الواقع عبارة عن وهم، و كل شيء عبارة عن تمثل طاقي وغير حقيقي

مقال كتبه لاتشلان براون على موقع “هاك سبيرت”
بتاريخ 9/12/2020

ترجمة بتصرف: مازن البلداوي
بتاريخ: 27/12/2020

مقدمة المترجم:
((كما ذكرت مع بعض المقالات المترجمة سابقا، ان للترجمة اهمية كبرى بالقاء الضوء على كثير من الاماكن المظلمة في مفاهيمنا الخاصة و قواعد معلوماتنا الشخصية التي تعلمناها خلال سني حياتنا تحت ظل الظروف البيئية التي عشنا بين أكنافها. قد يكون موضوع هذا المقال صعبا على البعض، الا اني حاولت جاهدا و توخيت اقصى ما استطيع من آليات تبسيط النص و المعايير الخاص بمفاهيمه. و على الرغم من انه يعد نصا فلسفيا قد اتانا عبر السنين و الأجيال الا انه اصبح اليوم بأبعاد علمية ترتبط بالفيزياء و الرياضيات بنسبة عالية، لتبين لنا العلاقة بين الواقع و المفترض (و هو اسم اطلقته على احدى الصفحات الخاصة بي على الأنترنت) اذا اني شخصيا أؤمن جدا بثنائية هذا المتناقضين لكونهما يلعبان دورا رئيسيا في حياة الفرد عامة، و في منطقة الشرق الأوسط خاصة. تمنياتي لكم بالأستفدة من هذا المقال)).
تعمل فيزياء الكم اليوم على أكتشاف حقائق عن العالم الذي نعيشه حيث لم نتصور يوما بأن يمكن أكتشاف مثلها.و يعد الأنجاز العلمي الذي تحقق خلال السنوات القليلة الماضية بهذا الشأن مدهشا فيما يخص فهمنا “للواقع الحقيقي” بذات الدرجة التي أدهش بها أكتشاف “كوبرنيكوس” لنظامنا الشمسي. تكمن المشكلة في ان الكثير منا لا يفهم “فيزياء الكم”، على الرغم من ان موضوع “فيزياء الكم” قد بدأ تقريبا قبل مئة عام من اليوم عندما بدأ العلماء المختصون بتحدي الفرضية القائلة بأن الفضاء و الكون من حولنا هو فضاء واقعي حقيقي.
لذا فقد قرر العلماء بأنه و لأثبات بأن هذه الواقعية المفترضة غير موجودة و أنها “وهم” او افتراضية، فقد كان عليهم أن يكتشفوا ما يدعى بــ ” جُسَيم النقطة” او “جُسَيم الرب” كما كانت تسميته في مقالات سابقة ( قمت بترجمة أحدها عام 2012 ) ، وأن هذا الأكتشاف لا يمكن أتمامه الا من خلال أجهزة يتم أختراعها لهذا الغرض من مثل (مصادم الهدرونات) او ما يسمى ايضا ( المسارع النووي ) وهو ماكنة ضخمة، بل تعد الأضخم على وجه الأرض صممت لهذا الغرض حيث يعمل الجهاز على تسريع جزيئات البروتون الى ما يقارب سرعة الضوء و مصادمتها مع بعضها البعض.

لقد تم أنشاء هذه الآلة لتقوم خصيصا بهذا العمل، اي ان تعمل على مصادمة هذه الجسيمات بعضها مع الآخر ومن هذا التصادم استطاع العلماء المختصون تحقيق هذا الأكتشاف العظيم القائل “بأن العالم المادي الذي نعرفه في الحقيقة ليس ماديا بالقدر الذي نعرفه” وأن الواقع الحقيقي ماهو الا “وهم” او ….. واقع أفتراضي كما نراه، وبالمقابل فأن هذا يعكس بوضوح ما قاله ألبرت أينشتاين بأن كل ما هو حولنا عبارة عن أشكال طاقة لا غير.
كيف يمكن للواقع الحقيقي (المادي) ان يكون شكلا من أشكال الطاقة.
نحن عادة نعتقد بأن الذرة عبارة عن مجموعة منظمة من جسيمات تسمى الألكترونات و البروتونات تتسارع في حركتها حول النيوترون، الا ان هذا التصور هو تفكير خاطىء تماما. لأن الجسيمات التي تشكّل الذرة ليس لها هيكلة او بنية واضحة او حجم معين، وزن او حتى وجود مادي حقيقي. هذه الجسيمات ليس لها ارتفاع، طول، او عرض اي انها بلا مقاييس او حتى انها بلا وزن وهي لا تمثل الا “حدثا ما في وقت ما”، هذه الجسيمات لا تمتلك اي مقاييس نهائيا.

