بعض الأمثال حول اللسان وخطورة الكلام والثرثرة !.

تُثبت لنا أغلب التجارب الحياتية أن الثرثرة وكثرة الكلام ليسوا في صالح الإنسان !، وكما يقول المثل : ( إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ). ولو كُنا نؤمن حقاً بأن (خيرُ الكلام ما قل ودل) إذن لا بد لنا من الإعجاب بالمثل القصير القائل ( أفرَطَ فأسقطَ ) ومعناه أن من أفرط في كلامِه كثرت فرص سقوطهِ. كذلك قالوا ( في اللسان هلاك الإنسان ). كذلك قالوا ( الف زلة قدم ولا زلة لِسان ) وتمادوا في قولهم ( الذي يكثر كلامهُ يقلُ إحترامهُ ) !.

وحول الكلام العنيف وغير اللائق يقول المثل ( لِسانَك حِصانك .. إن صنته صانك .. وإن هنته هانك ). وأيضاً قالوا ( الكلمة أسيرة في وثاق الرجل .. فإذا تكلم بها صار في وثاقها ). كذلك قالوا (الكلامُ كالدواء إذا أقللت منه نفع وإذا أكثرت منه قَتَل )!، ولو ذهبنا أبعد قليلاً في التحذير من مغبة اللسان نرتعش حين نسمع المثل القائل ( ويلٌ للرأسِ من اللسان ) !، وهذا صحيحٌ لإن ( اللِسان آفة الإنسان ). أما إذا تعمقنا في الموضوع أكثر فسترتعد فرائصنا لمعنى المثل القائل ( رب رأسٍ حصيد لِسان )، ولن ننسى هنا قول العرب ( لِسانُ الجاهلِ مِفتاح حتفهِ ) !.

ونستمع لقول السيد المسيح : ( مِن فمكم أُدينكم )، ومن أقواله أيضاً ( ليس ما يدخل الفم يُنَجِس الإنسان، بل ما يخرج من فمه )، ويقصد الكلام .

أما الإمام علي فيقول ( ليتَ رقبتي كانت كرقبة البعير ) !.. ويقصد أنه يتمنى لو كانت رقبته طويلة كرقبة البعير حتى يُفكر بالكلمة ملياً أثناء مرورها بالرقبة الطويلة قبل أن تخرج من فمهِ إلى الملآ والناس !. كذلك يقول ( حدثوا الناسَ على قدر عقولهم ) وأيضاً يقول ( المرءُ بأصغريه .. قلبه ولسانه)، ومن أقواله أيضاً ( تكلموا تُعرَفوا.. فإن المرءَ مخبوءٌ تحت لِسانهِ ).

أما رسول الإسلام فيقول ( المسلم من سلم المسلمين من يده ولِسانه )، وبعض الناس يقولون أن صحيحُ هذا الحديث هو ( المسلمُ من سلم الناس من يده ولسانه )، .

ومن المشاهير أخترتُ لكم ما قاله برنارد شو : ( الصمت أفضل تعبير عن الإحتقار ). كذلك يقول الشاعر العراقي معروف الرصافي ( إحفظ لسانك من المدح كما تحفظه من الذم ). أما سقراط فيقول ( تكلم حتى أراك )، وقال فيلسوفٌ آخر ( تكلم أقل لك من أنتَ ) .
وقالت العرب : ( رب كلمة سلبت نعمة )، و ( كلامٌ كالعسل وفعلٌ كالأسل ) وأيضاً ( من قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي ) كذلك ( من نطقَ في غيرِ خيرٍ فقد لغا )، ومن جميل قولهم ( لو رأيتَ ما في ميزانك لختمتَ على لِسانكَ ) . .

أما في عاميتنا العراقية ولساننا الشعبي فقد قالوا :
حجيك مطر صيف ما بلل اليمشون .
الحلك صغير لكن يخرب بيوت كبار .
لسان الطيب يطلع الحية من الزاغور .
اللسان ما بيه عظم .
مفتاح البطن لُكمة .. ومفتاح الشر جِلمة
جرح الخنجر يطيب وجرح اللسان ما يطيب .
حب وإحجي وإكره وإحجي .
حچي الصدك ما خلالي صديق .

