انتحرت اليوم فتاة صغيرة في #القامشلي وتوصي من تحبهم بزيارتها؟

Farah Youssef

عزيزتي سارة،
لا أدري إن كانت الكتابة لك أمراً صحياً، اتخذتك صديقة تخيلية لكنك لست كذلك، إنك حقيقية وحقيقية جداً. سأكتب على أية حال، سأحاول على الأقل.
لدي مشاعر مختلطة جداً حول حدث طرأ على مشهد العدالة في سوريا. تعرفين إياد غريب ومحكمة كوبلنز؟ حكموا عليه بالسجن لأعوام تكفي يد واحدة لإحصائها، تتخيلين؟ سيقضي خالد لطفي مثلاً وقتاً أطول منه في السجن، ولاحظي أني لم أتطرق حتى للنوعية هنا.
كان موقفي واضحاً من المحاكمة بحد ذاتها، كانت صفعة لكل حشرة في مملكة النظام، سطلاً بارداً انسكب على رؤوسهم، وكان مقداراً تافهاً من العدالة لكنه كان كافياً لأنتشي.
أما هذا الخبر الغريب فيغضبني، ثم تسعدني رمزيته، ثم لا أكترث لضآلته، وأعود لأحزن قبل أن أغضب وأرتبك من جديد. لماذا نعيش هذا كله يا سارة؟
انتحرت اليوم فتاة في القامشلي، فتاة صغيرة تنتحر لأسباب محقة وتوصي من تحبهم بزيارتها، أي رقة هذه؟
المرة الأولى التي جربت فيها الانتحار كنت بعمرها، كنت قد عرفت أن سبب هجر الشاب الذي أحببته على الإنترنت هو صدمته بقبح وجهي حين التقينا. بكيت ليلتها حتى تخدّر وجهي، سمعته يتحدث إلى غريبة هي أنا من إيميل آخر عن مدى لطفي وذكائي اللذين لم يكونا تعويضاً كافياً عن دمامتي. كان في بيتنا خزائن ممتلئة بالأدوية لا ينتبه أحد لها، ابتلعت “كمشة” حبوب بغباء، عرفت لاحقاً أنها غير كافية إطلاقاً لقتلي لكنها قوية بالحد الكافي لأمرض مرضاً غريباً لا تُفهم أسبابه ولا تتناسق أعراضه. ليتني لم أكن بالغباء ذاك لأفشل.
يطالبونني بألا أكتب عن الانتحار، يعتبرون منشوراتي تحريضاً، لكنني لا أحرض يا سارة، هذا العالم محرض كافٍ لا تنقصه منشوراتي، لم تنتحري لأنك قرأت منشوراً ساخراً عن هاجس الانتحار دهساً بالقطار أليس كذلك؟ الذين يستخدمون مصطلح تحريض على الانتحار لا يفهمون كيف تسير الأمور.


في بداية الأسبوع التقط راداري انخفاضاً ضئيلاً في سرعتي، سرعة كل الأشياء، أمسك فرشاة الأسنان وأحتاج لتوجيه أمر واع ليدي الأخرى لترفع معجون الأسنان، أجزاء من الثانية لأمر تدوير الغطاء وأجزاء أطول للضغط على الأنبوب. انخفاض ضئيل يتسارع بهمجية فأحتاج ١٨ دقيقة بدلاً عن عشرة دقائق لأقطع المسافة بين المترو والمكتب، دقيقتان كاملتان لأتذكر كلمة مرور حاسبي، وأتخذ قراراً بتأخير “النوبة”.
لا أؤمن بالادخار يا سارة، أنفق كل أموالي أياً كان المجهود الذي بذلته للحصول عليها، لكنني منذ عامين وضعت جانباً مبلغاً صغيراً ومهماً، كافياً لأستأجر غرفة وأعيش على الحد الأدنى لمدة شهرين. حسبت بعناية وجمعت المبلغ وخزنته بصورة تُعقد إنفاقه في لحظة “زنقة”. أعرف اليوم أنني قادرة على الاكتئاب شهرين دون أن أنام في الشارع، لكنني أعرف مدى رومانسية هذا الطرح.
أظن أن ليس لدي شيء أقوله يا سارة، أردت أن أخبرك أنني “أبطأ” مؤخراً وأنني أخاف بطئي.
خائفة أنا يا سارة من الاحتمالات كلها
بالمناسبة، اسمها مها، طلبت أن يسامحوها وأوصت بزيارتها.
يا سارة يا حلوة ضلي دايماً بخير..

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.