المجاهرة بالإفطار من #حقوق_الإنسان

المجاهرة بالإفطار من حقوق الإنسان

حسين عبدالحسين/ كتب بموقع الحرة
تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورة من العراق تظهر عسكريا يحمل لافتة ـ بتوقيع الفرقة الثانية من اللواء الثامن في الشرطة الاتحادية ـ مكتوب عليها التالي: “المواطنين الكرام، يمنع التجاهر بالإفطار خلال نهار شهر رمضان المبارك، والمخالف يحاسب وفق القانون”.
والقانون المذكور، إن وجد، هو بلا شك قانون داعشي بامتياز، يخول بموجبه الحاكم وأزلامه لأنفسهم حق تحديد مأكل، أو ملبس، أو معتقد الأفراد في المساحات العامة؛ فإذا كانت حكومة العراق تسمح لنفسها بتحديد أوقات الأكل للناس، فما الذي يمنعها من معاقبتهم على حلق لحاهم، أو على تطويل ثوبهم، أو على خروج النساء سفورا؟
لا يمكن لحكومة العراق، إصدار “أوامر” بعدم المجاهرة بالإفطار في رمضان
ببحث سريع، لم نعثر على تشريع عراقي يمنع المجاهرة بالأكل والشرب في رمضان، بل يبدو أن القانون المذكور هو المادة 240 من قانون العقوبات، وهو قانون يتنافى وأبسط حقوق الإنسان والمفاهيم الدستورية، ويرد فيه أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر، أو بغرامة… كل من خالف الأوامر الصادرة من موظف أو مكلف بخدمة عامة، أو من مجالس البلدية، أو هيئة رسمية، أو شبه رسمية ضمن سلطاتهم القانونية، أو لم يمتثل إلى أوامر أية جهة من الجهات المذكورة الصادرة ضمن تلك السلطات”.


مفهوم أن تعاقب حكومات العالم من يرفض الامتثال لتعليمات المخولين تطبيق القانون، لكن للمواطن حق مقاضاة، والتسبب بعقوبات قاسية، بحق أي مسؤول عن تطبيق القانون لم يستند في “أوامره” إلى تشريع ما. مثلا، لا يمكن لشرطي في الولايات المتحدة اعتقال أي مشتبه به بدون إذن قضائي مسبق، أو بدون العثور على ممنوعات في حوزة من يتم اعتقاله، أو بدون ضبطه بجرم قتل مشهود. ولا يمكن لشرطي اعتبار “أوامره” قانونا ناجزا، واعتبار رفض امتثال أي مواطن لها جريمة عليها عقاب. حتى في حالات ضبط مواطن بجرم مشهود، يفرض القانون الأميركي على الشرطي، بالتعاون مع مدعي عام، إثبات روايته أمام المحكمة، وبحضور المدعى عليه ومحاميه. لهذا، يعرف من يحاول الاعتراض على ضبط مخالفة سير (مثل السرعة الزائدة)، أنه يمكن إقناع القاضي بحجته، فيما يقف الشرطي الذي ضبطه محاولا بدوره إثبات حجته.
لا قانون بلا تشريعات برلمانية تحظر المجاهرة بالإفطار، وهذه إن وجدت في العراق أو غيره، فهي منافية لقواعد حقوق الإنسان والديمقراطية. ولا يمكن لحكومة العراق، أو غيرها، ولا لوزارة الداخلية أو الوزارات المعنية، إصدار تشريعات. يمكن للحكومة إصدار مراسيم اشتراعية، وهذه تدخل في خانة تطبيق تشريعات قائمة، ويمكن لأي مواطن الاعتراض على المراسيم، وحتى إبطالها عن طريق المحاكم في حال ثبت تعدي الحكومة على صلاحية التشريع.
هذا يعني أنه لا يمكن لحكومة العراق، ولا لرئيسها، ولا لوزارة داخليتها، ولا للبلديات، إصدار “أوامر” بعدم المجاهرة بالإفطار في رمضان، ثم معاقبة المواطنين ممن لا يمتثلون لها، بل إنه من حق المواطنين مقاضاة أي جهة حكومية عراقية تحاول معاقبة المواطنين على مجاهرتهم بالإفطار، بتهمة اعتداء الحكومة على حرية الأفراد وتجاوزها حقوقهم.
إن الديمقراطية مبنية على حياد القانون والمساحات العامة، وعدم تأثر القوانين بأي من معتقدات المواطنين، جماعات أم أفراد، بحسب القول المأثور إن الدين لله والوطن للجميع، ولا يجوز لأي حكومة في العالم أن تفرض قوانين متأثرة بمعتقد غالبية السكان، بل عليها اعتبار أن لكل مواطن أو مواطنة معتقدات، وحقوق في التعبير عنها بالطريقة التي يشاؤون، فإن اختاروا المجاهرة بالإفطار، أو بالسفور، أو بالصيام، أو بالحجاب، أو باستهلاك المشروبات الروحية، أو بأكل الذبح الحلال، كلها خيارات متاحة ومسموحة في أي وقت، وعلى الحكومات كفالتها، حتى لو كان كل العاملين في الحكومة يعارضون أنفسهم ممارستها كلها أو بعض منها.
الحرية وحقوق الإنسان ليست للمساومة بين دول الغرب ودول المسلمين
يحدث أن يطالب نفر من المواطنين المسلمين بعض حكوماتهم الديمقراطية الليبرالية في الغرب بمراعاة حقوقهم في العبادة، وبعض هذه الحقوق مشروعة ولا مبرر للحكومات حظرها، مثل حق اليهود والمسلمين في الذبح على طريقتهم في فرنسا، أو حق تلك السيدة عدم مصافحة مسؤول أوروبي إبان تسلمها جواز سفرها. لكن أن يطالب المسلمون بحقوق ممارستهم شعائرهم في دول الغرب، ثم يؤيدون حظر حريات من لا يمارس الدين الإسلامي في الدول ذات الغالبية المسلمة، فهو نفاق على طراز “الدول التي لنا لنا، والدول التي لكم، لكم ولنا”، وهو ما يعني أن على مسلمي الغرب، قبل غيرهم، أن يثوروا لحقوق المجاهرة في الإفطار واستهلاك الخمور والسفور علنا في الدول ذات الغالبية المسلمة، بالضبط كما يثورون للمطالبة بممارسة بعض شعائرهم المحظورة في الغرب.
الحرية وحقوق الإنسان ليست للمساومة بين دول الغرب ودول المسلمين، بل هي السبيل الوحيد في العالم لحكومات أرشد وشعوب أسعد.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.