المجتمع الدرزي مدين باعتذار لنسائه

رجا سليم

من جملة ما نتغنّى به نحن الدروز، “انفتاحنا” و”تحررنا”، ويتغنّى بـ “سماحة” طائفتنا الآخرون.

كان يحلو لي أحياناً مجاراة هذا الوهم، والتفاخر بانتمائي لهذا المجتمع “المنفتح”، إلا أنني في قرارة نفسي أعي تماماً أن هذا المجتمع، كغيره من المجتمعات الذكورية/ الأبوية/ الدينية، كان جلاداً على رقاب الكثير من النساء المحسوبات عليه.

أعلم أن الخوض في هذا الموضوع بمثابة العبث بعشّ دبابير. أنا خضت حربي الباكرة مع هذا المجتمع وحيدة وبصمت، وتحملت نتائجها. ولكي أكون صادقة مع نفسي ولكي أقنع ذاتي، أولاً وقبل أي أحد آخر، لا يمكنني المجاهرة يومياً بدعمي المطلق وغير المشروط للنساء ولحقوقهن وحرياتهن، ورفضي المطلق للسلطة الذكورية والأبوية، دون الإقرار بأن المجتمع الذي كبرت فيه لم يكن أكثر إنصافاً بحق نسائه من مجتمعات موصوفة بالتشدد.

مجتمع الدروز الذي أنا منه ليس بحاجة لأن يشهر سوط القسوة والترهيب والتهديد كثيراً في وجوهنا، ببساطة لأننا – نحن النساء المحسوبات عليه – نحفظ الدرس عن ظهر قلب كما حفظته جداتنا وأمهاتنا. نحن نولد من أرحام أمهاتنا الدرزيات موقّعات على صك ملكيتنا للمجتمع الدرزي، شئنا أم أبينا.

ولكون النساء، عموماً، مطالبات ببرهنة وتبرير كل مخاوفهن والظلم الذي يطالهن، أستعرض هنا ثلاث قصص (جرائم) حقيقية، يا للأسف ويا للخجل، لنساء من المجتمع الدرزي، تزوجن/ أحببن أشخاصاً من خارج الطائفة وعاقبهن المجتمع “المنفتح” بالقتل.

مجتمع الدروز الذي أنا منه ليس بحاجة لأن يشهر سوط القسوة والترهيب والتهديد كثيراً في وجوهنا، ببساطة لأننا – نحن النساء المحسوبات عليه – نحفظ الدرس عن ظهر قلب كما حفظته جداتنا وأمهاتنا
أغلبكم/ن سمع بـ “هدى أبو عسلي” التي قضت مقتولة على يد أخيها (عام 2005)، أمام باب بيتها، لأنها تزوجت حبيبها غير الدرزي.

حين قُتلت هدى كنت في سنتي الجامعية الأولى، حينها انتقلت من السويداء إلى دمشق، ليس فقط للدراسة وإنما للابتعاد عن البيئة التي ربيت فيها وتعلقت بها عاطفياً، إلا أنني لم أتفق مع كثير من عاداتها وقوانينها، خاصة المتعلقة بالفتيات والنساء.

في عيون عائلاتنا أصبحنا كلنا مشاريع “هدى”، وكما جرت العادة، عند كل حادثة من هذا النوع، وهنا أقصد حادثة زواج هدى وليس قتلها، لأنه أسهل على عائلاتنا أن نكون موتى من أن يخيّل لهم أننا متزوجات بأشخاص من “برا الملة”، تنتعش المخاوف والأسئلة المصيرية: ماذا لو كانت ابنتنا بدل هدى؟

بالنسبة لي، لم تكن “هدى” المرأة الأولى التي أعايش جريمة قتلها لزواجها بغير درزي، فالأولى كانت (ر**ة. ش)، سيدة أربعينية أردنية من عائلة درزية. تزوجت برجل من خارج مجتمعها وأنجبت أطفالاً. انتظرت عائلتها حتى أصبح أخاها الأصغر في سن تخوله (بدنياً) لإنهاء حياة شقيقته، مع الحرص على ألا يكون قد أتم الثامنة عشر، ليحاكم محاكمة الأحداث ويتجنب فترة سجن أطول، باعتبار أن القوانين في بلداننا لا يعول عليها، وخاصة المتعلقة منها بالنساء.

