#الهولوكوست و الخوف من السلطة الحاكمة

الكاتب العراقي مازن فيصل البلداوي

#الهولوكوست و الخوف من السلطة الحاكمة
مازن البلداوي
23/1/2022
كما هو الحال في صبيحة كل يوم انهض من النوم وانا مثقل بالكثير مما أود الكتابة عنه أو حوله.
فأقوم ابتداءاً بعملية استعراض العنوانين الرئيسية المفترضة و نناقشها انا و نفسي لنقوم بعدها بترشيح الموضوع الأهم منها و لما يتماهى مع مجريات الحياة في زمنها الحاضر و مقدار ما يمكن الاستفادة من طرحه للناس من أجل تشخيص حالات النكوص أو الإخفاق التي يعاني منها الفرد او المجتمع برمته.
كان اليوم من نصيب التوجه للتفكير حول موضوع “الخنوع للسلطة” المرتبط بعلم النفس الاجتماعي أو السياسي أو أي فرع آخر منه و مدى الترابط بينهما لإيماني المطلق بأن التركيبة السيكولوجية للإنسان و ترابطها مع عواملها البيئية التي انطلقت منها، أو تربّت في كنفها بشكل مباشر او بشكل غير مباشر(عن طريق الأهل او الأقارب او تأثيرات الأصدقاء) و مديات التواصل و العوامل المؤثرة على هذا التواصل بين البيئة الموصوفة و الفرد المعني فهي كحصيلة مركبة تعمل كقوة ذات عزم كامن يجري توجيهه من قبل مجموعة أو أفراد معينين في المجتمعات من أجل تنفيذ اجنداتهم الخاصة أيا كانت صفتها أو الأرض التي تود اللعب عليها.
فذهبت إلى المخازن التي عادةً ما استودعها الكتب و المصادر الرقمية التي أعثر عليها أثناء تصفحي المستمر لأبو المعلومات و خازنها في حاضرنا المعاصر. فوجدت ضالتي عند عنوان رائع كان قد كتب عنه الرائع الراحل “ستانلي ملغرام” وهو “علم نفس الطاعة”. والحق يقال …. فأن المحتوى قد استحوذ على اهتمامي لما له صلة بالواقع الحاضر الذي نتج عن نكوص تدريجي في المستوى الثقافي للفرد و جعله حبيساً لأنعزاله الفكري و التعليمي ابتداءا من ثمانينيات القرن الماضي حسب تشخيصي من خلال معبشتي لواقع منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.
الدخول الى هذا المجال الذي اشرا اليه اعلاه يحتاج الى رغبة داخلية مدفوعة بشغف التعرف على ما يتخفى خلف الستائر المعرفية المطروحة على نطاق واسع و التي لا تمثل جوهر المواضيع الواجب أخذها بعين الأعتبار بل ان هذا الجوهر تسدل عليه ستائر المنمقات و القشور الزائفة التي يفضلها عموم من يتسيد مشهد القيادات على الصعد السياسية او الفكرية او الأجتماعية. و ولوجا الى أوعية الدم الخاصة بموضوع “علم نفس الطاعة” حيث يصفه “ملغرام” فيقول ان الأمر لا يمثل “حالة نزوعية” فقط قد تولد مع الأنسان بل ان الظروف البيئية المحيطة بالفرد تضفي على طبيعة تكوينه السيكولوجية مدارات و طبائع تذوب داخل شخصيته و تساهم في رسم ملامحها.
فقط قام “ملغرام” بدراسة الحالة التي مارسها الشعب الألماني عند مساهمته بالهولوكوست “محرقة اليهود” في ألمانيا على الرغم من “ان الشعب الألماني يعد شعبا مثقفا ناضجا أنساني النزعة”، حيث كان هذا جزءا من التحليل الذي صاحب الردود التي طرحت مقابل الأتهامات الموجهة الى الشعب الألماني في المرحلة التي تلنت المحرقة النازية. إن فهم الطاعة السياسية و ممارسات القتل الجماعي التي قامت حينها،قد تجسدت حين تصدى عدد من العلماء العاملين في حقول متعددة للأجابة على سؤال مشهور هو :”لماذا وقع الهولوكوست”؟ حيث كان يعد أكثر الأسئلة إلحاحا في مجال العلوم الأجتماعية بعد عام 1945 .
