برنامج “أقرب الى الحقيقة” 2 – هل تستطع ذاتك/نفسك النجاة من الموت؟

closer to truth

سلسلة “الذات/النفس” من برنامج “أقرب الى الحقيقة” الجزء الثاني – هل تستطع ذاتك/نفسك النجاة من الموت؟

أعداد و تقديم : روبرت لورنس كوهن 20 Sep – 2016
ترجمه بتصرف: مازن البلداوي 1st. Mar -2022

مقدمة المترجم للجزء الثاني
في هذا الجزء يجري التحاور حول مفهوم الذات و علاقته بالكينونة وآليات التواجد وكيفياته ومدى ارتباطه بالشخص من خلال التجارب الحياتية التي تعمل على صياغة الملامح الشخصية لنا. ومن ثم يتطرق الى تواجد الوعي و كيفياته و احتمالات ترابطه الكوني وكيفيات صيرورته الأرضية ومديات الترابط مع الدماغ البشري. و اود الأشارة الى اني قمت بوضع بعض الأشارات و الأنارات التي ارجو الأطلاع عليها باعتبارها مفاتيح لفهم ذلك الجزء من الحوار.
*ملاحظة للمترجم: ارجو التفضل بالعلم بأننا سنستخدم كلمتي “الذات و النفس” للدلالة على ذات المعنى، وكلمتي “الدماغ” التي تدل على معنى كلمة “المخ”. لذا ارتأيت التوضيح.

تعد هذه المقالة بمثابة الجزء الثاني من سلسلة مقالات تتكون من اربعة أجزاء تتناول بحث موضوع “النفس او الذات البشرية” اعتمادا على الحلقات التلفزيونية التي قدمها “روبرت لورنس كوهن” في برنامج “أقرب الى الحقيقة” التي أخرجها و أنتجها “بيتر غيتزلس” أضافة الى الفيديوهات التي عرضت على قناة اليوتيوب (closertotruth.)
والخاصة بذات الموضوع. لقد قام “روبرت” بمشاركة المحتوى مع موقع (صوت خبير العلوم الحي) في عام 2016. وكان روبرت قد قدم الجزء الأول (تستطيع متابعة الترجمة الخاصة به بواسطة الضغط على هذه الوصلة الألكترونية ) حيث ناقش فيه الغموض الذي يحيط بموضوع الذات و اذا ما كانت النفس هي “وهماً” بحد ذاتها. وسيناقش في هذا الجزء فيما اذا كان باستطاعة “نفسك” ان تنجو من الموت ام لا؟
هل النفس موجودة حقيقةً؟
تعتمد الأجابة عن هذا السؤال عن ما الذي تقصده بكلمة “النفس/الذات” و كذلك تعتمد على من هو الخبير الذي تحادثه يهذا الخصوص. ففي الوقت الذي لايرى فيه بعض الفلاسفة ان هنالك شيئا يدعى “النفس”، في الوقت الذي يرى آخرون بأن كلمة “النفس” تعبّر عن مجموعة من التجارب والذكريات والملامح الشخصية بينما يرى آخرون ان هناك انماطاً من المعلومات مستمرة بتواجدها هي التي تمثل “النفس”. وبينما تتطلب هذه التعريفات دماغًا لكي يظهرها، يقترح البعض أن الذات تتجاوز مفهوم العالم المادي وبدلاً من ذلك تكون أو تتضمن نوعًا من الوعي اللامادي أو الروحي أو الكوني.
وحيث لايبدو ان مثل هذه الآراء المتباينة حول “النفس” ستلتقي في نقطة ما، فدعونا لانتوقف عند هذا الحد ونذهب لنرى ماذا تعني هذه التأملات حول النفس بالنسبة لحالة الموت، أو لفناء الجسد او زوال الدماغ؟ فهل تستنطيع “النفس” النجاة والبقاء؟ وهل من الممكن أعادة وضع (تحميل- كما في الملفات الألكترونية) “نفسك/ذاتك” في دماغ آخر مثلا، حتى وإن كان دماغ غير بيولوجي؟ (لمن يود الأطلاع على مواضيع مقاربة، يرجى النقر على الوصلة الخاصة بموضوع: لماذا تنسى/ 5 أشياء غريبة عن الذاكرة).
العلم الخاص بالذات/النفس
*ملاحظة للمترجم: على الرغم من اني توخيت بالغ الدقة في صياغة ترجمة المقال الا ان هناك امورا تركيبية يصعب ترجمتها كما سيذكر ادناه فيما يخص مثلا استخدام الضميرين الشخصيين في اللغة الأنگليزية
(I التي تسنخدم في حالة الفاعل)
و (Me التي تسنخدم في حالة المفعول به)
فيرجى الأنتباه مع الشكر.


