انصر “الفقيه المغتصب” ظالما أو… ظالما!

سناء العاجي

تظاهرة لطلاب مدارس في الهند ضد الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال
خلال أقل من شهر، تابعنا في المغرب قضيتي اعتداء جنسي على أطفال وقاصرين شغلتا مواقع التواصل الاجتماعي.

القضية الأولى تتعلق بالطفل عدنان (عشر سنوات) الذي تعرض للاغتصاب والقتل من طرف أحد سكان الحي الذي يقيم فيه، قبل أن يدفن قرب بيت أهله في اليوم ذاته الذي اختطف فيه (شاهد التفاصيل على هذا الرابط: #شاهد العثور على جثة الطفل عدنان بعد اختفائه لأيام يروع المغاربة )؛ بينما تتعلق القضية الثانية بفقيه في كتاب قرآني اعترف هو نفسه بالاعتداء الجنسي على ستة قاصرين، ذكورا وإناثا، لمدة عشر سنوات (والرقم مرشح للارتفاع: لمزيد من التفاصيل على هذا الرابط: إمام مسجد 43 سنة في #طنجة #المغرب يعترف بانتهاك عرض 6 قاصرات كان يحفظهن القرآن ).

هاتان القضيتان تطرحان أمامنا سؤالين أساسيين. السؤال الأول يتعلق بالاعتداءات الجنسية على الأطفال؛ والسؤال الثاني يتعلق بالميل شبه الطبيعي لأغلب مكونات التيار الإسلامي لنصرة من كان منهم، مهما كانت التهم الموجهة إليه.

لنعترف بداية أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال تترجم واقعا مجتمعيا حقيقيا وليس مجرد حوادث عابرة… حين نندد بجريمة اغتصاب أطفال في مجتمعاتنا، علينا ألا نتظاهر بأننا تفاجأنا من هول الصدمة أو بأننا نكتشف أمرا جديدا في المجتمع.

بقدرة قادر، تحول الاعتداء الجنسي على قاصرين لـ “زنا”، مما يوحي بكون الضحايا شركاء في علاقة جنسية رضائية… لمجرد أن المتهم فقيه!

قد نتأثر بصدق. قد نتفاعل بإيمان تام مع القضية التي ندافع عنها… لكن هذا لا يجب أن ينسينا أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال هو واقع مجتمعي سائد تتستر عليه الأسر لتفادي الفضيحة؛ خاصة أن أغلب المعتدين يملكون سلطة عائلية (الأب، الأخ، الجد، إلخ) أو دينية (الفقيه). بل أن هناك مثلا شعبيا في المغرب يقول: “ما تتعلم حتى تدوز من تحت المْعْلّم”، وهو يحيل على الحرفيين الصغار الذين لن يتعلموا الحرفة، حتى “يركبهم” الحرفي الكبير (المْعلّم)!

كذلك، وفيما كان يسمى بـ “المسيد” في المغرب، وهي كتاتيب دينية صغيرة كانت تنتشر في الأحياء الشعبية بشكل غير نظامي، يتعلم فيها الأطفال القرآن، فقد كان شبه متعارف عليه (بصمت وسرية وتواطئ) أن بعض مدرسي “المسيد” يعتدون جنسيا على الأطفال!

لذلك، فما نحتاجه اليوم، أكثر من التنديد، هو أن نعترف بهذا الواقع وبالصمت الذي يحيط به… أن نتعلم أن “الفضيحة” لا يجب أن تلتصق بالأطفال الضحايا وأهاليهم بل بالمجرمين الذين يعتدون عليهم، وأنه علينا فضحهم ومعاقبتهم… وإلا، فما دمنا نصمت، فستتكاثر الضحايا بشكل مستمر. وبين الفينة والأخرى، حي يصل الاغتصاب للقتل، أو حين تكون للضحية خصوصية معينة (سن أصغر بكثير من المتعود عليه، انتماء اجتماعي معين، إلخ)، فسنندد على مواقع التواصل بضعة أيام، قبل أن ننسى الأمر ونستمر في اقتراف الحياة… بانتظار حالة جديدة تخرج من السرية!

النقطة الثانية التي علينا التوقف عندها، والتي لا تقل أهمية عن الأولى، تتعلق بالتضامن المطلق بين الفقهاء ورجال الدين وأتباع الإسلام السياسي، مهما كانت طبيعة التهم الموجهة لأحدهم.

ما نحتاجه اليوم، أكثر من التنديد، هو أن نعترف بهذا الواقع وبالصمت الذي يحيط به… أن نتعلم أن “الفضيحة” لا يجب أن تلتصق بالأطفال الضحايا وأهاليهم بل بالمجرمين الذين يعتدون عليهم

في قضية الفقيه المتهم بالاعتداءات الجنسية، خرج العديد من شيوخ السلفية وأنصار الإسلام السياسي والمواقع الإعلامية التابعة لهم ليبرؤوا الفقيه، معتبرين الأمر “مجرد تصفية حسابات”… حتى والفقيه نفسه قد اعترف بجرائمه! تخيل أن يعترف الجاني… وأن يبرئه “أهل عشيرته”!

حتى أن أحد الشيوخ الذي كان، منذ أقل من شهر، يطالب بالإعدام في حق مغتصب وقاتل الطفل عدنان؛ اعتبر في حادثة الفقيه أن إثبات واقعة الزنا يتطلب أربعة شهود عيان. لنتأمل أيضا كيف أنه، وبقدرة قادر، تحول الاعتداء الجنسي على قاصرين لـ “زنا”، مما يوحي بكون الضحايا شركاء في علاقة جنسية رضائية… لمجرد أن المتهم فقيه!

كيف نصور جريمة بيدوفيليا على أنها “زنا” بالتراضي؟ ثم، هل لو تعلق الأمر بعلاقة رضائية بين راشدين، سيعتبر نفس الشيخ بأننا نحتاج لأربعة شهود، أم أنه سيدين “الفاسدين المنحلين”؟

في مثل هذه الحالات فقط، يظهر الفرق واضحا بين من يدافع عن قيم وعن قضايا يؤمن بها فعليا، ومن يتاجر بتلك القيم والقضايا (والدين ضمنها)… ومتى ما مست شعاراته ومصالحه وأهل عشيرته، تبرأ منها بكل الطرق.

كم هو عجيب هذا الصنف من “التدين”!

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.