الموروث الأسلامي بين الواقع و الوهم / واقعة الطف كأنموذج

مشهد تمثيلي حول روايات الشيعة عن فاطمة

مقدمة : تعتبر واقعة الطف 61 هجرية ، من أكبر المآسي التي وقعت على آل بيت الرسول ، حيث نحر بها الحسين بن علي – من قبل شمر بن ذي الجوشن ، بسبب عدم مبايعته ليزيد بن معاوية . وهذه الواقعة قد تناولتها الأقلام منذ مئات السنين ولغاية الوقت الحاضر ، ورواياتها مثبتة بصيغ مختلفة في المرجعيات الشيعية والسنية ، ولكن الذي دفعني لتناولها ، هي جزئية محددة ، وهي عدم منطقية ( الفرق الهائل بين عدد جيش يزيد / بقيادة عمر بن سعد ، وعدد أنصار الحسين ) ، والذي شبهه الشيخ سيد فرقد القزويني ( خطيب حسيني ، ولد في 1963 كربلاء – العراق ، ويعتبر القزويني ، من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي والتعايش بين الاديان والمذاهب ) ، في محاضرة له ، سنة 29 .11. 2014 بأنها : ” أقوى نكتة في التاريخ ، وشبهها بلعبة أتاري ” .. هذا ما سأتناوله في هذا البحث المختصر ، دون الدخول في حيثيات الواقعة .
الموضوع : المراجع الأسلامية ، قد تناولت هذه الجزئية – الفرق بين عدد جيش يزيد وبين أنصار الحسين ، بقدر كبير من الأختلاف ! . 1 . فبالنسبة لأنصار الحسين بن علي : سأورد ما جاء من روايات وفق موقع / مكتبة العتبة الحسينية ، وبأختصار : الرواية الأولى : رواية المسعودي ، وهي : ( فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي .. فعدل إلى كربلاء ، وهو في مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته وأصحابه ، ونحو مائة راجل ) ( مروج الذهب : 3 / 70 ) . الرواية الثانية : رواية عمار الدهني عن الأمام الباقر ، وقد جاء فيها : ( حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال لقيه الحر بن يزيد التميمي .. فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء .. وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل ) ( الطبري : 5/ 389 ) . الرواية الثالثة : رواية الحصين بن عبد الرحمان ، عن سعد بن عبيدة ، قال : ( إن أشياخا من أهل الكوفة لوقوف على التل يبكون ويقولون : اللهم أنزل نصرك ، قال : قلت : يا أعداء الله ألا تنزلون فتنصرونه .. وإني لأنظر إليهم ، وإنهم لقريب من مائة رجل ، فيهم لصلب علي بن أبي طالب خمسة ، ومن بني هاشم ستة عشر ، ورجل من بني سليم حليف لهم ، ورجل من بني كنانة حليف لهم ، وابن عمر بن زياد ) ( الطبري : 5/ 389 ) . الرواية الرابعة : رواية أبي مخنف ، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي ، قال : ( .. فلما صلى عمر ابن سعد الغداة .. وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، خرج فيمن معه من الناس .. وعبأ الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا ) . 2 . أما بالنسبة لجيش يزيد بن معاوية ، فسأنقل ما جاء من روايات وفق موقع / ويكي شيعة – أحصائيات ، وبأختصار : ذكرت بعض المصادر أسماء بعض قادة جيش عمر بن سعد وعدد من كانوا تحت أمرته : فذكر أنهم كانوا 22 ألفاً . ونقل الشيخ الصدوق والسيد ابن طاووس رواية عن الإمام الصادق والإمام السجاد ذكر فيها أن عدد جيش عبيد الله بن زياد ، كان 30 ألفاً . وذكر المسعودي أنهم كانوا 28 ألفاً . وذكر الطبري الإمامي أنهم كانوا 14 ألفاً . وذكر ابن شهر آشوب أنهم كانوا 35 ألفاً . ولما أن ذكر أسماء القادة منهم فقد أوصل عددهم إلى 25 ألف شخص. وذكر سبط بن الجوزي أنهم كانوا 6 آلاف شخص . وذكر ابن عتبة أنهم كانوا 31 ألفاً . ونُقل أنهم إلى يوم السادس (6) من المحرم كانوا 20 ألفاً. أما الملا حسين الكاشفي فقد ذكر أنهم كانوا 32 ألفاُ ، وذكر في موضع آخر أنهم كانوا 17 ألفاً أيضاً.


