الملك_سنحاريب و #خراب_بابل

#الملك_سنحاريب و #خراب_بابل

#الملك_سنحاريب و #خراب_بابل

بقلم : عضيد جواد الخميسي

تميز عهد الملك الآشوري “سنحاريب” (عام 705-681 قبل الميلاد) بشكل رئيسي؛ بالصعوبات التي واجهها في بابل . حيث بابل وعلى مدى تاريخ الإمبراطورية الآشورية كانت لديها مشاكل مع الملوك الآشوريين . وكان أول من هاجمها ؛الملك الآشوري “توكولتي ـ نينورتا الأول” عام 1225 قبل الميلاد. وحتى إذا ما بلغ الأمر شدّته ؛ تبقى الروابط الثقافية والاجتماعية والاقتصادية قائمة ومستمرة دون انقطاع بينهما . إذ كان بعد كل خراب يصيبها ؛ يُعاد بناء المدينة ويُعظَّم دور ساكنيها من جديد؛ فهي ليست مجرّد مدينة تضّم المنازل والشوارع والأزّقة في تقدير شعوب بلاد الرافدين؛ بل كانت مركزاً ثقافياً كبيراً ومهمّاً يصل إلى درجة التقديس . فقد أُغتيل الملك الآشوري توكولتي- نينورتا فور مهاجمته بابل وتدميرها وتدنيس آلهتها ؛ نظراً لمكانتها عند سكان بلاد الرافدين . وكان لدى شعب بابل الشعور بالثقة العالية والإرادة القويّة في التخلّص من أيّة سلطة غازية أو حاكم مُستبد في محاولة للهيمنة على مدينتهم والمنطقة دون عقاب شديد ، ويمكن للمرء أن يتخيل كيف كانت معاناة الملوك أمام هذا السلوك الشعبي الصارم . وهذا بالضبط ما حصل للملك “سنحاريب” في تعامله مع المدينة العظيمة .

عرش بابل

كانت مشاكل الملك “سنحاريب”مع بابل موروثة إلى حد كبير. حيث هَزم والده الملك “سرگون الثاني” (عام 722-705 قبل الميلاد) الحاكم القبلي الكلداني الملك”ميرودخ ـ بالدان الثاني “وطرده من بابل . وبمجرّد وفاة الملك سرگون الثاني وتولّي سنحاريب العرش ؛ عاد ميرودخ ـ بالدان إلى بابل و استعاد عرشه ، ورحّب به البابليون ملكاً عليهم .

بصفته الملك الجديد ؛ لم تكن هناك إنجازات حقيقية لـ (سنحاريب) لمسها البابليون بعد توليه العرش . حيث كان من المُفترض أن يشارك في احياء مراسم تولي العرش أمام تمثال الإله مردوخ ؛ كدليل احترام للإله مردوخ وشعب بابل . إلاّ أنه بدلاً من ذلك ؛أرسل إليهم رسالة مفادها أنه الآن ملك بابل ، ولم يكلّف نفسه عناء زيارة المدينة.

لم يكن ميرودخ ـ بالدان قلقاً بشأن الملك الجديد؛ معتبراً سنحاريب ملكاً ضعيفاً ، لأنه لم يشارك قطّ في أي من الحملات العسكرية مع والده ، وقد قضى حياته السابقة كوليّ للعهد بواجبات إدارية .

لمّا سمع الملك سنحاريب أن ميرودخ ـ بالدان قد استعاد عرشه في بابل ؛ لم يعرّ للأمر أهمية ، وبدلاً من أن يقوم بنفسه قيادة الجيش للقضاء على التمرّد في بابل ؛أرسل قائده العام لإنجاز المهمّة .

هُزم جيش سنحاريب بسرعة من قبل البابليين وحلفائهم العيلاميين والآراميين عام 703 قبل الميلاد. ثم أعادت بابل نشر قوّاتها استعداداً للتصدي في حال عودة الآشوريين مرة أخرى .

كتبت البروفيسورة “سوزان وايز پاور” المقطع التالي في وصف المعركة الثانية ؛ عندما قاد الملك سنحاريب جيشه في هجومه على مدينة بابل :

” وكانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير. جاء سنحاريب بنفسه ناقماً بغضب آشور، فاخترق خط جبهة الحلفاء ، وبالكاد توقف . هرب ميرودخ ـ بالدان من ساحة المعركة وتسلل إلى مناطق الأهوار ليختبئ فيها والتي كان يعرفها جيداً ، ومنها وصل إلى عيلام .

