انتحار رجل دين بقلم #آرا_سوفاليان

انتحار كاهن في الكنيسة وبوجود الناس رسالة موجعة جدا رسالة كانه يعلن استسلامه للياس وانه لم يعد يؤمن بالخلاص

انتحار رجل دين بقلم آرا سوفاليان
من حيث المبدأ …رجل الدين لا يحمل مسدس
تغيرت المعطيات وتبدلت حياة الإنسان وتعقدت، وسياسة الخد الأيمن لم يعد معمولاً بها أبداً، لقد كان لرجال الدين سلطة يستخدمونها عند اللزوم وتلقى القبول لدى المؤمنين وكانت هذه السلطة المسخّرة لفعل الخير تفعل الأعاجيب وعلى الرغم من أن الزمان قد تغيّر فهناك البعض من رجال الدين لا يزالون يراهننون على جدواها.
قد يكون من المفيد استعراض القصة القديمة الآتية:
حدثت خلافات بين افراد ينتمون الى جمعية خيرية في طائفة الروم الارثوذوكس في دمشق في زمن الانتداب الفرنسي وتسببت هذه الخلافات بمشاجرة بين الاقطاب المتنازعة على منصب الزعامة في هذه الجمعية والاقطاب هي:
جرجي وشقيقه ابراهيم عوض دير عطاني، والشقيقين أولاد الفيصل أصحاب معمل نبيذ الفيصل، وبدأت المشاجرة في مقهى قصر البللور في دمشق – القصّاع، إثر مشاجرة كلامية إمتدت الى استخدام السلاح الأبيض وكانت النتيجة مقتل أولاد الفيصل الإثنين وجرح ابراهيم عوّض جراح بالغة وتواري جرجي عوض عن الأنظار…وتم نقل ابراهيم عوض الى المشفى الفرنسي وخضع لجراحة خطرة وتم انقاذه، وحدثت مفاجأة غير متوقعة فلقد نهض ابراهيم عوض من سريره في المستشفى واسند كل ثقله على احد أعمدة السرير في المستشفى فتمزقت خيوط العملية ونزف نزيف صاعق ومات…ودارت التكهنات حول ما يلي: قرر ابراهيم ان ينتحر لينقذ أخاه من حبل المشنقة لأن المحامون سيلقون بالتبعة على ابراهيم المتوفى والذي لن يحاسب، فيتم انقاذ جرجي الذي قد يحكم بعقوبة سجن مخففة…وهذا ما حدث…وتم سجن جرجي في سجن القلعة في دمشق ولم يكن في دمشق سجن غيره، وجلت فرنسا عن سوريا وشمل جرجي العفو فخرج من السجن، وكانت المسألة كلها تدعو للحيرة فالطرفين المتناحرين مشهود لهما بالتقوى وكانا على الدوام متواجدين في الكنيسة ومن ابنائها البررة ملتزمون بحضور القداس ومتواجدون في الأعياد وفي النادي وفي جمعيات المبرة وسائر الجمعيات الخيرية وحتى الكشافة ومسموعيتهم ممتازة لدى البطرك وكل المطارنة وكل الخوارنة ويتم الاعتماد عليهما مادياً ومعنوياً لحل أكبر المشاكل التي تواجه الكنيسة وأفراد الطائفة، فكيف حدث ما حدث ؟؟؟
قالوا: هي بدعة الشيطان التي حرّكت ووسوست للطرفين فقاما بما قاما به…وعاش جرجي في هاجس الانتقام والانتقام المماثل وشعر انه مهدد وكان يحمل السلاح بشكل دائم للدفاع عن نفسه إن دعت الحاجة.
ذهب جرجي عوض لزيارة قبر السيد المسيح في القدس، وكانت العادة أن يتم دخول القبر من قبل إثنين كل واحد يقف في رتل وتصادف دخول جرجي عوض قبر السيد المسيح ومعه رئيسة دير صيدنايا الحجة كاترينا وتعاهدا على الاخوة لأنهما الآن إخوة في المسيح…وطلبت الحجة كترينا من شقيقها جرجي عوض ان يزورها في دير صيدنايا في دمشق حيث تعيش…ولا بد انه فعل لأن الرجل شريف وملتزم ومؤمن الى حد كبير.
وتزوج جرجي من آل العويشق وصارت له اسرة، وتضاعف خوفه فلقد كان يعيش تحت هاجس الثأر وكان يتوقعه في أي يوم ويخاف منه وصار يخاف الآن على زوجته وأولاده…
وحدث أمر غريب …فلقد وقف ابنه بشار جرجي عوض ديرعطاني ومعه من معه تحت نافذة فتاة تسكن في بناية دكان والد جورج اسحاق صاحب بقالية اسحاق في منطقة جنائن الورد في القصاع، ويبدو ان بشار أو أحد أصدقاءه من المجموعة كان يتحرّش بالفتاة عن بعد مما اثار حفيظة جورج اسحاق وغيرته على جارته فخرج لملاقاة بشار ومن معه فهربوا جميعاً، واختار جورج مطاردة بشار بدراجة نارية فيسبا كان يستخدمها جورج لإيصال الطلبات من دكان ابيه الى الزبائن، واستطاع الوصول الى بشار في مدخل احدى البنايات القريبة من تكسي العائلات بجانب المشفى الفرنسي واستطاع جورج اسحاق طعن بشار عوض في ظهره فوقع بشار على الارض ونزف …وتصادف مرور طوني نعمة قائد الكشافة في نادي الفوج الثاني الكشفي بسيارته وهو يعرف بشار فحمله واسرع به الى المستشفى وتم انقاذه وتبين ان الطعنة امتدت حتى مسافة قريبة جداً من القلب وكادت ان تفقد بشار حياته…وجن جنون الأب جرجي عوض فلقد كان يعيش تحت هاجس الثأر والانتقام وظن أن الانتقام قد حدث وأقسم على قتل جورج اسحاق الذي استطاع أهله إخفاؤه في مكان مجهول وبحث جرجي عوض عن غريمه بلا جدوى، وكان والد جورج اسحاق يدق ابواب أهل الخير للمساعدة في إخراج إبنه من المصيبة التي وضع نفسه وأهله بها، فوصل الى خوري من طائفته وهي طائفة الروم الارثوذوكس أيضاً، فأشار عليه الخوري أن يذهب ليطلب مقابلة رئيسة دير سيدة صيدنايا الحاجّة كاترينا فذهب وقبّل يدها وحدّثها بمصيبته، فقالت له: إذهب الى بيتك فالحل عندي…وذهب والد جورج اسحاق الى بيته وقد عاد الرجاء له.


