النائب السابق بطرس حرب يوجه كتاباً الى العماد #عون يدعوه فيها للاستقالة من منصبه

فخامة الرئيس،
بعد تقديم احترامي لموقعكم كرئيس للدولة ، وبعد انقضاء أربع سنوات ونيّف من عهدكم شهدت خلالها البلاد أقبح صورة لأسوأ ممارسة، أتوجّه إليك في حضرة التاريخ والرأي العام المحلي والدولي، بالآتي :
تعلم أيها الرئيس، والجميع يعلم، أنني لم أنتخبك رئيساً، وأنني بقيت مع القلّة التي رفضت تلك الصفقة السياسية التي قامت على مصالح أطرافها، والتي أوصلتك إلى المنصب الذي أنت فيه، ولأنني كنت أعلم أنك لم تدخِّر جهداً أو توفر وسيلة لتحقيق حلمك ببلوغ منصب رئاسة الجمهورية، وأنك، قبل أن تعلن ما سمّيته ” حرب التحرير ضد الاحتلال السوري “، حاولت جاهداً نيل تأييدهم، وأنّك، يوم قطعت الأمل من ذلك، إنقلبت عليهم ورفعت شعار التحرير والعنفوان وتكسير الرؤوس والاستقلال.
وتعلم أيها الرئيس، أنك كُلّفت برئاسة حكومة إنتقالية، تنحصر مهامها في تأمين سلامة الانتخاب وفي تسيير أمور البلاد مؤقتاً حتى إنتخاب رئيس للبلاد، كما فعل الرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب بأمانة، وأنك حوّلت نفسك مرشحاً لرئاسة الجمهورية ومعطِّلاً لأي إنتخابات، إذا لم تأتِ لصالحك، كما حصل يوم عُيّنَتْ جلسة كانت ستؤدّي إلى إنتخاب الرئيس الراحل سليمان فرنجيه.
وتعلم أيها الرئيس، أنّك أعلنت حرب التحرير، ليس بقصد تحرير لبنان من الاحتلال السوري، وأنت، كعسكري، مدرك لتفاوت القوى في هذه الحرب، بل بقصد قلب الطاولة والموازين، لعلّك تتحول بذلك إلى الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في الانتخابات الرئاسية.
وتعلم أيها الرئيس أنّك بنيت شعبيتك على التحرير من الاحتلال السوري، ولأنّك أعلنت رفض وجود سلاح خارج الشرعية ورفضت وجود المليشيات وتصرفاتها، وأنك بسبب ذلك أعلنت ” حرب الإلغاء ” ضدّ القوات اللبنانية، رافعاً شعار لا سلاح خارج الشرعية وأنّ مهمة الحفاظ على الأمن والدفاع عن الوطن محصورة بالجيش اللبناني وقوى الأمن الشرعية، كما كنت ترفض وجود حزب الله المسلّح واعتبرت ولاية الفقيه خطراً فارسياً يهدّد لبنان.


وتعلم أيها الرئيس، أنّك، وبعد أن زجّيتَ السفينة التي توليت قيادتها في حروبك العبثية، أنقذت نفسك، وتركت من اُؤتمنتَ عليهم، من وطن ودولة وشعبِ وجيش وعائلة تحت رحمة السوريين، ما أدّى إلى حصول مجازر بحقّهم تقشعر لها الأبدان، وقبلتَ بتسوية أبعدتك إلى فرنسا، بعد أن أعلنتَ استسلامك، خلافاً لما كنت أعلنت، بأنك صامد وأنّك آخر من يترك السفينة، فكنتَ الأول.
وتعلم أيها الرئيس، أنّك فاجأتَ العالم بالصفقة التي عقدت مع من كنتَ أعلنتَ الحرب عليهم، وقتلوا ضباطك وجنودك، ودمّروا القصر الجمهوري، واحتلّوا وزارة الدفاع، ومع من كنت تعتبرهم خطراً فارسياً على لبنان ومليشيا مسلحة غير شرعية، فانقلبت على كلّ شعاراتك، التي مات من أجلها خيرة شبابنا، فتصالحتَ سراً مع السوريين، وهم لا يزالون محتلّين للبنان، ووافقت على تغطية سلاح حزب الله، وتعهدت بمحاربة ثورة الأرز، واعتبرت أن ضابطاً لبنانياً في الجيش ارتكبت خطأ تسبّب بقتله، لأنه كان ينفّذ مهمة كلّفته بها قيادة الجيش فوق الأراضي اللبنانية، وتساءلت ” شو رايح يعمل هونيك ؟”، كما تعهّدت بالتحالف مع حزب الله وشرعنة سلاحه وتبرير وجوده واستمراره حتى حلّ القضية الفلسطينية ( وهي كما تعرف لن تُحلّ)، مبرراً ذلك بأنّ الجيش اللبناني، الذي كنتَ قائده، عاجز عن الدفاع عن لبنان، وأنّنا بحاجة إلى سلاح حزب الله للقيام بالمهمة، ما أوقف كل الملاحقات القضائية بحقك، ولا سيما تلك المتعلقة بتحويل عشرات ملايين الدولارات من الخزينة العامة لحسابات شخصية لك ولأفراد عائلتك في الخارج.
