بائع البطيخ الأحمر….

صورة ارشيفية لدكتور يساعد امرأة حامل

بائع البطيخ الأحمر الذي تحت جسر الزاهرة أصبح يعرفني…وربما يكرهني …فأنا كل ليلة
أمر من أمامه…واسأله
– بكم البطيخ ؟!
فيجيبني….بكذا
فأقف لحظات أمام كومة البطيخ أتأملها…ثم أكمل طريقي…ولا أشتري !!!
هذا الحكي تكرر كل يوم…ماذا أفعل …
أنا فضولي بطبعي …أريد ان أعرف أحوال البلد من خلال معرفة أسعار البطيخ…لم لا؟!
فأنا لا أتابع الأخبار في التلفزيون …فالأخبار ترفع الضغط…الأخبار هَجَرها الجميع…يا جماعة..
المهم ….
بائع البطيخ قبل ليال كان يجلس إلى مكتبه الصغير خلف كومة البطيخ وحوله ثلاثة عمّال يقومون بمعظم العمل….بينما يقوم هو بقبض الثمن…
في ذلك المساء عندما رٱني استعاذ بالله بصوت عالٍ…ولكنني عاجلتُه بالسؤال كعادتي
– بكم البطيخ…؟!
فقال بغضب شديد…
– …باربعمئة ليرة…
فقلت له.
– …البطيخة ؟!
فقال وهو يشد على أسنانه…
– الكيلو… الكيلوووو بأربعمئة..
فقلت له


– … يعني مو البطيخة كلها بأربعمئة ؟!
كان أمامه على المكتب قطعة من خرطوم مياه ( نبريش )…
امسكها وضربها نحوي بشدة وقال…
– انتَ مِنْ أين تطلع لي كل يوم ؟!..كل يوم… كل يوم… …حل عنا…يا…
……
في هذه الأثناء بدأ العمال يصرخون فقد سقط شاب منهم أرضاً….وبدأ يختلج بشدة…والزبد يخرج من فمه فيما ظهرت عليه علامات اختناق وازرقاق…
انا أسرعت اليه وأضجعته على جانبه وطلبت منهم الا يخافوا…
وتناولت قطعة خرطوم المياه التي ضربني بها البائع… ووضعتها معترضةً في فمه…فوق لسانه…وساعدتهم في نقله إلى سيارة قريبة ركب بها بائع البطيخ واثنان من العمال … واتجهوا به الى المشفى…
أنا بعد ان انطلقت السيارة….وجدت نفسي وحيداً مع كومة بطيخ كبيرة ..وعامل صغير السن…
ماذا أفعل…؟؟!
جلست الى المكتب …كان دُرج المكتب مفتوحا وممتلئا بالأوراق النقدية…..أغلقته بمفتاحه وجلست انتظر عودة صاحب المال لأعطيه المفتاح….
ولكن بعد قليل جاء زبائن ..يريدون شراء البطيخ….فبعتهم بطيخة !!!!
.. بيع البطيخ ليس شغلة صعبة…صدّقوني ….ثم جاء زبائن وزبائن…فبعتهم !!! ثم أعجبتني الشغلة…( عشت الدور )…
فصرت أصيح….
بطيخ….بططططيخ…عالمكسر يا بطيخ…
بعد ساعة جاء بائع البطيخ …سألته عن وضع الشاب فقال أنه ابنه وهو بخير…وقال إن النبريش أنقذ حياته…أو على الأقل أنقذ لسانه من العض..ثم سألني
– من أين تعلمت هذه الحركة هل أنت طبيب أو ما شابه…؟!
لم أجبه على سؤاله…كنت غاضباً منه لانه رماني بالنبريش. .
ناولته مفتاح الدُرج وقلت له لقد بعت لك عدة بطيخات وثمنها في الدُرج السفلي ….
تصوّروا….لم يشكرني حتى ..
يبدو انني كنت سابقا قد رفعت ضغطه.كثيرا ..هههه..
ثم خطر ببالي أن أمازحه لأغير الجو….فسألته
– بكم البطيخ….؟!!
فابتسم أخيرا وقال
– بأربعمئة…
فقلت له …
– الكيلو ؟!!
فقال …
– لا …البطيخة كلها بأربعمئة.
وأصرّ أن يعطيني أكبر بطيخة عنده وأخذ مني أربعمئة ليرة فقط …هههه….
المشكلة ليست هنا….
المشكلة في اليوم التالي…
كنت أجلس في عيادتي
دخلت سيدة جميلة لم تكن تعرفني من قبل…دخلت هي وزوجها….
قالت السيدة
– عفوا أريد الدكتور…هل هو موجود…؟!
أنا قلت لها
– أنا الدكتور تفضلي استريحي
قالت…
– عفوا هل أنت متأكد أنك الدكتور.؟!!.
قلت لها وأنا أنظر الى نفسي… – نعم…أعتقد أني متأكد..ألا يبدو علي أنني دكتور…؟!
همست السيدة في أذن زوجها بكلمات….فقال
– عفواً…. ألستَ بائع البطيخ الذي تحت جسر الزاهرة .؟!!..نحن البارحة مررنا عليك واشترينا بطيخة من عندك !!!
لم يعطياني فرصة للدفاع عن نفسي…
لقد خرجا مسرعَين من العيادة….!!!!
لا أخفيكم سرّاً….شعرت بالحزن لخسارة المريضة…ولشبهة بيع البطيخ التي قد تُلصق بي…
وما أدراكم ؟!…قد تكتب الصحف غداً…
طبيبٌ يبيع البطيخ الاحمر تحت جسر الزاهرة…!!!
قصة قصيرة بقلم الدكتور جهاد السالم
سماعة حكيم

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.