المحامي ادوار حشوة : مخاطر الأحزاب الدينية في مجتمع تعددي


اثناء الاحتلال الفرنسي ومع بداية الاستقلال كان الشعار الشعبي ( بدنا الوحدة الوطنية إسلام ومسيحية )
مثل التيار الإسلامي الأغلبي الاعتدال
وتفهم التعدديات السورية واحتواها في الوحدة الوطنية وكان من عناوين هذا الاعتدال تكليف فارس الخوري برئاسة الوزارة ثم المجلس النيابي وحتى تم تعيينه وزيرا للأوقاف الإسلامية !
وصار سلطان باشا الأطرش قائدا للثورة السورية ضد فرنسا وتصدر النضال ضد الفرنسيين في جبال العلوين الشيخ صالح العلي وصار الأكراد في قلب الحركة الوطنية !
(كل أحزاب الساحة بعد الاستقلال كانت تضم منتسبين من مختلف الأديان والطوائف والعناصر لأن السياسة لا الدين كانت محل تنافس على شرف الخدمة العامة .)
اول حزب كان منتسبوه من لون إسلامي واحد هم الإخوان المسلمون وكانوا تنظيما تستر بالدعوة لبعث الإسلام جاء به الى سوريا بعض الطلبة الذين درسوا في جامعة الأزهر في القاهرة وأسسوا جماعة الإخوان على المثال المصري .
لم يظهروا في سورية بداية كحزب سياسي وكانوا يوالون كبار المشايخ والاقطاع الحاكم الذي جندهم لمقاومة اليسار بشقيه الاشتراكي والشيوعي.
هذا الحضور الإخواني بقي معزولا ولم ينجح في السياسة حيث فشل جميع مرشحيه في الانتخابات النيابية .
كان للإخوان حضور شعبي ويدعو الى اعادة مجد الإسلام وتطبيق الشريعة ولكن في السياسةكان الإخوان في حلف مع الاقطاعيين و اتهموا الشيوعين والاشتراكيين بالإلحاد والقومية العربية بالجاهلية !
في تظاهرات الشعب في ذكرى سلب تركيا للواء إسكندرون كان الإخوان يرفضون المشاركة لأن اللواء ذهب من ديار الإسلام الى ديار الإسلام.!؟
في الجمعية التأسيسية بعد سقوط انقلاب حسني الزعيم قادوا التيار الذي كان يطالب بأن يكون رئيس الدولة مسلما سنيا وان يتم تطبيق الشريعة . هذه الدعوات كانت بداية للحرب على الأعتدال الإسلامي الوطني الذي حكم المجتمع بعد الاستقلال .
صار التحريض الديني على طاولة الحوار بديلا عن السياسة وكمثال : الشيخ مصطفى السباعي مرشدهم مع بعض المشايخ خاضوا معركة دينية في إطار وضع دستور عام ١٩٥٠


وصل الشيخ السباعي مع اكرم الحوراني الى حل وسط دستوري هو ( دين رئيس الدولة الإسلام والفقه الإسلامي مصدر رئيسي من مصادر التشريع ) . وافق الشيخ مصطفى على الانتقال الى حل وسط هو عبارة دين رئيس الدولة الإسلام بدلا من تخصيصه باهل السنة, وبدلا من تطبيق الشريعة الى الفقه كمصدر رئيسي وبمعنى آخر بدلا من تطبيق الشريعة الأنتقال الى نص يمنع مخالفتها!
(وفي سوريا منذ الاستقلال وحتى الان وبنص دستوري أو بدونه لم يصدر اي قانون يخالف الشريعة !)
طبعا هذا النص يتعارض مع الدستور الذي ينص ان المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات ولكن بسبب هذا الخوف من تصعيد ديني متطرف تقبلوا هذا التخريج الذي سحب التحريض الى زمن ولم يكن عادلا .!
بعد سقوط ديكتاتورية الشيشكلي وعودة الديمقراطية صار لهم في الجيش كتلة تساند افكارهم من قبل ضباط من بقايا عائلات إقطاعية في دمشق وحمص وحلب وتميزت بالمداومة على الصلاة !
حاذرت كتلتهم ان تصطدم بالكتل الأخرى الأقوى وفقط كانت تمارس طقوس العبادة في أوقاتها .!
بعد قيام الوحدة التي كان من شروطها الضمنية ( حل كل الأحزاب ومجلس النواب والحكم العرفي والتعهد بمقاومة الشيوعية والإخوان ) جرى تسريح كل الضباط الحزبين في الجيش ونقلهم الى الوزارات وبقيت كتلة المتدينين الاسلامين في الجيش على أساس انها ليست حزبا وأكثر من ذلك جرى تسليم ضباطها مواقع مهمة في القطعات والأركان من قبل المشير عامر وخلافا لرأي السراج !
هذه الكتلة التي احتوت خليطا من المتزمتين الإسلامين والإخوان وابناء التجار والإقطاعين وأغلبهم من دمشق هي التي انقلبت على الوحدة عام ١٩٦١
اول تمثيل للأخوان المسلمين في الوزارة كان في عهد الانفصال حيث جرى تمثيلهم بوزير من اللاذقية من آل الطويل !