حضرة الرئيس ،
نعم لم أنتخبك، ولا أخفي عليك سعادتي وراحة ضميري بسبب ذلك. لم أنتخبك، ليس بسبب خلاف شخصي معك، إذ لم تربطني بك أية علاقة تتجاوز علاقة نائب بقائد للجيش وبرئيس حكومة موقت، بل لأنني مؤمن بأن كل ما يُبنى على فاسد هو فاسد، وأنّ من عطّل الدستور مرات عديدة لا يؤتمن على احترام الدستور، ومن عرّض الوطن للأخطار لاعتبارات شخصية لا يؤتمن على حماية الوطن، ومن أنقذ نفسه وترك جيشه وشعبه لا يؤتمن على سلامة العائلة الوطنية.
لم أنتخبك لأنّني رفضت، ولا أزال أرفض الخضوع لإملاءات صاحب السلاح غير الشرعي وتهديداته وتعطيله للسلطة، وإملاءات من عرّض الأحرار للقتل، ومنهم رفاق نضال أصدقاء أبطال.
لم أنتخبك لأنّني أرفض إنقلابك على مواقفك حسب مصالحك، وأرفض تحوّل العدو إلى صديق، والمليشيا غير الشرعية إلى حاجة وطنية، وكنت قد تسبّبت بقتل مئات من عناصر مليشيات تشاركهم، مبدئياً، الرأي السياسي والسيادي، لرفضك وجود سلاح خارج الشرعية.
لم أنتخبك لأنك عطّلت البلد والمؤسسات سنوات لفرض إنتخابك رئيساً، أو لتوزير صهرك، أو بسبب المطالبة بوزارات دسمة لتيارك الحزبي.
والأهمّ، أنني لم أنتخبك لأنني رفضت الصفقة التي عقدها معك من كانوا حلفائي في حركة 14 آذار، منهم طمعاً بسلطة فقدوها، أو تعويضاً عن مواقع خسروها أو مال بذّروه أو رعاية فقدوها، ومنهم تفادياً لوصول من يعتبرونه أكثر خطراً عليهم إلى الرئاسة، وطمعاً بمناصب وزارية ووظيفية من خلال تقاسم المواقع المسيحية في الدولة في ما بينهم بالتساوي، مختزلين بذلك كل المسيحيين في ثنائي مسيحي، شبيه بالثناء الشيعي، وتكريساً لمبدأ وصول الأقوى في طائفته إلى الرئاسات، معتبرين أنهم الأقوى بعدك.
لم أنتخبك، لكنني صلّيت أن أكون على خطأ، وأن يكون وصولك إلى موقع الرئاسة قد شفى غليلك وحقّق حلمك، وأنك قد تتغيّر وتتصرف كرئيس مسؤول عن كل اللبنانيين، وليس كرئيس لتيار سياسي ، وأن يكون طموحك الحقيقي، ليس التربّع على عرش الرئاسة ، بل النجاح ودخول تاريخ كبار الأمة اللبنانية وأحد بُناة الدولة الحديثة العادلة دولة القانون والمؤسسات.
إلاّ أنّ ما كنت أخشاه هو الذي حصل، ” فمفتاح الشهيّة لقمة ” كما يُقال، فكيف إذا كانت وليمة ملؤها الجاه والسلطة والمال والأنانية وحب التوريث الرئاسي لأحد الأبناء الذكور، وفي حالتنا للصهر، الذي تحوّل معك إلى رئيس فعلي لدولتك الهرمة المتهاوية، وأصبح الحاكم الناهي والمنفّذ المطيع لرغباتك ورغبات حلفائك، أملاً بالخلافة، ما عطّل المؤسسات والإدارات، وما نشر الفساد عبر منظومة شاركتْ فيها القوى الفاعلة ، ما تسبّب بإهدار الأموال العمومية واختلاس الأموال الخاصة للمودعين في المصارف، بالإضافة إلى مصادرة الوزارات الدسمة لتمرير كل المشاريع المشبوهة أو تعطيلها دون رادع أخلاقي أو إعتبار لمصلحة الوطن واللبنانيين، ما أدّى إلى إفلاس الدولة وضرب الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتصنيف لبنان كدولة فاشلة.