القراءة : أولا – من خلال تتبع ما سبق ، فأن عدد أنصار الحسين بن علي / عدا آل بيته من النساء وغير المحاربين ، قد أختلفت الروايات في تحديد عدده ، وتضاربت الأرقام ، وهي ما بين 72 محاربا الى 600 محاربا ! . أما عدد جيش يزيد بن معاوية / بقيادة عمر بن سعد ، فذات الحال ، قد أختلفت الروايات في تحديده ، وهو ما بين 6 ألاف مقاتل الى 35 ألف مقاتل . * وتوضح النسب المذكورة ، الفارق الكبير بين أصغر عدد وأكبر عدد ، وهذا دليل على عدم دقة الأعداد والأخبار ! . ثانيا – وفي محاضرة الشيخ فرقد القزويني / المشار أليها في أعلاه ، يقول معلومات أخرى ، ويبين : نقلا عن رواية أبن أعثم ، أن جيش يزيد بن معاوية / في واقعة الطف ، يبلغ عدده 22 ألفا ، أما أنصار الحسين بن علي فخرج ب 82 مقاتلا من المدينة ، وحين وصلوا الى كربلاء تقلصوا الى 72 مقاتلا ، أما عندما وقع الوطيس فلم يبقى منهم سوى 32 مقاتلا ! . ثالثا – من هنا نستنتج أن الموروث الأسلامي ، يقوم أو يؤسس على الروايات ! ، وليس من حقيقة ثابتة أو دامغة فيما ينقل ، فكل ما يروى هو مجرد نقل غير دقيق للأحداث والوقائع ، لا يمكن أن يؤخذ به البتة ، لأجله كانت الهوة أو الفارق كبيرا في المعلومة بين رواية وأخرى ، ويمكن أن نقول أن الرواة ، يقولون أو ينقلون الخبر تبعا لعاطفتهم ، أو لأنتمائهم المذهبي ، أو لميلهم السياسي ، فهم يضخمون أو يقللون من العدد وفق ذلك ! . رابعا – أني أرى ، أن الروايات الأنفة الذكر ، تفتقد للمنطق والعقلانية ! ، فهل لقادة جيش كيزيد بن معاوية وعمر بن سعد وباقي الأمراء و القادة ، أن يجييشوا جيشا قوامه الألاف – لنقل بالمتوسط 17 ألفا ، لمقاتلة رهط ، لنقل بالمتوسط – لا يتعدى 100 فردا ، ولم هذا الكم الهائل من المحاربين لمقابلة رهط يعد بالعشرات ! ، فليس هناك أي منطق عسكري في هذه المعركة ! ، وأرى أن الرواة قد رسموا وقائع معركة الطف وفق خيالهم ، وليس وفق حقائق ثابتة على الأرض ! . خامسا – والجدير بالذكر ، أن تعامل جيش يزيد مع أنصار الحسين ، كان تعاملا عدائيا ، ووفق العرف الأنتقامية ، دون الأخذ بنظر الأعتبار أن الحسين هو حفيد محمد نبي الأسلام ، لذا نحر رأسه ، دون أي أكتراث لجده محمد ! . والأمر الذي يندى له الجبين ، ما أورده بن الكلبي / المتوفي سنة 819 م في كتابه ” جمهرة النسب ” ( على لسان أحد حملة رأس الأمام الحسين ، الى الشام ، قوله : أنا محفز بن ثعلبة ، جئت برؤوس اللئام الكفرة ، وتشير تلك الرواية ، الى مدى أختلاط الحق بالباطل في مجتمع الكوفة ، حتى أن بن ثعلبة ، يصف أبن بنت رسول الله ب ” اللئيم الكافر ” / نقل بأختصار من ” واقعة الطف في كتب التاريخ الأسلامي في القرنين الثالث والرابع الهجريين ” ل : د . عمار محمد يونس و أسراء المرعبي ) . * وأعتقد أن هذه الرواية تدلل ، بأن بموت محمد ، أنتهت الدعوة الأسلامية ، ونكل بآل محمد ! ، وبدأ عهد السلطة والحكم .

خاتمة : * في هذه الواقعة لا بد لنا أن نتساءل ، لم لم يجتمع تحت راية الحسين جمع كبير ، وهنا أنا لا أقول جمعا بالألاف كيزيد ، وذلك لأن يزيد كان لديه دولة ، ولكن الحسين بذات الوقت لديه عمق ديني ، حيث أنه حفيد نبي الأسلام ! ، وهذه دلالة أخرى ، أن مكانة الرسول أنتهت بموته ! ، وحلت محلها من سيطر على الحكم ، حيث أن الاخير جمع الدين والسلطة معا. * أن الموروث الأسلامي / في هذه الواقعة ، حاله حال باقي الروايات والوقائع والأحداث ، لا يستند على أي قرينة يمكن الركون أليها ! .. خاصة فيما يتعلق بكيفية تقدير عدد جيش يزيد وعدد أنصار الحسين . فلم هذا التضخيم والتهويل بالكم العددي بالنسبة لجيش يزيد ، ولم هذا التصغير العددي برهط الحسين ! .. ولكن دائما أرى أن الأخبار تنقل بغير أي مهنية ، ودون أي تدقيق في الخبر . ويحضرني في هذا المقام مقولة أبن خلدون / ولد في تونس 1332 – 1406 م ، القائل ” ينبغي علينا إعمال العقل في الخبر” ، فليس كل ما يتناقل من أخبار صحيحاً أو معقولاً ، وتصديق الأخبار ونشرها دون تمحيص نقص في العقل .

About يوسف تيلجي

يوسف تيلجي كاتب و باحث
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to الموروث الأسلامي بين الواقع و الوهم / واقعة الطف كأنموذج

  1. Maha Albouti says:

    مهما كان العمق الديني لعلي رضي الله عنه فلا يعني ذلك انقسام المسلمين بين شيعي وسني وهذا اسخف ماحدث في التأريخ لأنه فتح ابواب الخلافات والحروب وتكسير العظم من الأقوى..!!
    ماهكذا يكون الدين ابدا وكل ذلك هو اكبر فتنة بين المسلمين لن تزول لعنتها حتى يزيلون بعضهم البعض ..!!

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.