الهوية و أشياء أخرى


مازن البلداوي
16 تموز 2019

مقدمة:
بين الفينة و الأخرى يقودني بعض ما تبقى من حماس الأنتماء الخائب و الأحباط المتعلق بالتمسك بهوية كنت وغيري نتمسك بها لأنها وصلتنا كما كانت داخل أطار رائع كونّته عوامل متعددة مثل التاريخ و حضارته، الشخصية المحلية، الثقافة، التنوع الديموغرافي …. و هكذا.
فأجلس امام الجهاز العظيم (الكومبيوتر) الذي لولا أن اخترعه الأمبرياليون الكفرة الذين لن يدخلوا اماكن معينة قد ذكرت في الكتاب، لكنّا ما زلنا نكتب على الورق و نتبادل المراسلات عبر شبكة البريد الرائع الذي تعطل في بلادي (ولا ادري ما هو السبب) ولكني على معرفة تامة بأنه ما زال يعمل بذات مسؤولياته و مهامه السابقة في دول أخرى حول العالم و أضيف اليها حقول خدمة أخرى أفرزتها متطلبات المجتمع في الوقت الراهن فأصبح أكثر اهمية من السابق ، لكنه في بلادي معطل معطل معطل…. كما هو حال أمور أخرى لست بصدد ذكرها هنا.
ساحاول جاهدا ان اجعل هذا المقال مقتضبا سهلا وافيا لمعانيه التي كتب من اجلها، و ساستخدم بعض الشخصيات التاريخية التي ستغني المعنى و توضح الهدف. ان الكتابة في هذا المضمار، و اقصد هنا “أشياء تتعلق بالهوية وأزمتها” تتطلب كتابة طويلة لأنها في الحقيقة تتعلق بكثير من المصادر و تتشعب الى أكثر من طريق يجب ان يسلكه القارىء و يوسّع أفق مداركه ليكون قريبا من رسم صورة واضحة الملامح لما يفترض ان تكون عليه الشخصية المتعلقة بحمل “الهوية” التي و افتراضا ان تكون ذات معان و ملامح مفهومة للجميع يستطيعوا بموجبها ان يحملوها باعتزاز جميعا لتمثلهم وعلى الرغم من اختلاف مشاربهم و ديانتهم و اعراقهم.


حوار:
كل منا يخوض و بمعدل يومي تقريبا حوارات عدة تتنوع بحسب الظروف المحيطة بكل منا. فمنها ما يكون مع النفس و منها ما يكون مع من هم حولنا من أهل، أصدقاء او زملاء عمل و منها ما يكون مع أشخاص غرباء عنّا الا انهم ينتمون الى ذات البيئة التي تضمنا معهم، و سأستبعد هنا الحوارات التي قد تحصل مع أشخاص أجانب او أشخاص يتحدثوا لغتنا لكن بيئتنا تختلف عن خاصتهم.
مما لاشك فيه فأن لكل منا شخصيته المستقلة ايا كانت درجة قوتها و تأثيرها في محيطها، شخصية صاغتها عوامل عدة و على مدى فترة زمنية تتراوح بين ,,,,, و بين ,,,,,,, ، الا انها في النهاية تمتلك ملامح و خصائص تميزها عن غيرها حيث يعد من ضمنها، اسلوب الحديث و طريقة لفظ الكلمات و الأيماءات و استخدام المفردات المناسبة و هكذا حيث تشكّل في نهاية الأمر صورة تعريفية للفرد تميزه عن او قد تشابه بعض الأحيان افرادا آخرين.
أنه من المعروف عن ابناء بلدي حبهم الشديد للحوار، النقاش و احيانا السجال حول امور معينة تدور احداثها يوميا و كما هو الأمر مهما لجميع الناس حول العالم بأن يراقبوا احداثهم اليومية و بالتالي ردود افعالهم تجاهها، الأمر الذي في محصلته يرسم الخط البياني لرأي المجتمع تجاه هذا الحدث وبالتالي يشكل مفهوما لدى الأخر عن ماهية تأثير ذلك الحدث و ماهية رد الفعل عليه لدى الناس. الا ان ابناء بلدي متميزين جدا في استجلاب و استحضار كثير من الأحداث التي لا تعود الى يومنا الحالي، اي انهم لم يشهدوها و لم يحضروها الا انهم قد ورثوا بعضها سمعا، و علموا بعضا آخر كما كتبت و دونت من قبل أناس ليس لهم وجود اليوم يعتمدون على نقلهم للأحداث و تدوينها حسب ما يمليه عليهم الرؤساء و المسؤولين الذين يتبعونهم على الرغم من انهم يدركون جيدا ان هنالك اختلافا كبيرا يعصف بالكثير من تلكم القصص و الروايات التي تروي احداثا يفترض انها حدثت قبل قرون او عقود الا انها تفتقر الى الكثير من براهين الأثبات العلمية.