يقوم البروفيسور “پيتر ڨان إنڨاخن” من جامعة نوتردام في هولندا بالمقارنة بين قول
(Myself- نفسي)
و قول (My self – أنا نفسي)
. فيقول… عندما اتحدث عن “نفسي” فـ “نفسي” هي بمعنى “نفسي” وكأنما اقول
(Me بالأنگليزية)
(عندما استخدم الضمير Me للتعبير عنها ولا استخدم ضمير المتكلم/الفاعل I)
في سياق تركيب الجملة حسب قواعد اللغة الأنگليزية. وبما ان لدي بالأساس الضمائر الشخصية الخاصة بي وهي
(I و Me )
فلماذا احتاج اذا الى مثل هذه الكلمة “نفس/ذات” الأضافية؟ هل هنالك شيء او كيان آخر اود الأشارة اليه غير “ذاتي أنا” و اريد التعبير عنه بقولي “نفسي – النفس الخاصة بي”؟ فاذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا لا ادعوه “نفسي” وانهي الأمر وابتعد عن كل اللغط المصاحب لهذا التعبير.
لقد قام الفيلسوف “گالن ستراوسن” من جامعة تكساس في مدينة أوستن وهو مؤلف كتاب “النفوس”، الذي يعتبر مقالاً في استعراض الميتافيزيقيا وقد قامت دار مطبوعات جامعة أوكسفورد عام 2011 بنشره، ويزخر الكتاب بما يناهز الخمسين تعريفاً لإستخدام كلمة “نفس”. فقد قام بوضع مصنّفين أثنين احدهما تحت عنوان (النفوس الميتافيزيقية) ويتحدث فيه عن ماهية هذا النوع من النفوس وكم هي المدة التي تبقاها او تستمر بتواجدها، بينما كان المصنف الآخر بعنوان ( النفوس الخبيرة- صاحبة التجارب) ويتحدث عن مدى إحساسك ببقاء و استمرارية تلك النفوس.
وتساءل “ستراوسن” عن ماهي الخصائص الجوهرية “للنفس”؟ وقال….. يجب ان نعرف اولا وقبل كل شيء بأنك عبارة عن حصيلة لعدة تجارب حياتية. انت تقوم بنشاط عقلي وعليك ان تكون منفردا او وحدة متكاملة منفصلة بطريقة او اخرى وعلى الرغم من ان هذا لايعني ان تصاب بالأرتباك وتكون مضطرب الأداء. نعم، يمكن ان تكون نوعا من انواع الكيانات اللامفهومة و يصعب تشخيصها الا انه بالتالي انك لست ملكية مستقلة فقط (كعقار مثلا). وهذا لايعني ابدا ان “الذات” هي ملكية فردية للأنسان لكنها تنتمي الى مصنّف ما. راجع:(عشرة من اكبر الأمور غموضا حول العقل)
ويناقش الفيلسوف “مايكل توولي” من جامعة كولورادو المفهوم القائل ان “النفس/الذات” الحقيقية ماهي الا مسألة علاقة سببية (سبب ونتيجة)، كأن تكون الحالة هي وصف أنك نفس الشخص الذي عاش قبل عدة سنوات سابقة وأن هناك سلسلة متصلة من حالتك العقلية وذكرياتك الحاضرة اليوم ترتبط بحالتك العقلية وذكريات شخصيتك السابقة قبل عدة سنوات (باعتبارك ذات الشخص) وان كان ليس من الضروري ان تكون هذه “الذات” بموجب علاقة مباشرة بي الآن او لي في الماضي. انها استمرارية لأشياء مثل الذاكرة، الملامح الشخصية، المعتقدات الأساسية، السلوكيات الجوهرية والرغبات وهكذا…، وهذا مايجعل الفرد منّا هو نفس الشخص.
ويسأل روبرت قائلاً هنا فيما اذا كنت بحاجة الى نفس الدماغ (حتى و إن كان بجزيئات مختلفة) للأستمرار بتواجد هذه الوحدة من (المادي و اللامادي)؟
فيجيب “مايكل” قائلا: هنالك سؤال مخادع يقول ماهو التعبير الصحيح عن العلاقة السببية؟، يستطرد قائلا… لي صديق ينظر الى المستقبل و يرى احتمالية كبرى لأنتاج اجساد اكثر صحة من مالدينا اليوم و بالتالي يمكن لنا ان نقوم بتحميل ما لدى هذا الدماغ مثلا في احد هذه الأجساد وبالتالي هل سنحصل على نسخة من الشخص السابق فيما اذا نجا هذا الجديد من عملية تحميل معلومات ذلك الدماغ؟ فهل ستحتاج الى نفس ذلك الدماغ مع العلاقات السببية الخاصة به أم ان المهم فقط هو وجود العلاقة السببية واستمراريتها. فإذا لم نكن بحاجة نفس الدماغ المتعلق بتلك العلاقة السببية، اذا –نظرياً- فأنك تستطيع ان تأخذ المعلومات من دماغي (نفسي) مثلاً، و تدخلها في دماغ آخر حتى و إن كان صناعيا او غير بايولوجي، فهل سيبقى ذلك الشخص نفسه ام لا؟
ويعود “توولي” مجيباً …… انت تحتاج الى الأستمرارية من خلال علاقة سببية ولكن من الجائز ان تحتاج الى اكثر من ذلك، فمن الممكن ان تحتاج الى شيء من مثل “تواجد مستمر للدماغ” من اجل التعريف بالهوية الشخصية اكثر من احتياجك الى وجود نسخة عنك. (الفردانية، الخلود الأفتراضي و المشكلة مع الوعي)