لقد كانت الأجابات في عمومها تنحاز الى “الطبيعة النزوعية(النزعة الشخصية)” للألمان كما وصفها كتاب “الشخصية التسلطية” الذي وضعه “تيودور أدورنو” و زملاؤه و نشر عام 1950 حيث كان يعتمد على ان طبيعة الشعب الألماني و بوجه خاص ممارساتهم البيتية المتعلقة بتربية الأطفال هي المسؤول المباشر عن خلق صفة (عدم التسامح و التفكير المحافظ) لديه، حيث يؤكد الكاتب بأن جذور الفاشية تعود الى كبت الوالدين للأبناء و التسلطية التي يمارسونها عليهم كما وصف ذلك “جيمس والر” قائلا بأن الكتاب اتى متأثرا بنظريات التحليل الفرويدية حيث يقول في بعض أجزائه:
“” ان جذور هذه الشخصية (ويقصد التسلطية) تتصل بدوافع فطرية غير مقبولة اجتماعيا مثل الجنس و العدوان – بحسب المفهوم الفرويدي-، وعندما تكون هنالك قيودا مفروضة على التعبير عن هذه الدوافع شديدة بشكل غير اعتيادي يصبح المرء قلقاً بشكل يجعله مفتقرا الى الشعور بالأمن، فيعتمد على السلطة الخارجية في توجيه سلوكه الى حد كبير حين تتجاوز هذه الشخصية حد الأحترام المألوف، والمتوازن و الواقعي عند أغلبنا في تبجيل السلطة، نفهم حينها الحاجة العاطفية المبالغ فيها باتجاه الخضوع لتلك السلطة””.
و يضيف ايضا، ان ممارسات التنشئة المتشددة للأطفال تولّد خوفا مكبوتا و عدائية معينين تتطلب مخرجا لها في وقت لاحق. ويأتي هذا المخرج عن طريق إحلال او ابدال العداء تجاه الوالدين او القائمين على التنشئة بالعداء تجاه جماعات الأقليات الأثنية او الدينية (المختلفين عن الجماعة التي ينتمي اليها ذلك الفرد) و حيث يعرف اليوم هذا المعيار بـ
“مقياس ف – F scale”
حيث عمل على تطويره أدورنو و زملاؤه وتم استخدام هذا المقياس لرصد مديات الأرتباط بين سمات شخصية متنوعة و بين الأستعداد لتصديق الدعاية الفاشية او المضادة للديمقراطية.


ان الدخول الى التجارب التي قام بها “ملغرام” سيكون مطولا الا اني انصح من يود الأستزادة من المعرفة في هذا المجال ان يقوم بقراءة الكتاب الذي سأذكره في نهاية المقال (*) لأننا لا نستطيع ان نضع كل ما يتصل بالأمر هنا و الا اصبح الأمر مملاً، و حيث نحاول جهد الأمكان الأختصار و وضع المعلومات التي تعكس كيفيات الأرتباط بين ما نطرحه و بين ما يؤدي الى “الطاعة” التي أسميها (الكاتب) عمياء في كثير من الحالات للسلطة الموجودة و تحت مبررات كثيرة نستقيها من محيطنا او نختلقها اذا ما اضطررنا لذلك.
الا ان “ملغرام” كان متشددا في موقفه مشككا في النظريات النزوعية التي تعزو السلوك البشري الى “نزعاتهم” فحسب من دون الأخذ بالحسبان مدىيات “تأثير المواقف التي يواجهونها بالأعتبار”، ولأنه كان احد اتباع عالم النفس الأجتماعي “سولومون آش” فقد رأى “ملغرام” ببصيرته النافذة بأن وضع الأفراد في موقف اجتماعي ضاغط بقدر من الشدة كفيل بجعلهم يسيرون ضد نزعاتهم بما فيها من اعتقادات و قيم و حتى ضد ما تراه ابصارهم في بعض الأحيان على غرار ما وجده “آش” من خلال تجاربه ابان خمسينيات القرن الماضي من خلال تجاربه التي نالت شهرة واسعة حيث قال:
“ان الأفراد قد ينساقون فعلا الى إجماع الجماعة حتى عندما يتعارض ذلك الأجماع مع ما تراه ابصارهم”. و استحصل “آش” نتيجته هذه بعد القيام بتجارب ما يطلق عليها (بطاقة الخطوط) وهي تجربة مثيرة قد يستطيع القارىء الكريم ان يجدها على الأنترنت لأن لا مجال لذكرها هنا للأسف، وهي باختصارشديد تشير الى ان الشخص الواقع تحت التجربة سيقوم بتغيير رأيه حول من هو الأطول من الخطوط الثلاثة الموجودة على البطاقة بسبب ان الآخرين الذين معه قد قالوا بأن الخط – ب – مثلا هو الأطوال، بينما الحقيقة انه اقصر الخطوط وهذا يشير الى مدى تأثير “الأيهام او الخداع” كعنصر من عناصر توجيه الفرد و المجتمع.
