اليأس السياسي

بدل أن نتقدم في السلام خطوة للأمام نرجع في كل يوم خطوتين للوراء, والدول العربية المنقسمة على نفسها كانت قبل عشر سنوات أقل توترا وتصعيدا بينها وبين مواطنيها وجيرانها , ومن ناحية السلام كما يقول المثل(شُم ولا تذوق) ومن وجهة نظري لا يمكن حل قضايا الشرق الأوسط العالقة ما لم نتوصل إلى اتفاق سلام شامل وعادل يرضي كل الإطراف وعدم السكوت عن الحقائق التاريخية لخريطة بلاد الشام كيف كانت قبل ظهور الإسلام فيها, فهذه من الأهمية بمكان لا يمكن أن نسكت عنه أكثر ويجب أن نكون جريئين في طرح مثل تلك الإشكاليات الثقافية مع التراث فلا يوجد تصالح وسلام مع إسرائيل ما لم نستطع أن نتصالح سويا على التراث ومفاهيمه.

ويجب أن يتم من خلاله تقاسم الثروة أو الثروات المتعددة في المنطقة لكي نشعر أننا فعلا أخوة مع بعضنا كعرب وأبناء عم حقيقيون مع إسرائيل, فهنالك دول غنية بالبترول ولكنها فقيرة في الأراضي الزراعية, فلماذا لا نتعاون في مجالات متعددة مثل الزراعة والطاقة والمياه والري والنفط لكي لا يجوع الإخوة أو أبناء العم, الأردن مثلا منطقة جغرافية لها أهمية إستراتيجية من ناحية أمنية ولكنها فقيرة في المياه, مصر غنية بالمياه وسوريا غنية بالمياه, يجب خلق توازن جيواستراتيجي في المنطقة, الخليج العربي غني بآبار النفط ولكنه يضطر لاستئجار أراضي في الأرجنتين لزراعتها بالحبوب لكي يطعم ما لديه من ماشية, لا توجد في منطقة الشرق الأوسط دولٌ كاملة ولا ينقصها شيء.

وإسرائيل يجب أن نعترف بحقيقة وجودها في المنطقة وهي دولة غنية بالحرية وبالديمقراطية وصناعية ونشطة في مجال حقوق الإنسان ولكن بينها وبين جيرانها علاقات عدائية لم يستطع السلام وجهود السلام تخفيض التوتر مع الفلسطينيين العرب داخلها ولا حتى بينها وبين الدول المجاورة مثل سوريا ولبنان حتى الأردن والتي لها اتفاقية سلام مع إسرائيل عاد الإعلام الأردني كما كان قبل التسعينيات من ناحية التسميات مثل العدو والعدوان والاستيطان, ولا يمكن أن نتصور ربيع عربي أو سلام عربي بدون إسرائيل فإسرائيل مثلها مثل المياه ضرورية جدا.

أظن أن المنطقة معقدة التركيب وقادة المنطقة مصاصي دماء من الدرجة الأولى ويثقفون الشعب على ثقافة (الظالم العادل) تمهيدا في كل مرة لتعزيز مفهوم حُكم الفرد .وأي عدل هذا الذي يحققه لهم ظالم !!!, إننا مقيدون ومحتجزون ومحاربون في لقمة الخبز جدا وذات يوم سنصل جميعنا إلى طريق مسدود في خفض حجم التوتر وشحن الهمم بمصطلحات قديمة, وأنا لا أتوقع أن تكون هنالك صفقة من الممكن أن نسميها صفقة القرن طالما أننا لم نتحدث بعد عن أزمة مياه الشرب في الأردن وإسرائيل, وحصة كل دولة منها دون أن تكون سوريا مشتركة بهذه الاتفاقية.

ومن ناحية ثقافية لا يمكن أن نتحدث عن السلام ما لم نتحدث عن نشر ثقافة توسيع قاعدة المشاركة داخل كل بلد, ففي داخل كل بلد هنالك أقليات فمثلا مشكلة الأكراد في سوريا والعراق وإيران وتركيا هؤلاء على الأقل بحاجة إلى بحث ثقافي مجدي فهؤلاء أعدادهم بالملايين ولهم موروث ثقافي من قبل الميلاد وحتى اليوم ورغم العداء بين دول المنطقة إلا أنهم عند الحديث عن الأكراد يتحدون كلهم على منعهم من تشكيل دولة أو تحقيق مكاسب سياسية بسيطة مثل الحكم الذاتي.

منطقتنا في الشرق الأوسط تحتاج إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان وإلى نشر ثقافة توسيع قاعدة المشاركة وإلى ثقافة توسيع الحوار وتقبل الآخر وعدم ازدراء الأديان والثقافات الأخرى واحترام الفكر الراقي وتحسين مناهج الدراسة الابتدائية والإعدادية وتدريس مادة الأخلاق لكي نفهم العيب على أصوله ولكي نفهم حق الآخرين بتشكيل الجماعات الثقافية على أسس إثنية(عرقية) وعلى أسس ثقافية وتعميق مناهج الأخلاق لكي نفهم أن كل الناس من حقها أن تعيش كما ترغب وليس من حق الحكومات تشكيل عصابات مخابراتية تُدمر الثقافة والسياسة معا.

إن من أهم أولويات السياسات الحكومية العربية تضييق الحصار على المتنورين وقتل الروح الثقافية لديهم وتسميتهم بالأعداء عوضا عن احتضانهم ومدهم بالبرامج الحزبية التي معها يحققون ذاتهم, وبنظرة من فوق لمنطقة الشرق الأوسخ نجد أننا ما زلنا قبائل متناحرة ومتقاتلة على السلطة والسلطة تنتقل من يد قاتل إلى يد قاتل آخر ومن ظالم إلى يد ظالم آخر, ونحن كلما وثقنا بهذا الحاكم أو هذا البرلمان نكتشف أننا لا نعيش مع متغيرات متقدمة وإنما نستبدل ظالمنا بظالم آخر, حتى أننا نعجز بأن نكون مثل الحيوانات المنوية من بين كل كذا مليون حيوان نجد بني آدم واحد.

About جهاد علاونة

جهاد علاونه ,كاتب أردني
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

One Response to اليأس السياسي

  1. س . السندي says:

    ١: أولا الحمد لله على سلامة عودتك من جديد لموقعنا مفكر حر ، وإن شاء ألله تكون أسباب غيابك قد زالت تماماً ؟

    ٢: تصور أن الغزاة الاعراب والمسلمين يبحثون عن دولة لاخوانهم في الدين في جزر الواق واق أو للإيغور في الصين ، ويحرمونها على الكورد وغالبيتهم مسلمين ؟

    ٣: وأخيراً ..؟
    من دون رفع الريات البيض والاستسلام للحقائق والوقائع ، سيرفعون الريات السوداء والحمراء وهم صاغرين ، فالعاقل من يتعض من تجارب الآخرين ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.