اتجه سنحاريب في طريقه إلى بابل التي فتحت بواباتها بحكمة ؛ مجرّد معرفتها أن الملك الآشوري قادماً لا محال . دخل سنحاريب المدينة عبر البوابات المفتوحة ، لكنه بعث رسالة لشعبها ؛ وهي نهب المدينة ، وأسر ما يقرب من ربع مليون من المحاربين وغيرهم ( نرى أنه رقم كبير جداً ولا يبدو منطقياً في ذلك التاريخ ـ الناشر) ، وتدمير حقول وبساتين كل من انضّم إلى المعركة ضده .” (ص 384)

سرعان ما أدرك أهل بابل أن فكرتهم السيئة عن الملك سنحاريب كانت غير صائبة . إذ في هذه الحملة المبكرة ؛ أظهر الملك الجديد تكتيكاً عسكرياً بارعاً ، وبدا قائدا عسكرياً مقتدراً وعدوّاً ظالماً لا يرحم .

الحكّام والحروب الفاشلة

على الرغم من أن الملك سنحاريب قد نهب بابل ، إلا أنه لم يدمّر بناها التحتية. لقد هرب الملك المخلوع ميرودخ ـ بالدان إلى برّ الأمان في عيلام حيث كان يخطط لإثارة المزيد من المشاكل للآشوريين .

اختار الملك سنحاريب بعد الإستيلاء على بابل قائداً في جيشه يثق فيه كثيراً، واسمه “بل ـ آيبني ” حاكماً على بابل نيابة عنه. نشأ بل ـ آيبني مع سنحاريب منذ طفولته في البلاط الآشوري . وكان سنحاريب يعتقد أنه جدير بالمنصب ؛ إلاّ أنه اتضح عكس ذلك . وبغض النظر عن ولائه للملك ؛ فقد كان حاكماً غير كفء ؛ حيث بدأً في سماحه لحكّام المناطق الجنوبية القيام بما يحلو لهم .

بعد بضع سنوات حوالي عام 700 قبل الميلاد ؛ عاد الملك المخلوع ميرودخ ـ بالدان من منفاه الاختياري ، وأخذ بتحريض الشعب على الثورة . قصد سنحاريب بجيشه إلى الجنوب مرة أخرى لإخماد الثورات، ومن ثمّ أعاد بل ـ آيبني إلى نينوى ، وجعل ابنه المفضّل ووريثه المختار “آشورـ نادن ـ شومي ” حاكماً على بابل .

في عام 698 قبل الميلاد ، أُختطف آشور- نادن- شومي على يد العيلاميين الذين يصرّون على أن بابل تخصهم . سار سنحاريب انتقاماً بجيشه مرة أخرى إلى المدينة ؛ فهزم البابليين ، وأعدم الثوّار ؛ ولكن لم يكن هناك أي خبر عن مصير ابنه ولم يُطلب فدية لعودته .

هذا الحدث ” نتج عنه حرباً شاملة بين آشور وبابل وعيلام . وقد أستمر القتال مدة أربع سنوات ”(باور ، ص 388) .

شنَّ الملك سنحاريب هجوماً شاملاً بكامل قوة الجيش الآشوري لغزو عيلام ؛ لكن الآشوريون خسروا الحرب . على افتراض أن آشورـ نادن ـ شومي قد توفي (يعتقد العلماء في الوقت الحاضر أنه أُعدم من قبل العيلاميين حوالي عام 694 قبل الميلاد).

عاد سنحاريب إلى عاصمته في نينوى ، واشغل نفسه بمشاريع البناء على مدى السنوات الخمس التالية . وكما يبدو أنه قد نسي أمر بابل ؛ لكنه في الواقع كان يتحين الفرصة للانتقام .

انتقام الملك سنحاريب

في عام 689 قبل الميلاد ؛ توفي الملك العيلامي “هالوشو-إنشوشيناك،” ، فهاجم سنحاريب بابل بسرعة ، وألقى القبض على ميرودخ ـ بالدان واقتاده إلى نينوى مقيداً بالسلاسل .

مما يذكر أن سنحاريب قد أمضى زمناً طويلاً خلال فترة حكمه في التعامل مع بابل و العيلاميين ، وتكبّد خسائر كبيرة في جيشه ، وأنفق موارد ضخمة في سبيل رضوخ بابل لسلطته بأكثر من أي حملة أخرى . لقد نفد صبره ، فأمر بتدمير المدينة وتسويتها بالأرض .