و الألكترونات ذاتها في حقيقة الأمر لا تمتلك وجود حقيقي، فهي في ذات الوقت يمكن تسميتها “جُسَيم” و “موجة” بشكل متشابه و لكن التسمية ستتحدد اعتمادا على الطريقة التي تمت بها مراقبة كيفيتها و تصرفها. و الواقع ان هذه الألكترونات لا يمكن ابدا ان تتواجد في مكان او موقع واحد في ذات اللحظة، وبالمقابل فانك تجدها في عدة لحظات (تفسير كلمة “لحظة” هنا يأتي بمعنى رد فعل قوة معينة على جسم ما- لذا وجب التوضيح) خلال ذات الوقت. أضافة الى ما سبق، فقد أكتشف العلماء ما يعرف بــ “التراكب الكمّي” حيث يصبح من الممكن اثبات تواجد عدة جسيمات غير الألكترونات في عدة أماكن في ذات الوقت.

ماذا يعني هذا كله؟
هذا يعني أنه اننا كلما زادت اكتشافاتنا و معرفتنا لعالم الذرة الثانوي الجزئي الأصغر، كلما اكتشفنا بأننا لا نعرف شيئا عن الطبيعة الحقيقية للواقع الوجودي.
صياغة او تفسير كوبنهاغن
لقد لجأ العديد من العلماء الى :تفسير كوبنهاغن” باعتباره مستخلصا لمفهوم الواقع الحقيقي او الوجود. لقد تم وضع تفسير كوبنهاغن من خلال مفاهيم مدرسة “فيزياء الكم” حيث تؤمن المدرسة بأن الوجود غير حقيقي او هو عبارة عن وهم اذا كان بدون راصد يرصده او يراقبه. و على اعتبار ان الوجود الحقيقي ليس الا طاقة ( ما الذي يعطينا التواجد المادي اذا لم يكن هنالك خصائص مادية لأصغر جزء فينا؟)، اذا فأن الطاقة عبارة “أدراك و وعي” عندما يكون “الأدراك” يراقب هذه الطاقة.
قد يكون هذا الأمر صعب الفهم قليلا.
حاول التفكير بهذه الطريقة: بما ان الجسيمات تستطيع التواجد في عدة مواقع في ذات الوقت، لذا فأن عليها الأستجابة لعملية رصد تتم من خلال موقع واحد فقط متيحة للراصد ان يشاهدها من خلال صورة تمثل تواجدها في ذلك الموقع حصرا. وفي الحقيقة فأن عددا متزايدا من الباحثين في هذا المجال يؤمنون اليوم بأن “الوجود او الواقع الحقيقي” ظاهر فقط لأن أدراك الأنسان و وعيه يتمنى وجوده عن طريق التفاعل مع الطاقة التي أنشأت الكون المحيط بنا او هذا الواقع الموصوف.
فهم الكون كمعلومة
لنرى موضوعا مدهشا آخر من مواضيع فيزياء الكم، الا وهو “التشابك او التقاطع”.
يفسر التشابك هنا و من خلال المفهوم الكمي، بأن يقوم احد الجُسَيمين المتشابكين في زوج من الجسيمات بالتأثير على الحركة اللولبية للجُسَيم الآخر. ومما يثير الغرابة هنا بأنه اذا ما قام جُسَيمين ذريين بالتشابك مع بعضهما مرة واحدة، فأنه من غير الممكن ابدا فك هذا التشابك بعد ذلك. و مهما استطاع احدهما التمدد بعيدا عن الآخر الا ان الحركة اللولبية لأحدهما ستؤثر دائما على الحركة اللولبية للجُسَيم الآخر. فقد استطاع الباحثون رصد هذا التصرف في الخلايا الحية حيث قامت الجسيمات بالتواصل مع بعضها البعض رغم بعد المسافات. و يذكر هنا احد أشهر التجارب التي تم القيام بها بهذا الخصوص حيث قام الباحثون بزراعة خلايا طحلبية في “علبة بتري” مختبرية، و قاموا بفصل هذه الخلايا الى نصفين ثم أخذوا احد الأنصاف الى مختبر آخر.
