الملاكمة القانونية في محاكمة جوني ديب و #أمبر_هيرد.

شغلت القضية التي رفعها الممثل الأمريكي جوني ديب ضد طليقته الممثلة آمبر هيرد، الصحف والمجلات العالمية، إذا ربح ستخسر كل ثروتها وتغرق بالديون بقيمة 50 مليون دولار

ربما البوست محلي لا يهمّ غير القاطنين في أميركا.

لكن منذ فترة وأنا لا أستطيع بحكم المسْرحة الإعلامية الدرامية اليومية إلّا أن أتابع مجريات الملاكمة القانونية في محاكمة جوني ديب (نجم سلسلة أفلام “قراصنة الكاريبي”) وأمبر هيرد.

ولا أنكر أن الموضوع أصبح مثار فضول وحشرية شخصية.

المحاكمة تخص دعوى تشهير رفعها ديب ضد مطلقته هيرد (يطالب بخمسين مليون دولار تعويضات) ودعوى مضادة رفعتها هيرد ضد ديب (تطالب بمائة مليون تعويض).

النجمان الهوليوديان تزوجا العام ٢٠١٥ وتطلّقا العام ٢٠١٦. ادّعت هيرد في إجراءات الطلاق أنها تعرضّت لعنف منزلي من قبل طليقها. أنكر ديب ممارسة أي عنف. وصل الممثلان في البداية لنوع من الاتفاق القانوني الودّي.

لكن لاحقاً، في نهاية العام ٢٠١٨، نشرت هيرد في صحيفة “الواشنطن بوست” مقالاً تتهّم فيه ديب بممارسة عنف منزلي وجنسي ضدها أثناء زواجهما، واعتبرتْ نفسها ضحية استطاعت النجاة من عنف ديب.

نشْرُ المقال في صحيفة مرموقة ك”الواشنطن بوست” وجّه ضربة قاضية لمسيرة ديب المهنية. استنكفت جميع استوديوهات هوليود الكبيرة عن التعامل معه. أُسقط من أدوار البطولة. أصبح منبوذاً مهنياً، والتصقت وصمة العنف الزوجي بسمعته. بسبب هذا المقال رفع ديب دعوى التشهير، مدّعياً أن سمعته وحياته المهنية تدمّرت بسبب هذا المقال الذي يُنكر بشكل تام جميع ما فيه، لا بل يدّعي أنه هو ضحية هيرد.

استقطبت الدعوى اهتماماً كبيراً الآن بسبب نجومية جوني ديب أولا، ولأن المحكمة سمحت بنقل وقائع المحاكمة تلفزيونياً، فأعطت فرصة نادرة للجمهور لمتابعة التفاصيل الفضائحية للعلاقة أولا بأول. هناك تسجيلات صوتية كثيرة عن الخصومات التي حدثت بين الاثنين. شهادات ووثائق عمّا قيل في أكثر اللحظات الزوجية حميمية. عن أسلوب حياة الزوجين المليئة بالمخدرات والكحول. فيديوهات عن خيانات محتملة.

لكن بغض النظر عن طبيعتها الهوليودية، الدعوى هذه فيها شقّ آخر جدّي قابل للنقاش.

بعد حركة “مي تو” الاجتماعية المناصرة لضحايا العنف الجنسي من النساء، تشكّل نوع من الوعي الاجتماعي الشعبي ضمن سياق “مي تو”، مفاده: “صدّق النساء دائماً”. مؤخراً، ظهرت وازدادت الاعتراضات ضد حكمة وعدالة تصديق كل ادعاء نسائي (عالعمياني) بالتعرض للعنف الجنسي الرجالي من دون البحث أولا في صدقية الادعاء، خصوصاً إذا كان ادعاء كهذا سبباً للإطاحة بسمعة الرجل والقضاء على ماضيه.

محاكمة ديب-هيرد تأتي ضمن هذا السياق. الرأي العام حتى الآن يبدو أنه اختار الانحياز إلى درجة ما لصالح جوني ديب. البعض اعتبرها ضربة لحركة “مي تو”. فالتسجيلات والوثائق الكثيرة تُظهر إمبر هيرد كامرأة عنيفة أيضاً، مزاجية، متلاعبة. مارستْ هي أيضاً العنف المنزلي، والكثير من ادعاءاتها تشوبها شبهة الكذب والتمثيل والفبركة. في إحدى التسجيلات تعترف هيرد بأنها ضربت ديب وتتحدّاه بالتحدث في الأمر للرأي العام، بدعوى أن لا أحد سيصدّق رجلاً مقابل كلام امرأة.

جوني ديب ليس بريئاً تماماً طبعاً. كان يتعاطى المخدرات والكحول بنهم، وتنتابه نوبات غضب وفقدان سيطرة. باختصار، هناك علاقة سامة بين شخصين، مارس الاثنين فيها الكثير من الأخطاء والعنف ربّما. علاقة ليس فيها ملاك خالص على طرف وشيطان تام على الطرف الآخر.

المحاكمة فرضت بعض الأسئلة للنقاش: بشكل عام، هل علينا تصديق أحد الطرفين دائماً لأسباب جندرية فقط؟ ما هي الحدود الفاصلة بين ضرورة الكلام على التجربة الشخصية والتشهير؟

عدا ذلك، التسجيلات التي تُذاع خلال المحاكمة نافذةٌ مثيرة لتلك الديناميكيات النفسية التي تحكم العلاقة بين رجل وامرأة. يبدو لي دائماً أننا نسعى إلى صيغ تبسيطية عادة في إطلاق الأحكام، خصوصاً في ما يخصّ علاقات الحب والزواج.

لماذا يبقى رجل مع امرأة ما أو امرأة مع رجل مع أنهما غير سعيدين سوية (على أقل تقدير) أو في الحد الأقصى، يسعى كل واحد منهما لتحطيم الآخر؟

كيف يمكن أن تتأرجح علاقة ما بين الحب والكره بهذه السهولة؟ هل مصدر طاقة الحب مختلفة كثيراً عن طاقة الكره، أم أن الأمر، مثل قوانين الطبيعة الفيزيائية، مجرّد تغيير الشحنة الكهربائية للطاقة نفسها من موجبة إلى سالبة، وتغيير كهذا أسهل مما يتوقع البعض.

هل نسعى دائماً إلى لقاء من يشبهنا أو مَن هو ضدّ لنا؟

النصائح الزوجية الأفلاطونية والمعادلات الهندسية والوصفات الجاهزة للعلاقات السوية هي بالتأكيد أسوأ وأفشل طريقة لفهم تعقيد علاقات الحب والكره والزواج والطلاق.

البشر جميعاً يخافون بدرجات متفاوتة من الوحدة والفشل والذنب والرفض. لذلك ستبقى هناك أشياء كثيرة في اختيارات الإنسان وانجذاباته من الصعب أو من المستحيل فهمها وتفسيرها.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.