المشكلة:
قد يسأل البعض، عن ماهي المشكلة …. أقول:
تكمن المشكلة في ان الكثير منّا يتبنى وجهة نظر معينة و قوالب نظرية صاغتها ظروف سياسية و بيئية لا يعلمها الكثير منا الا انه اصبحت بين ليلة و ضحها تمثل ثقافة فئة او مجموعة من الناس تصنّف نفسها تحت مسمى معين. و على الرغم من ان تبني هذه الصورة المفترضة و المشفوعة بأقوال و أفعال تناقلتها الشفاه جيلا بعد جيل و كتابا الى كتاب تم تجديد غلافه ليأخذ قيمة اعلى في زمننا الحاضر و بحيث يراه الفرد البسيط و كأنه كتاب يحوي كل ما يخص الكون منذ البداية و الى يومنا هذا على الرغم من الأختلاف في دلالات و معاني الكلمات التي يتضمنها هذا الكتاب او ذاك.
ولأن التمسك بما في هذا الكتاب او شبيهه يمثل قوة و سندا للبقاء على قيد الحياة (في كثير من الأحيان) من خلال توفير فرصة عمل معينة او الأستظلال بشريحة معينة من المجتمع او استدرار عطف احد الجيوب الملأى بالأموال (حراما او حلال)، و ليس لهذا التمسك درجة او مستوى واحد من الشدة او اللين الا انه في النهاية شاء صاحبه او لم يشأ فسيقوده الحوار الى منطقة التنازع حول اذا ما كان التصرف الفلاني صحيحا او خاطئا ؟ او عن اذا ما كان معنى هذه الجملة كذا او كذا …. او عما اذا كان الحدث الفلاني في الماضي القريب صحيحا ام لا؟ و هل كان يجب ان يكون بهذا الشكل! و هل ان القائد الفلاني مرتبط بالجهة الفلانية، وهكذا دواليك.
هنا، وعند بداية استجلاب الماضي البعيد او القريب و صوره المفترضة الى ارض الحاضر و البدء باعادة المحاكمة ( ولأن الظروف اليوم تسمح بذلك علنا ليس الا)…. تبدأ السجالات من اجل فرض الرأي او الرأي الآخر بينما لا يملك ايا من المتساجلين اي دليل حقيقي على صحة ما يملكه من معلومات سوى وجهة نظر متكونة نتيجة ما ذكرناه آنفا في الأعلى.
سيبدأ الأشخاص بالتحول تدريجيا الى “دون كيشوت” الوقت الحاضر، يستجلب الصورة التي مر عليها 400 عام ليعيد كتابة التأريخ حسب رأيه ويفرض القيم النبيلة التي يتخيل انها كانت سمة الفرسان حينها و يبني استنتاجه اعتمادا على معلومات جرت كتابتها في فترة ما و بيد شخص ما من اجل غرض ما. سيبدأ باستحضار تلكم الشخصيات التي عاشت في ذلك الزمن والتي يعتقد بأن تصرفها و طريقة تفكيرها ادت الى النتائج التي لا يوافق عليها هو و من حوله و رئيسه والأعلى منهم مرتبة اليوم و هكذا…. و يسعى جاهدا ان يثبت خطأ نتائج تلك الحادثة و يحاكم من تسبب بها و بالتالي محاولة قلب النتائج على عكس ما جرت عليه الأمور سابقا ليشفي ما في صدره من غلّ تولّد لديه نتيجة لطريقة الحصول على المعلومات المذكورة.