الدروز وكابوس الزواج المختلط

حين نتبنّى رواية المضلِّل: التجنيد الإجباريّ المفروض على الفلسطينيّين الدروز

عصور من التكتم والسرية… صورة الموحدين الدروز ومستقبل تاريخهم

لم أقرأ قصة (ر**ة) في الجريدة ولم أسمعها على ألسنة الجارات والصديقات، سمعت تفاصيل مقتلها من أمها، كنت متكورة في الفراش صباحاً ووجهي مدفون في وسادة.

1996، كنت طفلة، وفي زيارة مع عائلتي لأقاربنا في عَمان، استأجرنا بيتاً في بناء مكون من ستة طوابق، تملكه عائلة ر**ة. في أحد الطوابق تعيش والدتها ووالدها، وفي كل طابق يسكن أخ وزوجته.

تعرفت أنا وأختي على ابنة ر**ة، كانت تأتي لزيارة جدتها، من محافظة ثانية، وكنا نلعب معها.

اعتدنا اللّعب خلال زياراتها في غرفة الضيوف، كان فيها أريكة كبيرة بهتت ألوانها من جهة واحدة خلافاً للجهة الثانية. كنا أنا وأختي وابنة ر**ة نتجنب الجلوس على الجزء الباهت، ربما لأن الشمس كانت تدخل حادة من النافذة، وتستقر على هذا الجزء وتزيد من بهتانه.

الممارسات الدينية ليست حاضرة في الحياة اليومية لمعظم الدروز، ماعدا المتدينين منهم، لكن “السمعة” والخوف من كلام الناس، هي الحدود والحكمة والصلاة التي تحكم تفاصيل حياتنا.
في أحد الصباحات كانت أم (ر**ة) تشرب القهوة مع أمي في البيت الذي نقيم فيه. لم تلحظا استيقاظي ولم أجرؤ على النهوض من الفراش، حديثهما كان مخيفاً، ودموعهما كانت تغطي وجهيهما وهما تحاولان كتم صوتيهما كيلا يسمع أحداً نحيبهما.

قالت أمها لأمي: “بعد كل هالسنين، ولما صار أخوها (ط) بالعمر المناسب، عزمناها تجي لعنا لحالها. إجت ومضينا النهار سوا، كانت لابسة فستان أزرق. سألتا جوعانة يا ر**ة؟ قالت إيه بدي مرتديلا. أكلت ونادالها أخوها عالصالون، قعدت على جنب الصوفا، وهو السكين كانت بإيدو… انتبهتِ أختي إم زياد شي مرة للصوفا كيف باهتة من جنب وحدة؟ هون ماتت ر**ة”.

في صيف 2012، كنت في زيارة لعائلتي في السويداء، قبل منتصف الليل سمعنا أصوات رجال قادمة من منزل جيراننا، بعضهم كانوا بلباس الشرطة والبعض الآخر كانوا من الحيّ إلا أنهم بدوا ليلتها وكأنهم في مهمة، كلهم مجتمعون أمام باب الجيران. ذهب أخي ليسأل ما الأمر. قالوا له إن (ن***ة. م) ماتت.

(ن***ة) هي ابنة جيراننا التي كبرت مع أخواتي وكانت تزورنا باستمرار. كانت في الثلاثينيات حين قالوا فجأة إنها ماتت.

ما سبب الوفاة؟ سألنا والدها.

“قتلت نفسها، كانت تعاني من كآبة بسبب وزنها الزائد”، أجاب.