وفي كل الكِتابات التي ورثناها من أجدادنا السومريين والبابليين وخاصةً في (ملحمة كلكامش) نقرأ فيها دائماً جملة : ”فتح فمه وقال“ !، وذلك قبل الدخول في الحوارات المنسوبة إلى أبطال الملحمة في الرُقم الطينية !، والظاهر أن فتح الفم من أجل الكلام في ذلك الزمن العتيق كان عملية مهمة ودقيقة جداً ويُحسبُ لها الف حساب بحيث كلما فتح أحدهم فمه كانوا يكتبون : ”فتح فمه وقال“، ولم تكن فوضى كما هي اليوم بحيث قال فيهم المثل : ( لا يعرفون محساهم من مفساهم )!.

وفي تأريخ العرب يتم تنسيب بعض الويلات إلى المنطق حيث يقول المثل العربي ( إن البلاء موكلٌ بالمنطق )، والعرب ينصحون الناس بعدم الثرثرة ( الندم على السكوت خيرٌ من الندم على القول )، كذلك يقولون ( من قال ما لا ينبغي .. سَمِعَ ما لا يشتهي ) !. وأيضاً: ( للسيف حدان وللسان الف حد )، كذلك قالوا ( جرح السيف ساعة وجرح اللسان إلى قيام الساعة )، وما أفصح قولهم ( لا تهرف بما لا تعرف )!، أما أروع وأجمل وأفصح ما قيل في الكلام وخطورته عند العرب هو قول أكثم بن صيفي: ( أن مقتل الرجل بين فكيهِ ) !. ومع كل ذلك فالعرب أكثر أمةٍ ثرثارةٍ وجعجاعة !!.

والحق أن تأريخ العرب يطفح بأخبار الذين ماتوا بسبب كلامهم وعلى رأسهم الشاعر المتنبي. كذلك نجد أن الكثير من حروب العرب وكثير من الأمم الأخرى كان سببها ملاسنات كلامية بين الزعماء أدت إلى حروب طاحنة دام بعضها عشرات السنوات.

كذلك أعجبني قولٌ بليغٌ في اللغة العربية: ( إعقِل لِسانك إلا في أربعة : حقٌ توضحهُ، وباطلٌ ترفضهٌ، ونعمةٍ تشكرها، وحكمةٍ تُظهرها ).
أما في الشعر فقد تطرق الكثير من الشعراء لمغبة الثرثرة ولسع الناس باللسان فقال أحدهم :
إحفظ لسانك أيها الإنسان *** لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لِسانهِ *** كانت تهاب لِقاءه الشجعان .
كذلك قول شاعر آخر : إحفظ لسانك لا تقول فتبتلي *** أن البلاءَ موكلٌ بالمنطِقِ.
وربما أعظم ما قرأتُ وحفظتُ من أبيات شعرية حول اللسان كانت للشاعر ( الإمام الشافعي ) والتي يقول فيها: ( ركزوا على البيت الثاني منها ) .

إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى *** وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ *** فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً *** فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى *** ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ .

ولكن .. برأيي الشخصي أنه حتماً هناك مبالغات في بعض الأقوال التي تمتدحُ الناس الصامتين كقول المثل : ( بكثرة الصمت تكون الهيبة )!، أو قولهم ( إذا تم العقل نقص الكلام )!، أو ( خير الكلام ما قل ودل )!، أو ( سكتَ الفاً ونطق خلفاً ) !، هههههههه ولكنهم ما عرفوا بأن لكل قاعدة شواذ، وأن الكثير من الصامتين هُم فارغين وسطحيين وضحلين وعديمي ثقافة ومعرفة أساساً، ويتحاشون الكلام خوفاً من أن ينفضح خوائهم وجهلهم !، وعليهم ينطبق جداً جداً المثل القائل : ( إن سَكَتَ جِدار .. وإن
نَطَقَ حِمار ). تحياتي .

ملاحظة : مقالي هذا كنتُ قد نشرتهُ سنة 2017 وأعيد نشره اليوم بعد الكثير من الإضافات والتنقيح .
طلعت ميشو Jul – 12 – 2020

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.