بدعة التدرج في تحريم الخمر:


لقد أنشأ الفقه القديم بدعة ما يسمى التدرج في تحريم الخمر، وكأن الخمر كانت حلالا عند بني إسرائيل وغيرهم فجاء القرءان حريصًا على نفوس السكارى فتدرج في أحكامها حتى حرّمها بالكلية، وهو الأمر الذي لا أجده إلا في خيال ذلك الفقه القديم، نتيجة عدم التحليل الإدراكي السليم للآيات للوصول إلى هدف القرءان.
يقول تعالى: {يَا آيةا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُورًا} النساء43.
ينتهي الفقه القديم بأن هذه الآية كانت تسمح للمسلم بمعاقرة الخمر، لكن خارج الصلاة، بل بفقه الإمام أبي حنيفة بجواز تلك المعاقرة لكن بشرط عدم السكر، ولأصناف محددة من الخمور.
وإننا إن انتبهنا إلى أن تلك الآية نزلت بالمدينة المنورة، فإن هذا يعني أن الصحابة كانوا يصلُّون وهم يشربون الخمر لمدة أكثر من عشر أعوام منذ بدء تشريع الصلاة الحادث في السنة الثانية من البعثة تقريبا.
ولما كان الله تعالى كان سبق وأنزل بسورة مكيـة نزلت بمكة المكرمة هي قوله تعـالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شيئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} الأنعام151.
فإن الفواحش المحرمة كان من بينها الخمر، لأن الخمر كانت مستهجنة بالفطرة أولاً، وكانت محرمة بشريعة موسى r ثانيًا، فما يشرب اليهود الخمر أبدًا لأنها محرمة عندهم، لذلك فحين يقول تعالى بتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فإنه يشمل الخمر تأكيدًا بلا جدال.