الذات و الزمن
وحسب ما يقول “ستراوسن” فأن مفهوم “الذات” مرتبط بتجارب الناس عبر الزمن و الكيفية التي يرى الأفراد بها “أنفسهم” في الماضي و المستقبل، فنرى ان العديد من الناس عندما ينظرون الى الماضي ما قبل 5، 10، او 15 سنة يظنون “بأنهم كانوا هناك”، و بذات الطريقة يعبرون عن أنفسهم عند استشراف المستقبل على الرغم من الغموض المحيط به (فهم يشعرون بنفس الأستمرارية- اي باعتبارهم انهم ذات الأشخاص مستمرون بالتواجد منذ ذلك الماضي و وصولا الى ذلك المستقبل)، بينما يعيش أناس آخرون بطريقة مختلفة تماما فهم يقولون .. انا لا استطيع رؤية نفسي هناك اذا ما نظر الى نفسه قبل 6 أشهر وبالمثل فأنهم لايفكرون كثيرا بالمستقبل.
يعترف “ستراوسن” بأنه ينتمي الى القسم الثاني المذكور اعلاه من الناس حيث يقول …. لأنني لا استطيع ان اقول انني نفسي كنت موجودا ماقبل دقيقة واحدة من الآن. ويستطرد… نحن جميعا بشر، وكلنا وُلِدنا و تابعنا النمو و بالتأكيد أننا سنموت فنحن جميعا متشابهون بهذا الصدد، الا إننا نختلف عن بعضنا البعض بموجب تواجدنا من خلال الزمن، ولذا فأنا أسمي الناس ممن يقولون باستمرارية تواجدهم بـ
“Diachronic
– وتعني الشيء الذي تواجد بين نقطتين زمنيتين وتغير بشكل مستمر” و القسم الآخر ادعوه بالـ
“Episodic –
و تعني الشيء الذي تواجد عبر عدة اجزاء متتالية غير مترابطة (كل جزء يمثل حالة في نقطة زمنية معينة)”.

