المعرفه الحقيقيه للناس


علينا عدم إستخدام ذواتنا كمقياس عند التعامل مع الغير , قد نكون صالحين والغير طالح , وقد يكون العكس . الآخرون معقدون وهم لا يأتون مع دليل إستخدام كما يحصل عند شراء الأجهزه ، بل هم أكثر ذكاءاً من نظام تشغيل الكومبيوترات الحديثه , ولهذا فلن نتوقع أبداً ما سنحصل عليه منهم , سواء كانوا غرباء عنا أو كانوا من أقرب المقربين

سنستوعب حجم الآخرين بعد أن نفهمهم جيداً . هناك الكثير من القاده والمدراء يمتلكون خبرة جيده في تشخيص طبيعة الأفراد , وهم يمتلكون ميزة وضع هؤلاء الأفراد في المكان الصحيح الذي يستحقونه , كما يمكنهم القول بأن هذا الشخص صالح وذلك طالح , طيب أو خبيث , قادر أو عاجز , بشخصية جيده أو سيئه . هؤلاء القاده والمدراء لا يعلمون علم الغيب , لكنهم يستنتجون كل هذه المعلومات من مراقبة أخلاق الأفراد وكلامهم وسلوكياتهم وأفكارهم وعلومهم ومعارفهم وطبيعة علاقاتهم مع الغير . على أية حال تبقى تلك المراقبه مجرد آليه قد تصدق وقد تكذب في معرفة الغير , لأن بعض الغير يمتلكون ألف وجه وألف قناع

هناك حكمة تقول : دخول الجنه أسهل من معرفة الغير , ولهذا كان قادة الدول ورؤساء المؤسسات الكبرى يعتبرون ناجحين أو فاشلين إعتماداً على مقدار تعاملهم في إداراتهم مع أشخاص ناجحين أو فاشلين , ولهذا كان خطأ الوزير محسوباً على الرئيس , وخطأ الموظف محسوباً على مديره

الأشخاص الذين يخدعهم المقربون منهم , أو يخونهم زملاؤهم , أو يتم طردهم من العمل بواسطة مدرائهم , لا يملكون إلا أن يلوموا أنفسهم لأنهم لم يتمكنوا من معرفة الناس الذين لهم بشكل جيد ولهذا وضعوا أنفسهم في مواقف لا يحسدون عليها , وقد يبرر بعضهم إندفاعه بسبب حاجته الى القريب أو الصديق أو الزميل , لكن من المؤكد أن تلك الحاجه لن تبرر الندم المبرح حين ستقع الواقعه

المعرفه الحقيقيه للناس تحتاج الى معرفه عميقه لا تتحقق بغير الحكمه ولا تكتسب بغير الخبره والفهم . كل ما تقدم لا يعني أن نتعامل بروح الشك مع الغير , على العكس يجب أن نتحلى باللطف والأدب والتواضع وروح الصداقه والإحترام والإستماع الى الطرف الآخر في كل ما يقول

تبقى هناك طريقه ممتازه في معرفة الغير وهي أن نمنحهم تقديراً أكبر من اللازم , لأن التقدير العالي يدير الرؤوس , علينا مجاملتهم وإمتداحهم والسؤال عنهم وتقديم بعض المساعدات الممكنة لهم , من كان يستحق كل هذا لن يتغير بل بالعكس سيقدر ويبلور العلاقة الى أحسن صورها , أما من كان لا يستحق فسيبدأ بالتعالي والتكبر ومنح نفسه مكانة هو لا يستحقها , عندها يفترض بتر العلاقة معه , وخسران بعض الوقت أفضل كثيراً من خديعة كل الوقت

على المرء أن يبذل مجهوداً عظيماً عند التعامل مع الغير لكي يتعلم كيف يضعهم في المكان الصحيح الذي يستحقونه فلا يتعرض الى خديعتهم أو غدرهم أو خيانتهم , حيث يستغلونه وقت حاجتهم له فيما يتخلون عنه حين يحتاجهم

د. ميسون البياتي

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.