وحين ينزل القرءان أول ما ينزل مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، فإن الخمر تكون محرمة وذلك لتحريمها بالتوراة والله تعالى يقول: [نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ] [آل عمران:4و3].
ويقول تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ] [الأنعام:92].
والآيات كثيرة في أنّ الله طلب من أهل الكتاب التّقوى، وطلب منهم التّعقل والتّفكر وكذلك طلب منا ذلك في القرءآن الذي نزل على محمد مصدقا لما بين يديه من الكتب.
وما كان الله ليحرّم الخمر ثم يعيد السماح بها في غير أوقات الصلاة كما ذهب البعض في أفكارهم، وتجد التوراة والإنجيل وهما يحرمان الخمر فيما يلي:
(1) في سفر العدد إصحاح 6 آية 3 من العهد القديم ما يلي:
[في الخمر والمسكر يفترز ولا يشرب خل الخمر ولا خل المسكر ولا يشرب من نقيع العنب].
(2) في الإصحاح5 آية 18 من العهد الجديد:
[لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل أقبلوا بالروح] كذا ذات الأمر فى لاوس إصحاح 10 آية 9 من العهد القديم 0
أما تأويل بعض النصارى بأن الشُّرب مباح، والسُّكر غير مباح فذلك ما هو إلا تأويل بشري، وذلك لسابق نهي الله بالتوراة عن شرب الخمر، كما أن أصل التحريم والتشريع هو بالتوراة، فكيف نخرج بمقولة التدرج بعد تلك الدلائل؟.
فهل تستسيغ مقولة تحريم الله للخمر بالشرائع السابقة على الإسلام ثم السماح للمسلمين بشربها في غير أوقات الصلاة؟، وهل تستسيغ تحريم الله للفواحش ما ظهر منها وما بطن بسورة مكية، ولا يكون من بينها الخمر!، فيتم التصريح ضمنيا بشرب الخمر حتى بعد الهجرة للمدينة المنورة لكن خارج أوقات الصلاة؟!،… إنه المنطق المخالف مراد الشارع بكتابه والمسمى بالتدرج في تحريم الخمر.
فإن عدنا لنتدبر قوله تعالى [لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى]؛ فإن حملنا النص على الخمر فإننا بذلك نكون قد تصورنا بأن الله أنزل تشريعا لا ليحمي شرب الخمر فقط بل ليحمي السكارى، بل ويتلطف معهم لكنه ينهاهم عن الصلاة وهم سكارى، وكأن السكير يدري بمواعيد الصلاة فيأتيها لذلك فإن الله ينهاه عن الصلاة حال السكر حتى يعلم ما يقول، وذلك من قوله تعالى: [حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ]؛ فهل يستسيغ عاقل أن يدري السكير موعد الصلاة ويأتيها، لكن تكون الخشية من عدم هذيانه في الصلاة؟،… إنه منطق التدرج في تحريم الخمر.
وهل يستسيغ عاقل أن يتفهم فكر الفقه القديم حين تم تحريم الخمر بالكلية – وفق قولهم – فإن تلك الآية من سورة النساء قد أصبحت بلا قيمة – إلا من تلاوتها – بمجرد التحريم النهائي بعد التدرج المزعوم، وهل يمنح الله ثوابا لتلاوة آية بطل العمل بها؟، وما فائدة تكرار وحفظ وتلاوة آيات بطل العمل بها.
إنه منطق الناسخ والمنسوخ الذي حاول الفقه القديم أن يعالج سقطاته به، وقيل عنه بأنه علم، بل وجعله [وبكل أسى وأسف] شرطاً للاجتهاد، ويا ليتهم اتفقوا فيما هو الناسخ أو المنسوخ الذي صنعوه علمًا… يؤسفني بأن هذا منطق من قالوا بالتدرج في تحريم الخمر.
لكن تجدر الإشارة بأن كلمة [سُـكارى] الواردة بالآية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالخمر، فالآية تحض على تدبر ما يتلوه المرء من القرءان ومن الذِّكر إبان الصلاة، لذلك فإن الله ينهانا عن أن نكون منشغلين بغيره سبحانه وتعالى وبخاصة أثناء الصلاة.
ولأن السكر لا ينصرف إلى الخمر فقط، كما سبق أن صرفوا الأمية بأنها الجهل بالحروف الأبجدية وطريقة كتابتها، لكن السُّكر هو كل ما شغل العقل وملأ تفكيره وشغافه، لذلك قد يكون السُّكر من التعب أو الانشغال بمصير الحكم في قضية مثلا، أو الخوف، أو العذاب… وهكذا، لذلك يقول تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} الحج2؛ أفيكون الناس سُكارى من شرب الخمر حين قيام الساعة أم أنه سُكر العذاب الشديد كما هو واضح بالآية؟.
ويقول جل في علاه: { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} الحجر72؛ فهل معناها أنه سُكر الخمر!، بالطبع لا، لكنه سُكر الغفلة وليس سُكر شرب خمر.
والذين يتصورون أنّ الإسلام إذا ما دخل في بلد بعد ذلك فهو يتدرّج في تحريم الخمر، ويكون ذلك من السّنن الإلهية والنّاموس الإلهي عندهم، هؤلاء جميعا قد أضرّوا بالمفهوم القرءاني وموضوعيته، ولكن كي لا نخرج عن أساس موضوعنا فإن الآيات الأربع التي نزلت في شأن الخمر وفى شأن السكر والتي خلط بعض الفقهاء في تأويلها وربطوا بينها في المعنى، حتى انتهوا إلى ما انتهوا إليه على أن الخمر قد حُرّمت بالتدريج – هذه الآيات الأربع هي:
• الآية الأولى آية رقم [67 من سورة النحل] وقد نزلت في آخر سنة فى العهد المكي.[وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] [النحل:67].
• الآية الثانية الآية رقم [219 من سورة البقرة] نزلت عام 2 هجرية بالمدينة المنوّرة.
[يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ] [البقرة:219].
• الآية الثالثة الآية [ 43 من سورة النساء] نزلت عام 4 هجرية بالمدينة المنوّرة.
[يَا آيةا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً] [النساء:43].
• الآية الرابعة آية [90 من سورة المائدة] نزلت عام 9 هجرية بالمدينة المنوّرة.
[يَا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ].
فمن غير المتصوّر عقلا أن يظل المسلمون يشربون الخمر حتّى قبل وفاة النبي بعام أو عامين، بينما أهل الكتاب على فضيلة عدم شرب الخمر، فى ذات الوقت الذى يحض دين الإسلام على تصديق القرءان للشرائع السابقة.
وهل يمكن أن نظن في الصحابة رضوان الله عليهم حين ينزل القرءان قائلا عن الخمر والميسر [فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا]، فهل يختار الصحابة الإثم الكبير، وهم بالسنة الثانية من الهجرة، لأجل بعض المنافع الدنيوية!!، أهكذا يكون قويم الفكر!؟
إنّ هذه الآيات الأربع لا تضاد بينها ولا تدرّج ولا ناسخ فيها ولا منسوخ؛ إنما الذّين تصوّروا التّدرج – وتصوّروا بناءً على ذلك أن هناك ناسخا ومنسوخا في كتاب الله الذي بين أيدينا – قد نشأ عندهم هذا الأمر نتيجة لخلطهم المعيب بين كلمة سَكَر [بفتح السين والكاف] وبين كلمة خمر وتلازم الأمرين في عقل المفسّر – وذلك بغير داع – كذلك حصرهم منتهى كلمة السُكر إنما تعنى الخمر… بينما أن السُكر[بضم السين] ليس بالضرورة أن يكون الخمر هو أساسها، إذ أنّ الخمر حرام حتى ولو لم تُسكر، والسُكر من غيرها حرام حتى وإن كان حلالا، والسُّكر[بتشديد وضم حرف السين] بمعنى ذهاب العقل قد يكون من غير الخمر كالسُّكر الحادث عند بداية اليقظة للنائم المتعب حين يستيقظ قبل موعده، فضلاً عما ذكرنا من أسباب.
وهناك براهين أخرى لكني – حقنا للوقت – أترك الأمر للقارئ كي يتدبر بنفسه وينفذ قوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} الزمر18؛ فليس بالإسلام فكر معصوم وفكر مرجوم إلا عند أصحاب الإيمان بالعاطفة الذين يميلون في اتجاه القديم والقدماء بلا موضوعية.
مستشار/أحمد عبده ماهر
محام بالنقض ومحكم دولي وكاتب إسلامي

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.