ولهذا فأن “ستراوسن” يجد انه من المفيد استخدام الكلمة “نفوس/نفس” ككلمة مناقضة لكلمة “شخوص/شخص” او “بشر” وبينما نحن نمثل استمرارية التواجد البشري وبالتالي فأننا نمثل استمرارية الشخوص، ولهذا فأنه من الممكن ان نكون عبارة عن عدة “نفوس” في عدة أوقات مختلفة.
ويضيف “ستراوسن” قائلا، ان الطريقة الطبيعية للتفكير بالـ “النفس” هو تمثيلها كما لو أن “هنالك تواجد مستمر لنظام دماغ معقد ولفترة طويلة، ولكن اذا كان هنالك شخصين يمتلك كل منهما “نفساً” بهذا السياق فسيكون لكل منهما تجارب مختلفة لتواجد “نفسه” المستمر. ويمكن ان يقول أحدهما “انني لم اكن موجودا هناك قبل سنة” بينما يمكن ان يقول الآخر بأنه اصيب بالأحباط تجاه الهدايا التي وصلته في حفلة عيد ميلاده الرابع.
متطلبات النفس
وبينما يربط الفيلسوف البريطاني وطبيب الأعصاب المتخصص بمرحلة الشيخوخة والمتقاعد حاليا والمتعدد الثقافات “ريموند تالّس” هوية الفرد بالأحساس “أنا” في اي وقت من الأوقات، وهنا يوجه هذا السؤال المعمق القائل: ما الذي يجعلنا في المقام الأول ان نكون “الكائن الأول او الأرقى”؟، و كيف لي ان أعهد نجاح تجاربي الى هذا الكيان المسمى “الذات”؟، وكيف لي ان اتأكد بأن هذه التجارب هي تجارب حقيقية، وهي تجاربي الشخصية و ليست تجارباً إنزلقت الى مجرى خبرتي من مصادر أخرى؟
بينما يقوم “تالّس” باعداد مجموعة من المتطلبات اللازمة لتواجد “الذات/النفس” من مثل: جسد حي، استمرارية ذاتية /نفسية (وترمز الى عدد من العلاقات النفسية بين الشخص و المرحلة التي يمر بها وتخص امورا معينة مثل الرغبات، المعتقدات، وهكذا)، بعضاً من الوعي المعرفي للجسد و كما يسميه (حدس التواجد)، و استمرارية بقاء هذا الأدراك (الحدس) عبر الزمن. فعندما تتوالف هذه الأمور المذكورة مع بعضها البعض و لاتجتمع معا عن طريق الأضافة شيئا فشيئا ولكن تأتي بطريقة متمازجة يصعب تفكيكها مثلها في ذلك مثل وجهي عملة معدنية ما، وعندها استطيع فقط القول بأن لدينا نقطة بداية نظرية “الهوية الشخصية”.
أذاً ماهي امكانية تحقيق “الخلود الأفتراضي” و المشروع التأملي الخاص بتحميل “نفسك ووضعها في دماغ آخر” خاصة موضوع تحميلها في دماغ غير بيولوجي (النوع الذي تم تصميمه بتقنية عالية ومتطورة للمستقبل او المستقبل البعيد)؟ و للأجابة على هذا الأستفسار أقول، انا مقتنع بأن الأمر يعتمد على الجوهر او السبب العميق للوعي والذي له احتمالات متنوعة و متباينة. (مواضيع ذات صلة: الفردانية، الخلود الأفتراضي و المشكلة مع الوعي)

