المرجعية الدينية واحداث العراق

في النظم الديمقراطية والدول المتحضرة والمتقدمة، يحكم فيها السياسيون من اعضاء الحكومة والبرلمانات ورجال الدولة وفق الدستور والقوانين والقضاء، لا تتدخل اي مرجعية دينية في السياسة للدولة، فالدين والسياسة منفصلان تماما، ولا يؤثر احدهما على الآخر مطلقا، كل من رجالها المتخصصين يقوم بواجباته بعيدا عن الآخر دون تداخل . والدستور هو القانون الأعلى للبلاد ويحتكم له كل الفرقاء. ومن يشرعه هم قضاة ومتخصصون بالفقه الدستوري، وليس السياسيون واعضاء الأحزاب والكتل السياسية. يستندون في التشريع على ميثاق حقوق الأنسان وحرية التعبير والحرية العامة و طريقة الحكم وانظمته . اما في العراق، فإن من يشرع الدستور هم رجال الأحزاب والكتل السياسية الذين يصوغون فقرات الدستور على مقاساتهم وكيف يكسبون المغانم والمكاسب والسيطرة على السلطات الحكومية لصالح احزابهم وعناصرهم الحزبية والدينية.
ونتيجة لهذه السياسة الغير ديمقراطية بل الأنتهازية والمصلحية في العراق، ثارت جماهير الشعب المظلومة ضد الحكومة والأحزاب والكتل السياسية والمتسترة بالدين والأثنية والأقطاعية التي استغلت المحاصصة للسيطرة على الوزارات ومقاعد البرلمان ونهب ثروات الدولة واموال الشعب العامة، وبيع وشراء المناصب للاستحواز على المناصب التي تدر ارباحا طائلة للاحزاب، واستغلال سلطتها ونفوذها لتهريب النفط الخام وبيعه لحسابها الخاص .
في العراق توجد سلطة عليا غير سلطات الدولة الثلاث، لها التاثير الكبير في توجيه سياسات الدولة الداخلية والخارجية والاقتصادية والأمنية، وهي سلطة المرجعية الدينية . لابد لمن يترشح لمنصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئاسة البرلمان في العراق أن يحضى بمباركة المرجعية الدينية والولي الفقيه في ايران اضافة الى موافقة الحكومة الأمريكية واجهزة مخابراتها . ولابد ان تقدم الأحزاب المحلية المرشح المقبول والمتوافق عليه جميعا لأستلام ذلك المنصب، ولا ننسى ان تكون المحاصصة المذهبية والأثنية هي العامل المشترك لتقسيم هذه المناصب بين الكرد والسنة والشيعة .
عانى شعب العراق الأمرين واجترع المر من هذه السياسات والتحاصص و تقاسم مغانم الدولة وثروات الشعب، وتدمير اقتصاد العراق وانهاء الزراعة والصناعة وغلق المصانع المنتجة وارتفاع البطالة حتى انفجر الشعب بثورة تشرين مطالبا بتغيير كل ما حصل سابقا ، وطالب باستقالة الحكومة الحالية واجراء انتخابات مبكرة يترشح لها ابناء الشعب من غير الأحزاب الدينية ولصوص المال العام الذي نهبوا الدولة وخيراتها ويدينون بالعمالة لدول اقليمية واجنبية .
ثار الشعب منتفظا رافضا سياسات هذه الحكومات العميلة لأيران، الدولة المهيمنة على سياسة العراق و ثرواته وتاسيسها ميليشيات مسلحة تأتمر بأمر قاسم سليماني منذ 2003 ولحد الأن .
حكومة العمالة في بغداد ان اعترض عليها الشعب وهذا حق من حقوقه الدستورية تقابله بالرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع والخانقة والحارقة للجلد. فقتلت اكثر من 450 مواطنا واصابت بجروح واصابات وعوق اكثر من 20 الف مواطن . حتى رضخت اخيرا لمطالب الشعب وقدمت استقالتها للبرلمان غير ماسوف عليها.
كانت المرجعية الرشيدة تمسك العصا من الوسط للمداهنة بين الحكومة والشعب، مرة تبارك تعيين الشخصيات المشبوهة والغير نزيهة بالمناصب العليا دون ان تعترض على سرقات المسؤولين ونهب خيرات البلد وتهريب النفط الى (الجارة العزيزة) ايران، ومرة تؤيد مظاهرات الشعب وانتفاضته ضد الحكومة وسلطة الشر التي تدير شؤون البلاد والعباد .
بعد استشهاد مئات الشباب بعمرالزهورواصابة عشرين الف مواطن بين جريح ومعوق مطالبين بحقوقهم، وبعد مطالبة المثقفين ان تصدرالمرجعية فتوى بحرمة قتل المتظاهرين . الان تقول المرجعية ان مهمتها هي النصح والأرشاد ولا تتدخل في سياسة ونظام الحكم.


هل توجد دولة في العالم المتحضر ما عدى العراق وايران ، تكون للمرجعية الدينية فيها السلطة العليا لأدارة دفة الحكم و مباركة من توافق عليه ايران لتولي منصب رئاسي في العراق ؟
انها حالة شاذة لتدخل الدين بالسياسة، وهذه هي النتائج الكارثية ، شعب يُقتل وتنهب خيراته وتجيّر ثروات العراق لصالح خزينة ايران، وتستولي الأحزاب الدينية الأسلامية والعميلة مقاليد الدولة والحكومة لصالح من تقبض منه ثمن عمالتها .
اننا ننتظرالان مالذي ستنتجه ثورة الشباب التشرينية التي قدمت دماء ابنائها ثمنا للحرية . وماذا ستؤول اليه الأحداث التي لازالت تغلي على نار الانتفاضة ونيران الدسائس الحزبية والتدخلات الأقليمية
وإن غدا لناظره قريب .
صباح ابراهيم
6/12/2019

About صباح ابراهيم

صباح ابراهيم كاتب متمرس في مقارنة الاديان ومواضيع متنوعة اخرى ، يكتب في مفكر حر والحوار المتمدن و مواقع اخرى .
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

1 Response to المرجعية الدينية واحداث العراق

  1. س . السندي says:

    ١: عزيزي عن أي مرجعية تتكلم والكل في العراق غدى مرجعية ؟

    ٢: المرجعية الحقيقة السيد ” السستاني” قد توفى منذ عام 2005 ، ومن يدير وكره ضباط مخابرات وابنه “محمد رضا” الذي يلعب بأموال الشيعة المغفلين لعب مع قاسم سليماني ؟

    ٣: وأخيراً
    من المؤسف جداً أن نقول من يعمل بيدو ألله يزيدو عفن وحيرة ، ومن لا يعرف تدابيره حنطة تأكل شعيرة ، ويشربوه بول البعير ويگلوله بيرةً ، رغم أن شبابنا المنتفض يصرخ بعاملي الصوت وبكل غيرة ، ياجماعة السستاني مات وإيران تضحك علينا بالمرجعية العميلة والحقيرة ، سلام ؟؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.