عندما يستمر الأفراد في تبني هذه الفلسفة في الحوار او السجال و تبدأ باخذ مكانها الطبيعي بين افراد المجتمع ابتداءا من المقهى و المدرسة و بالتالي شاشات التلفزيون ليصبح الأمر اكثر شيوعا و محاولة استنفار المجاميع المنضوية تحت هذه الراية او تلك، سيؤدي هذا الى نشوء حالة تعصب فكري تؤدي الى تطرّف في الرأي يبدأ بالأنتشار بين افراد المجتمع بحسب مشاربهم والذي ينتج عنه بالتالي تفكك الهوية الموحدة لتنشأ محلها هويات اخرى بديلة تتخذ من الآراء المتطرفة و العصبيات مظلة لها لتنمو كما الأشنات و تكبر الى درجة قد تقود يوما ما الى نزاع مسلح من اجل اثبات وجهة النظر تلك.
يقول د. تيسير نجم الدين الناشف في كتابه الموسوم “المجتمع و الثقافة” الصادر عام 2014 وعلى صفحة رقم 49 من الكتاب ، بأنه …. ((من المفيد لسلامة الشعب و الدولة ان يكون المرء مستنير عقليا. و تعني الأستنارة، عدم التعصب و التطرف الفكريين و عدم اصدار احكام على الأخرين دون توفر الحيثيات الموضوعية المبينة و عدم الأعتقاد بملكية كامل الحقيقة و عدم الأعتقاد بافتقار الأخر الى أي شطر من الحقيقة)).

القصور الفكري للأستيحاء
بلادي التي اتحدث عنها ما زالت مفترضة حسب قناعاتي التي لم تكن ناضجة بعد خلال السنوات الثلاثين الماضية الى الدرجة التي هي عليها اليوم كما أعتقد. حيث ان بلادي لم يمض على تشكيل خارطتها السياسية الحديثة سوى قرن من الزمان حيث تحولت عهدته من استعمار قومي بصبغة دينية عمره 400 سنة تقريبا الى استعمار قومي ايديولوجي جديد سيطر عليه بعد ان فاز بجولات الحرب المعروفة خلال العقد الأول من القرن الماضي. و انيطت عهدة بناء هيكله السياسي و المدني الجديد و اعادة صياغة هويته الموحدة الى عائلة استئمنها الفائز بالحرب المذكورة ليسلمه ادارة الغنائم التي استولى عليها من الخاسر.
و نتيجة لتعدد الأعراق و الأديان للشعوب القاطنة داخل الأطار السياسي الجديد فقد كان لزاما على الأدارة الجديدة ان تبذل قصارى جهدها و الكثير من الوقت (و هذا ما صرح به المسؤول الأول حينها) من اجل تحقيق هذه الأهداف. الا ان ما حصل خلال القرن الماضي من تعدد انقلابات الوضع السياسي الأداري في البلد المتشكل حديثا لم يعط فرصة كافيا لتلك الشعوب بأن تحاول و بشكل جدي القيام بنوايا صادقة على توحيد هوياتها المتعددة و صهرها في بوتقة واحدة تنتج عنها هوية ذات ملامح بارزة و محددة يتبناها الجميع ليحمل هذا البلد و يسير به على خطى التقدم و الصلاح.
لذا فأننا اليوم مازلنا نسمع الكثير من المثقفين و غيرهم يحملون مسميات تخص اسم هذا البلد و يقرنوها بأسم حضارات ماضية موغلة في القدم، كان لها في تلك الأيام و تلك الظروف التي احاطتها أنجازات كبيرة و بصمات واضحة على صفحات تاريخ الحضارة، الا ان هذه الأنجازات الماضية لا تخولهم ابدا للأدعاء بحمل راية تمثل تلك الأنجازات بينما هم يخوضون معارك وهمية على ارض مفترضة (وما الأنترنت الا واحدا منها) عبر الصفحات الكثيرة و المتنوعة سجالات تمجّد هذا او تزدري ذاك.
ان من يريد فعلا الأدعاء بحمل تلك الراية، ان يحملها فعلا و ليس قولا بلسان يختلف مقاله هنا و هناك، لسان ما زال ينطق و يؤمن بواقع الهوية المفردة او المركبة التي لاتخرج عن نطاق العرق او الطائفة او الدين في احسن احوالها بينما يزدري في ذات الوقت القواعد التنظيمة و القوانين المدنية التي تنظّم العلاقات بين الأفراد و المؤسسات. أن ما لا يستطيع ان يميزه الناس اليوم، هو ان الهوية الموحدة مازالت مفقودة على ارض الواقع ولا وجود لها الا في مخيلة البعض و ليس هنالك توافق بين الأطياف المتنوعة التي تعيش على التراب المحصور داخل الأطار السياسي الحديث. و حيث ان المثقفين او اشباههم لا يستطيعون استيلاد فلسفات جديدة و رؤية حديثة ترنو الى مستقبل واضح و جلي و متطور و متجدد، فهم لذلك يقومون بتعزية أنفسهم بأعادة استحضار الماضي و يشبعونه بحثا و تحليلا و يبصقون على هذا و يمجدون هذاك منطلقين من زوايا ذاتية ضيقة يكون غالبا الدافع فيها هو الثقافة الذاتية او ثقافة الطبقة الأجتماعية التي ينتمي اليها او شبيهها للمتحدث.

