المغرب والمشرق.. سوء الفهم الكبير

سناء العاجي

بقدر ما تحمل هذه التدوينة من جهل بخصوص أبسط تفاصيل تاريخ المغرب، بقدر ما تدعو للتساؤل: ما الذي يجعل تاريخ المغرب شبه مجهول عند أغلب المشارقة؟

قبل إلقاء اللوم على الآخر، لنتأمل بداية مسؤولية المغرب في هذا الأمر، سواء على مستوى المؤسسات الرسمية أو على مستوى القنوات الموازية (الإعلام، الدراما، المجتمع المدني، إلخ).

للأسف، “المغرب الرسمي”، وفي أغلب الأحيان، يطور آليات البروباغندا أكثر مما يركز على التواصل الجدي المبني على محتوى حقيقي… والبروباغندا، بطبيعتها، تنتج الإشعاع اللحظي والانفعالي، أكثر مما تحقق تأثيرا حقيقا وبعيد الأمد.

من جهته، فإن الإعلام المغربي، وتحديدا منه الإعلام التلفزيوني، لا يترجم بشكل صادق التحولات والدينامية التاريخية والمجتمعية والسياسية والحقوقية التي يعرفها المغرب (اللهم بعض الاستثناءات المحمودة، والتي تبقى قليلة).

إعلام رسمي في مجمله، يقدم تصورا تقليدانيا وبائدا عن المغرب، سواء سياسيا أو حقوقيا أو اجتماعيا؛ ولا يترجم الدينامية الحقيقة التي يعرفها هذا المجتمع على مختلف المستويات؛ ولا حتى النقاشات الفعلية التي تدور داخله منذ سنوات طويلة (سلطات الملك، إلغاء عقوبة الإعدام، الحريات الفردية، حرية الإعلام، ميزانية القصر الملكي…).

جزء كبير ومهم مما يطرح للتداول في الندوات العمومية وفي الإعلام المكتوب، بجرأته وجديته، شبه غائب على مستوى الإعلام التلفزيوني، الذي يبقى صلة الوصل الأقرب مع شعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. عبره يتعرفون علينا عن بعد! لكن الصورة التي يعكسها لديهم إعلامنا التلفزيوني… باهتة ولا تشبهنا.

من ناحية الدراما المغربية، فهي، إضافة إلى عدم نجاحها في اختراق قنوات خارج المغرب، لم تنجح إلا نادرا في التعبير عن تحولات المجتمع وعن تاريخه الحقيقي.

اليوم مثلا، يعرف الكثير من المغاربة تفاصيل كثيرة عن تاريخ مصر، ليس من المدرسة، لكن أساسا من الدراما المصرية. تركيا تسلك نفس المسار منذ بضعة سنوات. لكن المغرب يظل بعيدا عن تحقيق ذلك.

حدث لي مثلا أن التقيت بفاعلين في المجتمع المدني بعدد من الدول المشرقية، وبمستويات جامعية، لا يعرفون على سبيل المثال أن المغرب لم يوجد أبدا تحت الحكم العثماني (الأخير توقف عند حدود الجزائر)؛ وأن المملكة المغربية موجودة منذ قرون (بعض من يحتسبون تاريخها الإسلامي فقط ينسبون وجودها لـ 12 قرنا خلت. لكن احتساب تاريخ وجود دولة المغرب ككيان سياسي وكدولة، حتى قبل الوجود الإسلامي، يعود لأكثر من ذلك بكثير).

هل استطاعت الدراما المغربية أن تعرفنا بشكل ممتع على هذه التفاصيل التاريخية، وعلى شخصيات صنعت التاريخ القديم (زينب النفزاوية، ادريس الأول، ميمونيدس، يوسف بن تاشفين، ديهيا الأوراسية، السيدة الحرة، كنزة الأوربية، سحابة الرحامنية، فاطمة الفهرية، الحسن الوزان\ليون الإفريقي،…) والتاريخ الحديث (ثريا الشاوي، عبد الكريم الخطابي، سعيدة المنبهي، المهدي بنبركة، محمد الزرقطوني، محمد بن العربي العلوي، ادريس بنزكري، العربي باطما، مليكة الفاسي، خناثة بنونة)، وغيرهم؟ للأسف لا. بل حتى أن بعض هذه الشخصيات، كالحسن الوزان\ليون الإفريقي، عرف اهتماما روائيا وسينمائيا غربيا في حين لا يعرفه الكثيرون في المغرب والمشرق.

هذا طبعا لا ينفي مسؤولية الآخر. خارج شعار “الأمة العربية” التي لا تحمل الكثير من المعنى في الأصل، بالنظر لكمِّ الاختلافات السياسية والتاريخية والثقافية والمجتمعية بين مختلف دول المنطقة… خارج هذا الشعار، ألا يفترض أن يسعى الآخر أيضا لمحاولة الفهم، خارج الصور المغلوطة والنمطية؟ بل وخصوصا حين يرغب هذا الآخر في الإدلاء برأيه في نقاش مجتمعي و\أو سياسي يخص البلد.

كيف تنجز فيديو أو تكتب مدونات وتغريدات ومقالات عن بلد ومجتمع تحمل عنه الكثير من الأفكار المغلوطة، بما فيها ما يتعلق بتاريخه الحديث؛ بل وتستعمل تاريخا مزيفا لبناء حجاجك؟

باختصار… هناك مساحات من سوء الفهم قد نتقبل وجودها وفشل مختلف الأطراف في تجاوزها (فكما قد لا نعرف تفاصيل عن تاريخ مونتينيغرو في أوروبا الشرقية، قد لا نعرف الكثير أيضا عن بلد من بلدان المنطقة). لكنه من غير المقبول أن نتحدث عن مجتمع أو دولة ونحلل ونناقش… ونحن غارقون في كمٍّ من الجهل عن هذا البلد وهذا المجتمع، بل ونتصور مع ذلك أننا نناقش “حقائق”!

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.