الوطن والناس بعد مرور أربعين سنة !.

يقول المثل العراقي : ( تيتي تيتي مثل ما رحتِ جيتي)، ويقول مثلٌ آخر : ( نفس الطاس ونفس الحمام ) !.
قبل أيام كنتُ اتحدث تلفونياً مع أحد أعز أصدقائي القدامى أيام الصبا والشباب، وهو مثلي مهاجر .. ويسكن واحدة من الدول الأوربية.
كان في زيارة للعراق وبغداد بعد فراق أربعين سنة .
سألتهُ عن حال بغداد بالذات ومدينة المأمون حيث كُنا نسكن ولسنوات عديدة، تنهد وقال : كل شيء لا زال كما كان في السابق .. وربما بصورة أتعس، حتى الكتابات التي على بعض الجدران لا زالت هناك، الشوارع نفسها والبيوت نفسها والناس نفسهم والمدينة بلون التراب وأكثر شحوباً من السابق، والناس في حيص بيص ولا يعرفون ما يحمله لهم الغد التعيس، الكل يعيش ُ على كَفِ عفريت، ومظاهر الفقر والتخلف يراها حتى الأعمى !.
قال أنه كان بنيته البقاء لمدة شهرين لكنه إختصرها لإسبوعين كونه لم يستطع تحمل تلك الصورة الكئيبة القاتمة الممزقة لما كان يؤلف حياتنا وواقعنا ذات يوم .
هذه الصورة المُفجعة التي نقلها لي صديقي زادت من همومي وذكَرَتني بأغنية لفيروز ( كان الزمان وكان ) والتي يتصور كل من يسمعها أنها أغنية فرح وخاصة مع الموسيقى الرائعة الفرحة الصاخبة التي ترافق الأغنية، ولكن … تمعنوا ودققوا جيداً في كلمات الأغنية لتجدوا أنها نقد وعتاب ولكن بطريقة صاخبة وتنطبق على الواقع المُر المتخلف للكثير من الناس في المدن العربية ومنها بغداد ودمشق ومدن وناس آخرين .
هؤلاء الناس والمدن والمجتمع الذي لم يتغير أو يتقدم أبداً .. بل بقي يُراوح في مكانه طوال تلك السنين العِجاف وكما يقول الشاعر الأسدي : ( وعجافٌ تأتي بعد عجافٍ *** وإنتظرنا ولم تمرَ السِمانُ ) !.
أغنية فيروز تنطبق على الصورة القاتمة الكئيبة التي نقلها لي صديقي القديم، لا شيئ تغير في مدننا أو شعبنا خلال اربعين سنة !، ولا حتى خلال قرون . تقول الأغنية :
كان الزمان وكان … في دكاني بالفي
وبنيات وصبيان … نيجي نلعب ع المي
يبقى حنا السكران … قاعد خلف الدكان
يغني وتحزن بنت الجيران …


أوعى تنسيني .. أوعى تنسيني .. وتذكري حنا السكران
نحنا والعصافير … كنا بالحي ندور
صوب الدكان نطير … حاملين غمار زهور
ويبقى حنا السكران … ملهي وعلى الحيطان
عم بيصور بنت الجيران
أوعى تنسيني .. اوعى تنسيني .. وتذكري حنا السكران
حلوة بنية الجيران … راحت بليلة عيد
وِنهَدِت الدكان … وتعمر بيت جديد
وبعدو حنا السكران … على حيطان النسيان
عم بيصور بنت الجيران ………
أوعى تنسيني .. اوعى تنسيني .. وتذكري حنا السكران .
خنقتني الغصة وأغلقتُ عيني على بضعة مباهج عتيقة من ذكرياتي البغدادية، وحبستُ دمعة يتيمة كانت تحاول أن تحتج لكنها تفجرت رغماً عني !.
أبكيك يا وطني .
شاهدوا هذا الفديو رجاءً .
طلعت ميشو …. Dec – 10 – 2020

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.