وعلى مثل هذه التجربة فقد قام “ملغرام” بتجربته الرائعة راغبا بمعرفة مدى استعداد الناس لإطاعة الأوامر حين تصدر عن “سلطة شرعية” و تقضي الأوامر بإيذاء شخص معين و الحد الذي يمكن ان يذهبوا اليه بعد ان تزداد هذه الأوامر قسوة بلا إنسانية. فقد قام بإلباس احد معاونيه معطف مختبر و جعله في موقع سلطة يطلب من الأفراد الخاضعين للتجربة ( تقمصوا شخصية معلمين) بتوجيه صدمات كهربائية لضحية ما لا حول ولا قوة لها (تمثلت في شخص يتقمص شخصية تلميذ) تتم معاقبته كلما أخطأ في الأجابة و يقوم المعلمون برفع درجة الصدمة الكهربائية كلما تكرر الخطأ في الأجابة اللاحقة. و للتوضيح فأن التجربة تمت بمعزل عن النظر بين المعلمين و التلاميذ الا انهم كانوا يسمعون الأصوات كرد فعل مفترض على أدائهم فقط.
ان ما اثار الذهول حقيقة هو ان “ملغرام” قد قام باستطلاع آراء لأطباء و مختصين نفسيين طلب فيه تقدير نسبة (المعلمين) الذين يستطيعون الأستمرار بتوجيه الصدمات الى الحد الأعلى للجهاز وهو 450 فولت وهي نقطة تم تأشيرها على الجهاز بأنها (خطر)، فكانت التقديرات بأن النسبة لن تزيد عن 2%. لكن النتائج بيّنت بأن 65% من هؤلاء قد تجاوزوا الحد وصولا الى الحد الأعلى بدون اظهار اي تعاطف مع (التلاميذ). كما اظهرت النتائج ذات النسبة اعلاه عندما تم استخدام النساء في هذه التجربة على الرغم من ان المفترض ان تكون النساء اكثر تعاطفا مع التلاميذ ليكنّ اقل طاعة للأوامر الصادرة بهذا الخصوص.
لقد تماهت بالفعل نتائج هذه التجربة كما يقول “ملغرام” في كتابه “الطاعة” مع تحليل قامت به “حنة أرندت” لشخصية “أدولف آيخمان” وذكرته في كتابها “آيخمان في القدس”. و “آيخمان” هو شخصية المانية كان واجبها الأعتيادي ان يشرف على نقل اليهود الى افران الغاز خلال فترة “محرقة الهولوكوست” و هرب من المانيا بعد الحرب و تمت ملاحقته و عثر عليه عام 1960 في الأرجنتين يعيش بهوية مزيفة وقد جرى اختطافه و جلبه الى اسرائيل و تمت محاكمته. و الذي اثار الأستغراب لدى “حنة” هو ان شخصية “آيخمان” لم تكن تلك الشخصية السادية المولعة بالقتل المتوحش، بل كان رجلا عاديا شاحب الوجه حينها امام المحكمة نازي الأنتماء مهمته في النظام حينها تتلخص في متابعة الملفات و التأكد بأن القطارات التي تنقل اليهود تسير في مواعيدها. ومن هنا فقد قامت “حنة” بابتداع وصفٍ لآيخمان و امثاله اصبح مشهورا منذ ذلك الوقت وهو “إعتياد الشر”.
هذا المصطلح قد نجده اليوم موجودا في الكثير من مجتمعاتنا و لدى شخصيات متنوعة قد تكون تعمل تحت ادارة الأنظمة الحاكمة او قد تكون تعمل في قطاع آخر يمكن ان يكون خاصا في بعض مناحيه. ويتمثل هذا المصطلح في أن “فعل الشر” كمحصلة نهائية لا يمكن ان يكون الا نتيجة لأفعال سلسلة من الأشخاص الأخرين وصفهم المؤرخ “كريستوفر براوننغ” بأنهم رجال عاديون. فبالمقارنة بين تجربة “ملغرام” و رواية “أرندت” نجد انهما تعطيان تفسيرا لما بدا عصيّا على التفسير لعملية “ذبح اليهود الممنهج” في بلدان تعتبر “متحضرة” تقع في قلب اوروبا حيث ان مثل هذه الأعمال لم تكن لتقع لولا ان افرادا عاديين من المجتمع الألماني يعتبرون أنفسهم -(شرفاء،وعلى خلق ،وملتزمين بالقانون) كانوا على استعدد للمشاركة (و بشكل مباشر احيانا) في عملية قتل أناس آخرين، كانت جريمتهم الوحيدة انهم مختلفون عرقيا عن رؤية “أدولف هتلر” لما هو (نموذجي أو مثالي) حيث نرى ان الخط الفاصل بين ما ندعوه “خيراً” و ما نسميه “شراً” قد يكون خطّاً واهياً يمكن اجتيازه بسهولة كما سنرى في الحدث التالي.