هل تستطيع “الذات/النفس النجاة من الموت؟
يتشارك اكثر فلاسفة العقل عند التعبير على عدم توافقهم، في الفكرة التي تعبر عن المكنون الجوهري لموضوع “الذات” قائلين: أياً كانت او لم تكن “الذات” فهي تعتمد على الدماغ بشكل كلي وبالتالي فهي ذات ماهية مادية وبعيدة تماما من اية ادعاءات بكونها غير مادية التشكيل.
ومع ذلك، فأني استطيع ذكر مصنّفين إثنين يصفان “الذات” بأنها حالة تسمو بأبعد من الدماغ حيث يفترض أحدهما:
بأن الوعي عبارة عن أمر خارق للطبيعة (وعي كوني او مرتبط بالكون، الظواهر النفسية والأدراك الفائق الحس، المثالية الفلسفية (مثالي النزعة كما في البوذية).
بينما يستند الآخرعلى العقائد الدينية.
ونستطيع القول بأن هذه مجالات كثيرة لاحصر لها تبدأ من السعي الحثيث لوضع التحليلات الفلسفية الجادة، الجدل و النقاشات التي لاتنتهي وصولا الى بحار من النوادر ومكتبات لاتحصى من نظم المعتقدات (ناهيك عن ذكر الكاذب والمتخيل والواهم منها). (راجع: عشر قصص عن القوى الخارقة في مجال السفر عبر الزمن، الأدراك الحسي الفائق، التنقل عبر الفضاء)
تعزز الأنثروپولوجية عالمة الأجتماع “ميرلين شلتز” طبيعة وتميز التجربة الشخصية للناس في تعريف مفهوم “الذات” بقولها: يحتاج العلم الى اعادة صياغة مفهومه المادي للذات و أخذ الحكمة و التقاليد الروحية بعين الأعتبار، مستطردة بقولها بأن لدينا القدرة على تحقيق انجاز معين في موضوع فهم “من نحن” و “ماهي قدرتنا على ان نصبح عليه”، ما الذي يحركنا و يلهمنا و صفات إنسانيتنا. وتضيف “شلتز” وهي الباراسايكولوجية الباحثة في “الأدراك الحسي الفائق و الظواهر النفسية” و تقاليد الحكمة قائلة: انه اذا ما حاولنا تقليص ماذكرناه اعلاه محاولبن تجسيده، فاننا سنفقد القدرة على ان نكون انسانا متكاملا.
ويتسائل الفيلسوف “ستيڨن براود” فيما اذا كان من الممكن دعم “التخاطر” باعتباره نافذة محتملة للإطلال على مفهوم “الذاتٍ المتوسعة او المتمددة” معتمدين بشكل جزئي على مدى رغبتك في تقبل المعلومات الغريبة بهذا الصدد، وإستنادا الى ما صرح به “ستيڨن” من ان البيانات تشير الى أن “شخصية الفرد (ميزاته) تستمر بالتواجد بعد موت الجسد”. ويستطرد قائلا، اذا ما كان هنالك دليل على استمرارتواجد الشخصية بعد تحلل الجسد، فهذا يعني بالتأكيد استبعاد اي مداخلة للمنظور الفسيولوجي للجهاز العصبي.
وتبعاً لما يقول المختص في علم التخاطر “چارلس تارت” بأنك تستطيع الحديث عن مرحلة ما بعد الموت بموجب ماتقوله الأديان المختلفة الا اني كعالِم متخصص أفضل ان اتعامل من خلال البيانات التي تتكون من احصاءات، معلومات، الخ. اذاً، ما الذي نستطيع ان نجده فعلا؟
فنحن نستطيع ايجاد نوعين من البيانات:
الأمور الخاصة مثلا بمرحلة الأحتضار قبل الموت وهي المرحلة التي يشعر بها الناس بأنهم يعيشون لمحات من مشاهد مابعد الموت وأنت ليس لديك ادنى فكرة عن مدى صحة تلك اللمحات من عدمها.
عمل الوسطاء الروحيون الذين يدّعون بأنهم يقومون بعملية توصيل بين ارواح الناس الذين نجوا من الموت ومن ثم يقولون لك كيف تبدو الأمور حسب ما يرونها هم. وانت لاتعلم هنا كم من الخيال قد تم نسجه في هذه الحكايات او التصريحات.
وفي الوقت الذي اقول فيه بانه لم يجر العمل بشكل كافٍ حول موضوع النجاة من الموت ليتبين ان كان حقيقيا ام هو تصورات او ما شابهها لغاية اليوم، فأنا ايضا لا استطيع استبعاد ما تم قوله بهذا الخصوص. ويضيف “تارت” قائلا، بأن علينا التحقق من التجارب التي ينسبها الناس الى “أرواحهم” او ما يشبه “الروح” الخاصة بكل منهم، لأنه في الحقيقة لا يمكن ان نستبعدها فقط باعتبارها أموراً مستحيلة الحدوث.