و قد استنتجوا بأن هنالك تياراً منخفض الفولتية قد تشكل في احد العلبتين و قد أثّر على النصف الآخر من الخلية في العلبة الأخرى بغض النظرعن بعد المسافة التي كانت بين العلبتين بنفس الطريقة و في ذات الوقت.
كيف يمكن حدوث هذا؟
يتطلب فهم ما حدث اعلاه ان نغير طريقة فهمنا الحالية للكون المحيط بنا حيث اننا لا نستطيع بعد اليوم ان نفهمها كوجود مادي واقعي و ان جميع ما نراه و نرصده و نحسه هو موجود حقيقية. وبالمقابل فأننا نجد واحدا من أشهر علماء الفيزياء يقول في نظريته، بأننا يجب ان نفسر الكون كمعلومات فقط ولا شيء غير هذا. حيث يجب ان نؤمن بأن الكون المادي عبارة عن صورة ينتجها الكون المفترض او المتصور وهي فكرة ليست لها قواعد رصينة تثبتها، و اننا جميعا متصلون مع بعضنا بطريقة لا يمكن ملاحظتها او رصدها. و ببساطة فأن هذه المعلومات المشار اليها اعلاه موجودة ضمن التركيبة المادية للكون المادي و انه يتم ارسالها الى حالة تواجدنا المادي من قبل “مملكة الوجود الأفتراضية”، وقد كان أفلاطون الفيلسوف اليوناني (427 – 347 ق.م )اول من وضع هذه الصياغة المشار اليها.
و كما هو القول المشهور لـلعالم الفيزيائي “أرون شرودنغر” (عالم فيزياء ذو اصل نمساوي- ايرلندي فائز بجائزة نوبل للفيزياء) : ان ما نشاهده و نرصده كأجسام مادية و قوى ما هي الا أشكال و تباينات في البنية الفضائية، وما الجسيمات الا صورة تجسدية متمظهرة لها. وفي نهاية الحديث نستطيع القول بأن كل شيء ما هو الا عبارة عن طاقة لا غير.
التأقلم مع صور مختلف للواقع
اعتقد بأن هنالك أسئلة معينة و مدركات استنتاجية ستساورك بعد معرفة الحالة الحقيقية للوجود وقد تستحوذ هذه الأستنتاجات على تفكيرك الى أجل غير مسمى حيث ستستدعي دوام التفكير بها، وسنذكر هنا بعضها:
بأنك لم تلمس شيئا و سوف لن تفعل. أن الألكترونات التي كونت ذراتك ستهاجم ألكترونات تعود لكيانات واقعية أخرى و تجعل تفاعلك مع مواد أخرى موجودة في المستوى الذري الثانوي الجزئي أمرا مستحيلا.
أذا كنا لن نلمس شيئا، اذا ما هذا الذي نشعر بع عندما نلمس شيئا ما!
كيف سيبدو العالم المادي اذا لم يكن لوحدات بنائه التي تشكله ابعادا و قياسات؟
ما معني ان يكون كل شيء حقيقيا، وماذا تعني كلمة “حقيقيا”؟
هل المادية تعد معيارا لتحديد الواقعية؟

الرابط الألكتروني للمقال الأصلي:
https://hackspirit.com/illusion-reality-scientific-proof-everything-energy-reality-isnt-real/

About مازن البلداوي

مازن البلداوي كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.