السلاح بارودة صيد مع كاتم صوت.

في بيتنا على الأقل، كنا على يقين بأن رواية الأب كاذبة، وبأن الصبية خرجت في مشوار مع شرطي كان يؤدي عمله في منطقتنا، وهو من محافظة ثانية (من طائفة/ ديانة أخرى بالضرورة).

منعتنا أمي من مواجهة والد (ن***ة) والصراخ بوجهه. صرخنا في المنزل وضربنا رؤوسنا بالجدران، صرخنا بوجوه بعضنا البعض وأفرغنا غضبنا على أمي طوال الليل، وفي الصباح مُنعنا من المشي في جنازتها، ولم نلق عليها نظرة وداع، ولم نحظ بلحظة لنقول لها آسفات.

اعتبرتها عائلتها (والدها)، بمباركة البلدة، منتحرة، وفي نظر المتدينين الزائفين، لا مأتم للمنتحر.

رغم حزنها، فضلت أمي غير المتدينة، الحصانة الاجتماعية على مواجهة القاتل. وحملتُ معي الغضب من نفسي وعائلتي ومجتمعي، والخجل من (ر**ة) وهدى و(ن***ة)، وغادرت السويداء وسوريا للمرة الأخيرة.

لعقود في سوريا، اقترن مصطلح جرائم “الشرف” بالسويداء أو بالمجتمع الدرزي، فلم يكن سراً أن بعضاً أو كثيراً من العائلات قتلت بناتها، ولن تتوانى عائلات أخرى عن قتل امرأة في حال زواجها بشخص من طائفة/ ديانة أخرى. زواج الرجال الدروز بنساء غير درزيات غير محبذ أيضاً، لكن هل سمعتم/ن يوماً عن عائلة قتلت ابنها لزواجه بغير درزية؟ أنا لم أسمع ولا أتمنى ذلك طبعاً.

لعقود في سوريا، اقترن مصطلح جرائم “الشرف” بالسويداء أو بالمجتمع الدرزي، فلم يكن سراً أن بعضاً أو كثيراً من العائلات قتلت بناتها، ولن تتوانى عائلات أخرى عن قتل امرأة في حال زواجها بشخص من طائفة/ ديانة أخرى
سخرية القدر أن تخسر نساء حيواتهن باسم دين أو طائفة، وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، في الحالة الدرزية، تخسر النساء حيواتهن على مذبح المجتمع وأحكام المجتمع، فالممارسات الدينية ليست حاضرة في الحياة اليومية لمعظم الدروز، ماعدا المتدينين منهم، لكن “السمعة” والخوف من كلام الناس، هي الحدود والحكمة والصلاة التي تحكم تفاصيل حياتنا. أيتها النساء، خياراتكن تدور في فلك قطره طائفة، تصرفن بالموجود، فصّلن الشريك المناسب على مقاس الآباء والأخوة والأعمام والأخوال والمشايخ ورجال القرية وصبيانها، وإلا الموت بداعي “الشرف”.

أخيراً وجب التنويه، نحن لسنا قطيعاً من المخلوقات المهددة بالانقراض، أن نولد لعائلات من خلفيات دينية أو اجتماعية معينة لا يعني أننا مسؤولون/لات عن استمرارية هذه الطوائف أو الأديان، خاصة إن كانت تعاكس رغباتنا وذواتنا. انحسار أي دين لا يشكل تهديداً لنا كبشر، لكن خسارة أرواح اختارت وأحبت وأزالت الحدود الزائفة، هي التهديد الحقيقي لإنسانيتنا.

*امتنعت عن ذكر اسميْ المرأتين الضحيتين، على مضض، احتراماً وحفاظاً على خصوصية وسلامة نساء أخريات من عائلتيهما، إلا أنني أردد اسميهما دائماً وأعتذر لهما كلما خلدت إلى ذاتي وقناعاتي.

المصدر: رصيف22

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.