تعدد منابر الخطاب
مع ما آلت اليه الأمور بعد انهيار ما تبقى من هيكل الدولة الواهن الذي كانت تديره الماكنة الأيديولوجية و بمساعدة من ماكينة دينية هنا و طائفية هناك اضافة الى ماكنات عرقية و قبلية أصغر، فقد تشرذمت المجاميع و انتشرت في الأفاق تلك المواهب و الخبرات و تضررت المنظومة القيمية بشكل عام وما عادت الأجهزة القديمة قادرة على الوقوف امام رياح التغيير حيث هبت آخذة بوجهها كل من وقف و تصدى لها باعتباره ركيزة من ركائز الخيمة الكبرى التي كان يستظل بها المجتمع سابقا. و تشكلت المجاميع الجديدة هنا و هناك و دخلت التكنولوجيا بشكل أعرج الى حيز طالما منعها من دخوله السابقون السابقون….. و تشكلت تيارات سياسية جديدة و ارتسمت ملامح جديدة على محياها لم يعهدها المجتمع من قبل. وابيح كثير من الممنوع و المحظور سابقا، فسنحت الفرص لكثير من ضعاف النفوس ان يبدأوا بتقويض اواصر التعايش و التماسك الأجتماعي بين الأفراد و تمددت الظروف و اتسعت التصدعات و اوغرت فأدت الى انهيار اجزاء مختلفة و متنوعة من البيت الكبير فانكشف كثير من دواخله و اصبح عرضة للنهب و السرقة من المدعين بحمل راية الهوية الموحدة.
ساعدت هذه الظروف على ان ينبري للدفاع عن الكتلة المتهشمة من لايجدي دفاعه منفردا، ناهيك عن ما اذا كان داخل الحدود او خارجها حيث ان لموقعه الجغرافي تأثير كبير على مديات تأثير الخطاب و فعاليته. و تعددت المنابر و اختلطت الأوراق و دخل على الخط الكثير من المنافقين الذين لا يستطيع احد ان يمنعهم من التواجد و التواصل على شبكة اعلالم الأفتراضي خصوصا حيث اصبحت الشغل الشاغل لمحرومي الأمس من الأتصال بالعالم بحيث اصبح سهلا يسيرا على المغرضين استغلال هذا العطش التقدمي للتأثير باتجاه تحقيق الأهداف المرسومة لهم.
تعدد المنابر هذا ادى الى تضييق حدود الثقة و التواصل بين الأفراد الذين يحملون مشاريع هوية موحدة جديدة، بوتقة هويات استطاعوا بما يملكون من ثقافة و تعليم و دعم أسري و صداقاتي ان يصنعوها ليصهروا داخلها تنوع مشاربهم و هوياتهم المركبة. الا ان هذه المجاميع تعد صغيرة مهما علا صوتها و مهما بلغ صراخها او نشاطها لأنها في نهاية الأمر سيكون عليها مواجهة عواصف و أعاصير سياسية و هوياتية أخرى يديرها أشخاص يختلفون بشكل كامل بفهمهم لتعريف “الهوية الموحدة” او استطيع القول انهم يختلفون كل الأختلاف في الزوايا التي ينظرون من خلالها الى موضوع …… المواطنة.

هذا التعدد المنابري و الخطابي و الأعلامي، ادى و بشكل مؤثر الى تشرذم واضح بين الناس و تسرب هذا التشرذم الى تلك المجاميع الصغيرة التي انبرت لحمل راية الدفاع عن كتلة مفترضة اسمها “الوطن” و سكانه الذين يطلق عليهم اسم “الشعب” و يحملون هوية واحدة تتمتع بملامح و خصائص عدة اسمها …… “المواطنة”.

ومن يسألني عن ماهو الحل….. سأجيب ان الحلول موجودة، و الجميع يعرفها …. الا ان لا أحد يريد ان يأخذ خطوة تجاه تطبيقها بسبب ظروف خارجة عن نطاق سيطرته، لذا فأن التشرذم و الأعتداد بالرأي المفرد سيبقى سيدا للموقف الى أطول مدى.

تحياتي

About مازن البلداوي

مازن البلداوي كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.