في هذه الفترة انقسم الإخوان الى فريقين اختلفا سياسيا على الزعامة, احدهما اصدر جريدة المنار والثاني جريدة اللواء
وجود الإخوان في الوزارةًكانت تجربة تقبلتها الأحزاب اليسارية لتشجيع الإخوان على العمل بالسياسة وفق نظام تبادل السلطة في الديمقراطيات بديلا عن (الطليعة المؤمنة ) التي تستولي على السلطة منفردة باسم الإسلام !
بعد الثامن من آذار ١٩٦٣ صار الحكم للبعث منفردا كقائد للدولة والمجتمع
وفي هذه المرحلة حلت جميع الأحزاب بما فيها الإخوان .
بعد الحركة التصحيحية ١٩٧٠ مع بقاء البعث قائدا للدولة والمجتمع سمح للأحزاب التي تقبل ان توالي الاسد
بالحضور السياسي في إطار ( جبهة وطنية تقدمية ) كانت رمزية ولا اي دور سياسي لها وقوبلت شعبيا بالرفض.
الاشتراكيون العرب ( تنظيم الحوراني ) والاتحاد الاشتراكي (جمال الاتاسي ) والشيوعي (رياض الترك) كانوا
خارج هذه الجبهة وشكلوا مع المستقلين تحالفا سياسيا معارضا ( التجمع الديمقراطي ) كان ممنوعا ومراقبا ومحل اعتقالات.
الأخوان المسلمون قادوا المعارضة الدينية ضد النظام لا من باب السياسة بل من باب الدفاع عن أهل السنة وضد العلوين .!
في العراق تم الاتفاق على تحالف سياسي معارض هو ( جبهة تحرير سورية ) من بعث العراق والاشتراكيين العرب ومن الإخوان المسلمين وعدد من المستقلين وكلف اكرم الحوراني بقيادته.
لم يرد في ميثاق هذا التجمع اي بند يتضمن العمل المسلح بل العمل بالوسائل السياسية.
ما جرى ان النظام العراقي ذهب للعمل المسلح مع الإخوان المسلمين ودفعهم لإحداث فتن طائفية واغتيالات ودعمهم بالمال والسلاح وهو الأمر الذي رفضه الحوراني فغادر العراق الى فرنسا لهذا السبب!
في سوريا تركز الدعم المسلح على جناح الطليعة من الإخوان في حماة الذين قادوا تظاهرات ١٩٨٠ وحطموا المحلات السياحية واغلقوا متاجر المدينة التي تولى الاشتراكيون اعادة فتحها.
ازدادت عمليات الاغتيال والتفجيرات في دمشق وحمص وفي عام ١٩٨٢ قاد النظام حملة عسكرية ضد تنظيمهم
وتسبب ذلك في مقتل الألوف وهجرتهم
وقيام النظام بتصفية شاملة للإخوان في كل سورية دون التفريق بين من حمل السلاح وغيرهم وبين من كان من الإخوان. من عشرين عاما عبر قانون فريد من نوعه في السياسة هو القانون ٤٩ وهو الحكم بالإعدام على كل من انتسب أو ينتسب للإخوان !
بعد وفاة حافظ الاسد كان جناح المعتدلين بقيادة اخوان حلب قد حققوا نقل قيادة المرشد الى الأستاذ البيانوني الذي اقترح مبادرة شجاعة تجاوزت تاريخ الدم وحملها إلينا المرحوم منصور الأطرش لإبداء الرأي وهي :
( الأخوان المسلمون لا يعتبرون بشار الأسد مسؤولا عن الماضي ويعلنون استعدادهم لنبذ العنف والعمل بالوسائل السياسية ويطالبون بإطلاق سراح المعتقلين وإلغاء القانون ٤٩ )!
الأستاذ الأطرش ابلغنا مع اهتمامه بالمبادرة الا انه لا يثق بهم .!
في حركة الاشتراكين العرب درسنا المبادرة ووجدناها فرصة ذهبية للمصالحة الوطنية بعد المجازر التي تجاوزت كثيرا الحدود المقبولة سياسيا وتسببت في مقتل الأبرياء وفرصة لدعم إرادة التغيير لدى الإخوان. وخاصة نبذ العنف ورأينا دعم هذه الفرصة لا أغلاق الأبواب بمواجهتها
خاصة اننا كنا ضد القانون ٤٩ لانه أيضا تجاوز الحد في الرد ولجهة المعتقلين كنا نشجع على إطلاقهم وخاصة الذين لم يمارسوا العنف بعد ان توقف التدخل العراقي و استتب الأمن لذلك
أبدينا دعمنا لها واعتبرناها مبادرة شجاعة وتأملنا ان تبدد مشاعر الكراهية
وتحول الصراع من الدين الى السياسة.
النظام بعد دراسة المبادرة في المجلس العسكري رفضها جملة وتفصيلا وفوت على سورية فرصة مهمة سياسيا .