و يمكننا ايضا ان نسلط الضوء من خلال ملاحظات “ملغرام و أرندت” على مذابح أخرى اكثر دموية و حداثة من الهولوكوست و نعني هنا المذابح الفظيعة التي جرت بين قبيلتي “الهوتو” و “التوتسي” في رواندا عام 1994 قام فيها الجار بقتل جاره نتيجة لعداوة حديثة العهد أنشأها المستعمرون الغربيون بطرق مختلفة لتلائم اهدافهم. و توخيا لعدم إطالة الحديث عن هذا الأمر سأختصر بعضا من التوضيح فيما يخص السؤال القائل: “لماذ نطيع” ؟
يفيد “ملغرام” ان البنى الترتيبية للبشر من خلال تاعائلة، المدرسة، الجامعة، العمل و المؤسسة العسكرية، جاءت نتيجة لتحيز في عملية التطور البشري (وهنا نقصد بأن الترتيبية قد أدت وظيفة معينة) ادت الى تأسيس “الأستعداد لطاعة السلطة” بشكل بيولوجي. وحيث يرى “ملغرام” ان الأنسان يولد و معه نزعة اساسية للطاعة ومن ثم ينتقل الى “المواقفية” حين يوضح بأن هذا الميل التطوري يتفاعل مع الظروف البيئية و ألجتماعية المحيطة بالفرد ليجد نفسه فيما بعد بأنه اصبح بمستوىً معين من الطاعة.
ومن خلال معيار آخر حول هذا الأرتباط الجيني التطوري و الظروف المحيطة نعود لندقق ما قاله “فرانسوا نكورونزيزا” و هو محامي من “كيغالي” في رواندا وهو شخص ينتمي والده الى قبيلة “الهوتو” و والدته من قبيلة “التوتسي” عندما سئل عن سبب اقدام العديد من الروانديين عام 1994 على قتل أناس كانوا جيرانا لهم في كثير من الحالات، قال:
(( الأمتثال عميق جدا و متجذر جدا في التاريخ الرواندي، فالجميع يطيعون الأوامر. الناس يحترمون القوة، و لليس هنالك كثير من التعليم. خذ أناساً فقراء و جهلة و أعطهم سلاحا وقل لهم: “هذا لك، خذه و أقتل”، فستراهم يطيعون مباشرة. ان الفلاحين الذين دفع لهم أجراً أو أجبروا على القتل كانوا ينظرون الى ذوي المكانة الأجتماعية الأقتصادية العليا ليقرروا لهم كيف يتصرفون. لذا، فأن ذوي النفوذ … هم الرجال اصحاب القرار في القتل الجماعي. و قد يعتقد هؤلاء ان ايديهم لم تتلطخ بالدماء، الا ان الحقيقة ان الناس كانوا يأخذون اوامر القتل منهم. وفي رواندا ما عليك الا ان تلقِ الأموامر بشكل هادىء ليتم تنفيذها)).
مما تقدم و بشكل مختصر نرى اننا مازلنا الى اليوم نجد ذات الحالة في دول عدة وهؤلاء الأشخاص يمثلون السلطة على الرغم من انهم يتقاضون رواتبهم و مستحقاتهم المالية من ثروات هذا الشعب او ذاك. الا ان افتقاد مفهوم الهوية الموحدة او المشتركة و غياب عمليات المكاشفة بين الأطراف المختلفة و تفضيل المصالح الفئوية و الشخصية ما زالت تساهم في ديمومة هذه المفاهيم حيث تبرز مباشرة و بشكل واضح عند اي انتكاسة لهيكل الدولة و انتقاص لهيبتها و اضمحلال لقاوانين دستورها حين يلجأ الفرد الى الهويات الفئوية لكي يستطيع حماية نفسه و مصالحه من خلال تقديم الطاعة لقيادات تلكم الفئات اجتماعية كانت ام سياسية.

*كتاب ملغرام (طاعة السلطة) Obedience to Authority

About مازن البلداوي

مازن فيصل البلداوي كاتب عراقي يحاول بذل الجهد في تعريف مواطن الوجع الأنساني و أسبابه عن طريق التحليل و تشخيص الأسباب و طرح الحلول اينما امكن ذلك يعمل حاليا كأستشاري تطوير اعمال على المستوى الدولي لدى احدى الشركات حاصل على شهادة الماجستير في إدارة أصول البنى التحتية من مدرسة باريس للأعمال مسجل كمحلل بيانات الأعمل و مرخص من قبل الأكاديمية الأميركية للأدارة المالية AAFM حاصل على شهادات تخصص في ادارة مشاريع المياه من BAMI-I حاصل على شهادات تخصص من جهات اخرى للمزيد:يرجى مراجعة البيانات على الرابط التالي:
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.