الله ينور عليك بقبرك ياللي ببالي

سوريا ازهار شقائق النعمان – قلعة شميمس – السلمية – حماه

أيهم نور الدين

..
قبل أكثر من ثلاثين عاماً كانت الكهرباء في سورية تشبه إلى حد كبير الوضع الحالي .. كانت المؤامرات حينها – كما هي الآن – لا تنقطع عن هذا البلد الصامد الممانع .

لم يكن المندسون حينها موجودين , وربما لم يكن معظمهم قد ولد بعد , ومع ذلك كانت الكهرباء تنقطع على الدوام , فالرعد والبرق والمطر والصحو والبرد والحر :: كلها مجرد خيوط رفيعة في مؤامرة كونية أشمل كانت تحاك لسورية منذ زواج أنيسة وربما قبله بشهرين على الأقل .
….

كان أبو صطيف جالساً في مقهى النورس على الكورنيش ويشتم – كعادته – الأسد الأب كلما أزعجه أحد ما أو طنشه ولم يحضر له فنجان قهوة .

سيارة الأمن العسكري التي كانت تجوب الكورنيش , ونشف ريق عناصرها فأرادوا الصلبطة على كام كزوزة من المقهى سمعوه , ويا ليتهم ما سمعوه .

كانت التعليمات المشددة للعناصر تتعلق بالسماح لأحمد ( ن ) بالسباب دون حساب , أما أبو صطيف الذي لم يكن على رأسه ريشه لغاية تاريخ الحادثة فقد شد به العناصر وأخذوه موجوداً إلى فرع الأمن العسكري باللاذقية .

من الواضح أن خطورة ما تفوه به على أمن الوطن جعلتهم يتجاوزون الروتين المعتاد بتحجيجه لمفرزة جبلة القابعة عند البريد أولاً .

كانت أجهزة اللاسلكي في الفرع تتابع مجريات القبض المظفر على العميل المأجور ( أبو صطيف ) .

حتى العميد سليمان رئيس الفرع كان يتواصل مع عناصر الدورية كل خمس دقائق .

باختصار : كان الفرع ” وربما شعبة المخابرات بدمشق ” يتابعان أولاً بأول رحلة السيارة من جبلة إلى اللاذقية وهى تحمل أخطر أعداء الأسد الأب منذ حركته التصحيحية المباركة .

.. العقيد محمد زريقه المنقول حديثاً من جبلة إلى الفرع كنائب لسليمان العبد الله , يعرف – كجميع أهالي جبلة – أبو صطيف جيداً , ما أن رآه حتى صرخ بالعناصر : الله لا يعطيكون العافيه ع هالعلقة , ما بتعرفوا تجيبوا غير المجانين , لسه قصة أحمد ( ن ) ما خلصنا منها لتنتعولي هاد , ثم نظر إلى العميد سليمان متابعاً : سيدي هاد مجنون معروف بجبلة , يا محلا أحمد جنبه .

لم يصدق العميد سليمان تماماً , فشكل الرجل يوحي بالعقل والنقل والرزانة والهدوء .

هز العميد كتفيه واستدار قائلاً : أحضروه إلى مكتبي .
..
تولى العقيد زريقة استنطاق المتهم في غرفة رئيس الفرع الفخمة :
– يا أبو صطيف بتعرف وين أنت هلق .
– بالششمة .
– لا يا أبو صطيف ما حلو هالحكي , أنت بمديرية الكهربا ” واشار بيده إلى العميد سليمان ” : هاد السيد مدير الكهربا شخصياً .

– تلحسوا طيـزي أنتو وهالكهربا اللي بتضل مقطوعة , ع شو قعدتكون, روحوا انقلعوا ع بيوتكون وريحّوا البشر .

نظر العقيد زريقة للعميد سليمان : شفت أنه ع قده يا سيدي .
– لك شو ع قده , بشرفي فيه عقل أكتر من نص عناصر الفرع .
..
إثرها نعمت جبلة بحماية الرفيق ( أبو صطيف ) عند غياب الرفيق أحمد لأي سبب .

لم يعد أحد يقول له : محلا الكحل بعينك .. وحتى عندما وقف عند فرن حارتنا لأكثر من ساعة أيام البيعة الأخيرة للأسد الأب , عدت القصة بسلام .

كانت صورة كبيرة للأسد بابتسامته المعروفة تزين جدار الفرن وتوزع البركات على الزبائن من فوق كوة البيع …
نظر أبو صطيف إليها ملياً ثم صرخ بأعلى صوته :
عم تضحك يا أخو الشرموطة و إلنا ساعة واقفين ع الفرن .

فرغ الفرن من البشر لحظتها , وحصل أبو صطيف على خبزاته بكل بساطه .
..
كانت جدتي – رحمها الله – كغيرها من العجائز البسطاء في جبلة ممن يؤيدون فكر الرفيق ( أبو صطيف ) بضرورة تسريح جميع موظفي مصلحة الكهرباء, تقضي وقتها بقراءة ما حفظته من الذكر الحكيم عند انقطاع الكهرباء , وكانت تختم جزء عم عشر مرات في القعدة على الأقل نظراً للمدد الطويلة التي نبقى بها في الظلام , و كلما أتت الكهرباء تقول جملتها المعهودة : خيه خيه خيه خيه .. الله ينور عليك بقبرك يا اللي ببالي .

سألتها مرة : مين هاد لك ستي اللي بتدعيله الله ينور عليه بقبره كل ما إجت الكهربا .
– فيه غيره يا ابني , حافظ الأسد .
– لك الزلمة لسه ما مات , بعدين شو قصة الله ينور عليه بقبره .
– يا ابني هوه الله ياخده لعنده و ستين ينور عليه , بس هوه يفرقنا .
..
… إاااايه , الله يرحمك يا ستي وينور عليك بقبرك ياللي ببالي .

جبلة – حارة التغرة / صيف 2013

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.