بعد الانفجار الشعبي عام ٢٠١١ والذي لم يكن الإخوان طرفا فيه تدخلوا فيه
لاحقا بعد ان ذهب النظام الى الحل الأمني فاستقدموا المقاتلين من الخارج من تونس وقطر وتركيا ولبنان والسعودية وأوروبا واستقدموا السلاح وحولوا الصراع من السياسة الى الدين
وفتحوا الطريق لتنظيم القاعدة ان يدخل ثم لاحقا داعش .
اول من ربط الصراع السوري ضد الاستبداد بالدول الخارجية هم الإخوان
المسلمون ثم اجهزوا عن طريق هؤلاء على اغلب قيادات الانفجار الشعبي السلمي الذين رفضوا عسكرة الثورة .
وتولى تنظيم الإخوان الدولي خطف تمثيل الثورة عبر تشكيل المجلس الوطني بالاتفاق مع حزب رياض الترك وبعض المستقلين وأهملوا عن عمد قوى المعارضة السياسية السلمية وجاءوا بالدكتور برهان غليون كستارة لسيطرتهم وصلاتهم الخارجية والذي سرعان ما اكتشف ذلك وغادر .!
وهكذا يمكن تحديد اخطاء الإخوان في سوريا :
١- كانوا اول حزب ديني ربط السياسة بالدين وصار الانتساب اليه وقفا على أهل السنة !
-٢- اغتال حزب الإخوان الاعتدال الإسلامي الديمقراطي عبر التحريض الديني ونشر التعصب ضد كل الأقليات والعناصر.
٣- اعتدى الإخوان على الوطنية السورية والدفاع عن الأرض حين لم يعتبروا استيلاء الاتراك على كل الشريط الشمالي ولواء إسكندرون اغتصابا لان هذه الأرض ذهبت الى ديار الإسلام اي احلال الأممية الإسلامية محل الوطنية السورية .
٤- قام الإخوان بأول اختراق لحق المساواة في اول دستور شرعي عام ١٩٥٠ حين حشدوا وحرضوا دينيا من اجل ( دين رىيس الدولة الإسلام وتطبيق الشريعة ) فنتج عن ذلك شعور الآخرين بعدم المساواة خلافا لنص الدستور .
٥-حولوا الصراع السياسي السلمي عام ٢٠١١ باتجاه العسكرة وحمل السلاح .
٦- كانوا وراء استدعاء الأجانب. للمشاركة في حرب مسلحة فأعطوا المبرر لتدخلات مضادة
٧- حولوا الصراع الوطني من مقاومة الاستبداد الى صراع طاىفي سني علوي فساهموا في تثبيت وحدة ضباط الجيش مع الاسد .
٨- تسببوا في قسمة المعارضة السياسية الى معارضة الداخل ومعارضة الخارج باحتكار تمثيل الثورة وحدهم بدون حق .
٩- ساهموا في عزل وقتل وتهجير قيادات الشباب الذين قادوا الثورة السلمية السياسية.
-١٠-سهلوا دخول القاعدة وداعش ونسجوا معهما خطوط اتصال فتسبب ذلك في إقناع دول العالم بوجود إرهاب يقاتله النظام ودعموا بقاءه !
فيما يتعلق بالتيارات الدينية المعاصرة كانت وجهة نظرنا المعلنة والمكتوبة عام ١٩٨٥ في مؤتمر الأحزاب الاشتراكية
في طرابلس بلبنان :
( ان سبب تصاعد التيارات الدينية المعاصرة يعود الى احزاب اليسار العربي والحكومات التي تنسب نفسها اليه. والذين قمعوا الحريات ونشروا الأحكام العرفية وأقاموا أنظمة استبدادية فهرب الناس من ظلمهم الى رحمة الله وتلقفتهم احزاب دينية ومنظمات ارهاب وما لم يصلح اليسار العربي نفسه فان هذا التيارات ستصعد
وتنقلنا من وحشية الاستبداد الى وحشية دينية مشابهة !
مع انني اعترف بأن الإخوان على اخطائهم أفضل كثيرا من التنظيمات المعاصرة التكفيرية وفيهم قطاع كبير يريد العمل بالوسائل السياسية ويقمعهم النظام ورفاقهم من الطليعة المؤمنة والمراهنة على هذه الشريحة ليس من الأخطاء السياسية بل من أذكاها ولدفعها نحو العمل بالسياسة بعيدا عن العنف والارتزاق الخارجي !
أي تقسيم لسورية تقرره الدول الكبرى
سيأخد مبرراته من تحويل الإخوان الصراع مع النظام من السياسة الى السلاح ومن حق الحرية الى الحرب الدينية الطائفية.
أتمنى من هذا النقد ان يكون رسالة الى المعتدلين منهم للعمل بالوسائل السياسية ونبذ العنف والتدخل الخارجي ولا احد يرغب بحقهم اذا جاء من صناديق الاقتراع !
هل هو حلم ؟
لا أدري
وهذا هو السؤال
٢٢-٨-٢٠١٩

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.