخرى نسمعها رغما عنا،حكايا قد لانصدقها مرات لنندم لاحقا لأنها اكثر من حقيقية.
حفظنا وجوه السائقين ونحن لانملك ترف عدم استقلال حافلة يقودها سائق يتهمنا بعدم الدفع دوما..حفظنا وجوه بعض الجباة وهم يقتربون منك فورا قائلين: انت ما حاسبت وكأنك لص كبير.
ثمة فنية عالية بوضعية الأقدام..ثابتة وبعيدة كي لا تداس !فنية عالية بأن تختار مكانا قريبا من النافذة الصغيرة لتتنفس..
احفظ وجوههم، كلهم واخاف عليهم كلهم..نشلت مرتين في الباص وغيري أكثر.. وقعت ثلاث سيدات لعجزهن عن اللحاق بالباص..سقط رجل هرم داخل الباص لانه لم يتوازن فور إقلاع الباص..علا صراخ سيدة سرقت احداهن جوالها وشجار بالأيدي بعدها لاستعادة الجوال،كيس منسي على المقعد، كرتونة إعانة يتمنى الجميع فتحها واخذ شيئ منها أو على الأقل معرفة محتوياتها وقيمتها او مصدرها.


يتساوى موت السوريين في فجائعيته، لكن الموت تحت عجلات باص الفقراء يقهر أكثر، ينكشف الفقر أكثر ويكتسي بالعبث.
بعض الباصات تبدو مائلة لجهة واحدة أو قد تجنح للخلف في اختلال توازن مرعب..
الباصات عامرة بلهفة الوصول وخوف الضياع وقسوة التعب..باصاتنا كما البلد..اختزال حي لما نحياه، والموت حاضر دوما في قائمة الأحداث..
من قال يوما ان الحياة كما الموت أوسع من باص الفقراء؟ لا أحد!نحن نشبه موتنا، محشورون في باص كالقبر.. والبعض يمنحه توصيف أدق وأكثر قهرا..جهنم…

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.