يذكر لنا مقطع من نصّ آشوري على لوح طيني ؛ يصف فيه الملك سنحاريب سقوط المدينة :

“هَرعْتُ بسرعة إلى بابل ، حيث عَقدتُ العزم على غزوها . لقد هاجمتها مثل الإعصار وانتشر رجالي في المدينة مثل الضباب. أنا حاوطتها بالكامل، واستوليتُ عليها باختراق الأسوار وتسلقّها. وقضيت على محاربيه الأقوياء ( جيش ميرودخ ـ بالدان)؛ صغاراً وكباراً، ومَلأتُ ساحة المدينة بجثثهم … وأمرتُ رجالي بنهب ثروات المدينة ؛ الفضة ، الذهب ، والأحجار الكريمة ، وجميع المقتنيات المنقولة. تمكّن رجالي من تماثيل آلهتهم في المدينة وحطموها . و استعادوا ممتلكات آلهتنا ؛تماثيل (أداد) ، و(شالا) ، من آلهة مدينة (إكالاتي) اللذان استولى عليهما ملك بابل (مردوخ ـ نادين ـ آهي) ، وأخذهما إلى بابل في زمن ملك آشور (تيغلاث بيلسر الأول ) . قمت باستردادهما من بابل بعد أربعمائة وثمانية عشر سنة وأعدتهما إلى مدينة إكالاتي .

المدينة وبيوتها دَمرْتها بالكامل من الأسس إلى الأسطح وأشعلت النار فيها. لقد هدمت أسوار المدينة الداخلية والخارجية ، والمعابد ، وأبراج المعابد المصنوعة من الطوب والطين – بقدر ما كان هناك – وألقيت بكل شيء في قناة (أراهتو) . لقد قمت بعمل حفرة داخل المدينة ( يجري فيها الماء من القناة) ، وغمر الماء جميع أنحاء الأرض . لقد حطّمت حتى مخطط أسسها . لقد سوّيتها مع الأرض بأكثر ما يمكن أن يحدثه أي فيضان ؛كي لا يُذكر موقع تلك المدينة ومعابدها أبداً . لقد أغرقتها بالماء حتى أصبحت مجرّد مرج ” (نگل ص26).

دُمرّت بابل ونُهب تمثال إلهها (مردوخ) إلى نينوى كغنيمة حرب. ولم يعد سنحاريب يقلق عمّن يحكم بابل أو ما قد يسببه من مشاكل؛ لأن المدينة لم تعد موجودة .

ربما كان سنحاريب يعتقد أن بابل في ذلك الوضع لا يمكن أن تجلب له المزيد من الاضطرابات ؛ وإذا كان الأمر كذلك ؛ فإنه مخطئ . كما في عهد الملك “توكولتي نينورتا الأول” ؛ لقد غضب الشعب من تدمير سنحاريب للمدينة العظيمة ، وذلك بسبب تدنيسه للمقدسات من خلال تدمير المعابد ونهب تمثال مردوخ كغنيمة . كتبت البروفيسورة “باور” التعليق التالي حول هذه النقطة :

“تحويل بابل إلى بحيرة ، وتغطية أرضها المتحضرة بالمياه ، وإرجاع مدينة مردوخ إلى الفوضى البدائية ؛ كانت تلك إهانة للإله . ومما زاد الأمر سوءاً ؛ عندما أمر سنحاريب بنقل تمثال مردوخ إلى بلاد آشور “(ص 389).

موت سنحاريب

يذكر سفر الملوك الثاني من كتاب التوراة في الاصحاحين ( 19: 36 ، 37 ) : “فَانْصَرَفَ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ وَذَهَبَ رَاجِعاً وَأَقَامَ فِي نِينَوَى . وَفِيمَا هُوَ سَاجِدٌ فِي بَيْتِ نِسْرُوخَ إِلهِهِ، ضَرَبَهُ أَدْرَمَّلَكُ وَشَرَآصَرُ ابْنَاهُ بِالسَّيْفِ، وَنَجَوَا إِلَى أَرْضِ أَرَارَاطَ ( أرارات). وَمَلَكَ آسَرْحَدُّونُ ابْنُهُ عِوَضاً عَنْهُ”.

تؤكد النقوش الآشورية أيضاً أن سنحاريب قُتل على يد أبنائه ؛ لكنها تختلف حول ما إذا كان قد طُعن أو سُحق حتى الموت. وحسب رؤية البروفيسور “ستيڤن بيرتمان” فإن الملك سنحاريب :” قد قُتل حتى الموت على يد شخص (ربما أحد أبنائه) أو ، وفقًا لرواية أخرى ؛ سُحق حتى الموت بسبب الوزن الهائل للثور المجنح الذي هوى عندما كان يقف تحته مباشرة” (ص 102).

وأيّاً كان سبب القتل ؛ لربما قد أُغتيل بسبب تدميره مدينة بابل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سوزان وايز پاور ـ تاريخ العالم القديم ـ دبليو دبليو نورتون للنشر ـ 2007 .

ستيڤن بيرتمان ـ دليل الحياة في بلاد الرافدين القديمة ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2005 .

بريندن نگل ـ العالم القديم: قراءات في التاريخ الاجتماعي والثقافي ـ بيرسون كولج للنشر ـ 2009 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.