أكثر من ذلك، وبسبب تورّطك في التزامات دولية وإقليمية معروفة، حرفت لبنان عن خطّه السياسي التاريخي الحيادي البعيد عن صراعات المحاور الدولية والإقليمية، وحوّلته إلى قاعدة إيرانية سورية متقدّمة، تعادي أصدقاء لبنان التقليديين، وتشتم أشقاء لبنان الذين وقفوا إلى جانبه في كل الأزمات التي مرّ بها، ما عزل لبنان عن محيطه، وحوّله، من دولة مساندة لقضايا العرب العادلة، إلى دولة مواجهة لغالبية الدول العربية ومعادية للدول الصديقة عالمياً.
لقد وقع لبنان ضحية، ذلك وبسبب تقديم مصالح حاشيتك، من الأقربين والأبعدين، على المصلحة العامة. عاصمتنا دُمّرت، مئات القتلى أصبحوا في القبور نتيجة إهمالكم، آلاف شُوّهوا، ومئات الآلاف شُرّدوا من منازلهم، إقتصادنا انهار، والعالم يوجّه الإهانات لكم للطبقة الحاكمة معكم، ولا يرفّ لكم جفن، يوبخكم يهوّل عليكم بالعقوبات لحثّكم على القيام بواجباتكم، وأنت عاجز عن تشكيل حكومة للإنقاذ، أو رافض لها، ومتمسك بحكومة سياسية، شبيهة بالحكومات السابقة، التي أوصلت البلاد إلى الانهيار. إنها قمة العجز وانعدام المسؤولية.
أيهــا الـرئيــس،
اللبنانيون أصبحوا جائعين في عهدك، والقيمة الشرائية لعملتنا الوطنية قد بلغت أدنى مستوياتها، شبابنا يهاجر، الأزمة تتعاظم، ونتساءل ماذا تفعلون غير الإدعاء أنهم ” ما خلّوكم تشتغلوا ” وأنكم، في رفضكم لتشكيل حكومة إنقاذ من المستقلين والاختصاصيين، تزعم حماية حقوق المسيحيين في السلطة، متجاهلاً الحالة التي يتخبط فيها المسيحيون بالذات نتيجة مواقفك وفشلك وفساد حاشيتك، فالبلد انهار يا رئيس البلد، وأنك وفريقك وحلفاءك وشركاءك، ومن أوصلك إلى مركزك، تتقاتلون على الحصص والوزارات والمراكز، صامّين آذانكم لكي لا تسمع صراخ الناس، مغمضين عيونكم عن المآسي.
اللبنانيون، مسيحيين ومسلمين، يتركون لبنان تفتيشاً عن لقمة عيش كريمة، ولولاهم، ولولا مروءة من سبقهم إلى المهجر، لكانت المجاعة بدأت تنتشر.
فإليك، وإلى فريقك الحاكم وحلفائك نقول :
استيقظوا من سباتكم، تخلّوا عن عنادكم وصراعاتكم ، تجرّدوا من مصالحكم الشخصية ، فكّروا قليلاً بلبنان بأبناء هذا الشعب المسكين الذي آمن فيكم بعد أن زرعتم في عقله أحلاماً واهية حول ما ستقومون به.
أقرّوا أنكم دمّرتم لبنان، وأنّ أهله يئسوا وتشرّدوا وفقدوا أي أمل في مستقبل كريم لهم في هذه البلاد التي كانت جنّة فحوّلتموها إلى جهنّم.
حضرة الرئيس،
إنّك، ومن تولّى الحكم إلى جانبكم، تتحملون مسؤولية الفشل والانهيار، وأنّه لم يبقَ أمامك إلاّ العمل على إبعاد كل القوى السياسية الحالية، ولا سيما الفاسدين منها، وعلى الأخصّ في محيطكم القريب، والتنازل الكامل عن مطالبكم الشخصية والحزبية، فتحصّن موقفك لتفرض هذا المعيار على رئيس الحكومة المكلّف، في تشكيل حكومة من شباب وشابات لبنان الناجحين في اختصاصاتهم، والمجلّين في أعمالهم، غير الطامعين بمكاسب شخصية أو بجاه أو نفوذ، حكومة قادرة على إعادة بعض الثقة بلبنان وحكّامه، وعلى وضع خطة إقتصادية توقف الانهيار.
وإذا عجزتم عن ذلك، أو رفضتم التجاوب مع دعوتنا، وصمّمتم على البقاء في دوّامة الصراع التي ذهب اللبنانيون ضحيتها، فنصيحتي لك أن تعترف بعجزك، وتقدّم استقالتك لتفسح المجال لخيار البطريركية المارونية بإعلان حياد لبنان وطلب مؤازرة المجتمع الدولي لمساعدته على الخروج من مأساته، وتحييده عن الصراعات التي اقحمتموه فيها.
قيل ” صديقك من صَدَقَكَ وليس من صَدَّقكَ “، وبالرغم من أنّني لا أدّعي صداقتك، ولا أطمح لها، فإنني أخلصك القول وأنصحك بالتنحّي.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.