ويضيف روبرت قائلاً…. وتعبيراً عن شكوكي حول التجربة التي يمر بها الأنسان في حالة قرب الوفاة باعتبارها نافذة تطل على امكانية البقاء على قيد الحياة حتى بعد التشريح، قلت لـ “تارت” اقترح بأن مثل هذه “الروح” تبدو مثل الشبح في آلة ما، ويرتبط اقتراحي هذا بالتعبير الساخر الذي افاد به فيلسوف المدرسة الطبيعية للفلسفة “جلبرت رايل” في معرض استهجانه لرأي ديكارت المأثور حول ثنائية العقل و الجسد (القائلة افتراضا بأن بعض النواحي في الظواهر العقلية هي ظواهر غير مادية). فردّ عليّ “تارت” موافقا على انها بالتأكيد تبدو مثل الشبح في آلة ما، وهنا دعنا نقوم بالتحقيق في ماهية طبيعة الشبح بدلا من محاولة استخراجه و طرده فقط.
يقول “ديپاك چوپرا” الطبيب في عالم الطب البديل و الكاتب المعروف بغزارة الأنتاج بهذا المجال واصفا إحساسنا الخاص بوصف “الذات” بأنه “وهمٌ” تماما وهذا ليس بسبب مايقوله بأن (الدماغ/المخ) وحده يقوم بانتاج الوعي (وهو امر يعد موضع جدل في الفلسفة الطبيعية – راجع ج1 “هل ذاتك عبارة عن وهم”) بل لأن الشيء الوحيد الذي نجده ظاهرا هو “الوعي”. ويضيف قائلا، بأن “الوعي الكوني” هو جوهر واقعي وان نصيبنا البسيط منه يتمدد داخل عقولنا كما هو فيكون مسؤولا عن استحداث وهم وجود “الذات/النفس”. بأمكانك ان تقترن بالـ “وهم” طالما احببت ذلك الا انه ليس هنالك اي شيء غير “الوعي”. و الوعي هو أمر مفرد و لايمكن ان يكون جمع ابدا، وما غير ذلك هي امور ابتدعها الأنسان.
وبالتالي فأن سؤالنا …. ما هو “الشخص/ية” هل هو “ذات/نفس” ؟
يستطرد “چوپرا” قائلا …. عندما يقوم الوعي باختيار الصفة النهائية لتعريف نفسه متضمناً التجربة التي مر بها خلال الزمن، فهذا ماندعوه بعملية “تشكيل الشخصية”. وهي عملية أشبه ماتكون بعملية التمثيل الغذائي في جسم الكائن الحي حيث تتحول المواد الغذائية عبر عمليات متعددة و معقدة من الهضم و الأمتصاص الى مواد تشارك في بناء اعضاء الجسم و ابراز ملامحه، و هكذا فستكون أنت بالتالي عبارة عن جميع تلك التجارب التي قام “الوعي” بحصرها ووضعها داخل جسم معين خلال فترة زمنية معينة. ونحن لانجد تسمية مناسبة “للوعي” اكثر من أن نمثله بذلك الخيط الذي تتعلق عليه حبيبات التجارب العديدة، لذا فأن ما ندعوه بالـ “ذات/النفس” هو في حقيقته “الوعي”. يقوم الوعي بإعادة هيكلة نفسه ليصنع له هوية تعرّفه لكي يكون شخصً معيّناً وهي الطريق الوحيد للتعايش و التفاعل مع الحياة. و يضيف “چوپرا” قائلا، ان الشخص/الأنسان هو عبارة عن نظام “متطور في الوعي” و أن الناس ينشأون و يستقرون داخل منظومة الوعي هذه خلال فترة حياتهم. ان الحقيقة المطلقة التي لا جدال فيها تكمن في “الوعي”، لاغير.
وفي النهاية فقد يبدو الأمر جديرا بالأقتناع نوعا ما، الا ان القناعة الحقيقية لا ترتضيه بديلا.

ألتقي معكم قريباً مع الجزء الثالث من هذه السلسلة وهو بعنوان (هل لدى ذاتك/نفسك روحاً؟).
*للتواصل مع مازن البلداوي:
الرجاء وضع كاميرا جهاز هاتفك النقال مقابل أحد رموز الــ QR ادناه، أو ضع المؤشر على رمز الـ QR و اضغط عليه:

qr

https://www.linkedin.com/in/mazinbaldawi/

About مازن البلداوي

مازن فيصل البلداوي كاتب عراقي يحاول بذل الجهد في تعريف مواطن الوجع الأنساني و أسبابه عن طريق التحليل و تشخيص الأسباب و طرح الحلول اينما امكن ذلك يعمل حاليا كأستشاري تطوير اعمال على المستوى الدولي لدى احدى الشركات حاصل على شهادة الماجستير في إدارة أصول البنى التحتية من مدرسة باريس للأعمال مسجل كمحلل بيانات الأعمل و مرخص من قبل الأكاديمية الأميركية للأدارة المالية AAFM حاصل على شهادات تخصص في ادارة مشاريع المياه من BAMI-I حاصل على شهادات تخصص من جهات اخرى للمزيد:يرجى مراجعة البيانات على الرابط التالي:
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.