واستدعت الحاجة كاترينا جرجي عوض الى صيدنايا فجاء لمقابلتها، فبادرته بالحديث قائلة: بإسم اخوتنا المقدسة في قبر السيد المسيح، أختك تطلب منك العفو عن جورج اسحاق، فأجاب جرجي عوض لك ما تريدبن يا أختاه.
وعاد بشار عوض من المشفى الى بيته وكنت قد زرته في المشفى وحملت له الورد فلقد كان صديقي الوحيد وكان شهم وأبي النفس وشجاع وشكرت الله على نجاته.
وعاد جورج اسحاق الى بيته من المخبأ الذي كان فيه بعد ان استطاع رجل دين وراهبة حلّ مصيبة كانت ستؤدي الى المزيد من القتل والثأر والثأر المضاد…وبشار الآن يعيش في أميركا وتزوج هناك من اميركية ورزق بأولاد ولا زال يتحدث معي، أما جورج اسحاق فلقد اصيب بالسرطان في موضع في اسفل ثديه اليمين حيث كان يسند بارودة الصيد، وانتشر السرطان وتوفي جورج وحضرت جنازته بإعتباره صديق أخي وقد حدث اطلاق نار كثيف في الجنازة تسبب بقطع الاسلاك الكهربائية وسقوطها عن الاعمدة في الحارة.
وبالعودة الى قصة الأب جورج رفيق حوش الذي زُعم انه انهى حياته في كنيسته في اللاذقية، فإن الواقع يقول ان الخط الذاهب الى الشمال في حياة الأب جورج رفيق حوش التقية والخيّرة والمسالمة تم جرّه الى الجنوب وفي منحى معاكس وبزاوية 180 درجة، والاحتمال الاكبر بأن الأب جورج تدخل للتوسط في أمر خطر وازدادت الخطورة أكثر وغرق أكثر وعرف معلومات خطيرة وأكثر بكثير مما ينبغي أن يعرف فتم قتله في الكنيسة عندما كانت خالية…خاصة وان هناك انفلات أمني في اللاذقية فالكل هناك رؤساء وقادة وأسياد…والدليل على أن في الأمر جريمة وقام بها مقتدر…أن القضية تمت لفلفتها ولا بد ان الفاعل فرض على ديوان الكنيسة اصدار هذه الورقة التي تدين الضحية وانه تم دفن الجثة بسرعة وبدون مراسم مناسبة.
وفي النهاية نقول: إن رجل الدين لا يحمل مسدس، والخوري جورج دفع الثمن، ثمن ما حدث لسوريا من جملة من دفعوا الثمن وهو الآن بين يدي العادل الذي لايضيع بين يديه حق لأحد.
آرا سوفاليان
كاتب انساني وباحث في الشأن الأرمني
08 / 04 / 2022
[email protected]

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.