اللغة بما حملت ….

اللغة بما حملت ….

ممدوح بيطار
لكل لغة حمولة معينة , ولللغة العربية حمولتها , التي يغلب عليها الطابع المقدس , على سبيل المثال يجب رفع الأذان بالعربية , يقال كذلك ان العربية كانت لغة آدم , او انها لغة الخالق , وبذلك اصبحت مقدسة , اللغة بحمولتها كالجمل بما حمل !!!.
لاشك بأن التقديس رفع من شأنها المعنوي , الا أنه قلل من قيمتها وامكانياتها العملية , التقديس قيدها وأعاق تطورها وأوقعها في أزمة مع امكانية استخدامها , اللغة ليست حصرا من أجل صياغة أشعار المتنبي , التي لاتتطلب التغيير والتطور , وانما من أجل التعبير عن جوانب حياتية متطورة ومتغيرة , هنا يقف التقديس عائقا أمام اللغة ومنقصا من امكانيات اسستخدامها ,تراكم هذه الخاصة أي تناقص امكانيات الاستخدام يقود الى تناقص مهماتها الوظيفية بالتدرج وبتزايد , الى أن تصبح اللغة خارج الخدمة, أي بمثابة قطعة متحفية , شحن اللغة بالمقدس ضار بها , فالمقدس الثابت المتجمد هو السم الذي عليه وبه تموت اللغة.
الجمل بما حمل , هكذا هو حال اللغة عموما وباختصار ,فمن ضمن حمولة العربية كانت مفاهيم الجهاد المقدس وملحقاته مثل الفتوحات وغير ذلك من المفرزات , الجهاد فرض وشرط لاكتمال المعتقد , فتحت راية الجهاد يتخفى الكثير من العنف , يمكن نظريا اعتبار الجهاد ركنا سادسا , فالجهاد اهم من الصلاة , للتمويه يقرن الجهاد مع مفهوم “في سبيل الله ” , بينما الجهاد حقيقة ليس في سبيل الله , انما في سبيل السلطان ومن أجل الغنائم ,
العربية تحمل مفاهيم الجهاد المقدس, الذي يحاول اقامة سلطة الى جانب سلطة الدولة,وبالتالي دولة ضمن دولة,مما يقلل من أهمية الدولة الى حد انتفاء وجودها , يتم ذلك عن طريق ممارسات مناقضة لأحكام دستور وقانون الدولة , فالجهاد المقدس يتضمن الغزو المقدس ويتضمن اقامة الحدود كحد الرجم او حد قتل المشرك المرتد او الكافر , ثم نشر الرسالة وغير ذلك , في حين ان نشر الرسالة واستباحة الشعوب الأخرى واقامة الحدود ليست من مهمات الدولة المنصوص عليها في الدساتير وفي القوانين الوضعية , التي لاتعرف سوى الالتزام بعدم الاعتداء , لا تعرف قوانين اي دولة معالم جهادية كالغزو والدعوة سواء كانت بالسيف او بدون سيف, لذلك يمكن اعتبار حمولة الجهاد اللغوية وتطبيقاته العملية حربا على الدولة , التي يعيش الجهاديون بها بالدرجة الأولى.
من ضمن حمولات اللغة مايخص مفهوم العدالة والعدل وما يخص مفهوم المساواة , للعديد من الأسباب تحمل العربية تقديما للعدل على المساواة, اي ان حمولة اللغة في هذا الخصوص خاطئة , اصلا لاتميز هذه اللغة بين العدل الذي هو مفهوم قانوني وبين العدالة التي هي مفهوم انساني , تقديم العدل على المساواة متناقض في جوهره , فلا عدل بدون مساواة وانعدام المساواة معادل لانعدام العدل, ولكنه ليس بهذه الدرجة مناقض للعدالة , الأم التي تسرق من أجل اطعام اطفالها مدانة من قبل العدل (القانون ) لأنها سرقت , ولكنها ليست مدانة من قبل العدالة (الانسانية والأخلاق ) , التي ترحب بالسرقة من أجل اطعام الأطفال .
تحمل هذه اللغة العديد من المفاهيم المرفوضة والمستهجنة ,مثل مفهوم العين بالعين والسن بالسن الأنف بالأنف والرأس بالرأس , وليس هذا المنكر فحسب , انما يضاف اليه منكرات اضافية مثل منكرة لايقتل المؤمن بكافر, ثم التفريق بين المؤمن والكافر بما يخص عقوبة القتل , فالمؤمن القاتل ليس كالكافر القاتل , ودية قتل المؤمن مختلفة جدا عن دية قتل الكافر, اذن يمكن اعتبار الحمولة الأخلاقية لهذه اللغة ,وما تعبر هذه اللغة عنه بخصوص العدل والعدالة والمساواة امرا مستهجنا وممثلا للتردي والانحطاط الأخلاقي في العديد من النقاط .


روى الصحفي المخضرم حسنين هيكل قصة عن كمال اتاتورك في برنامج مصر الى اين مع لميس الحديدي , سؤل مصطفى كمال عن الأسباب التي دفعته الى الغاء استعمال الحروف العربية في النصوص التركية , اي الغاء اللغة العربية , أجاب بما معناه ان المنطقة العربية موبوءة بأفكار وتصورات مدمرة , وكل ذلك مدون ومحفوظ باللغة العربية , وأن القطيعة مع هذه اللغة هو أحد وسائل الابتعاد عن ذلك التراث المريض , وبالفعل كانت انطلاقة تركيا الى الحداثة اعظم مما كان متوقعا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى , يبقى السؤال عن علاقة النهضة التركية مع اجراءات اتاتورك بخصوص الحروف ثم الأذان ودور رجال الدين الخ قائما , بالرغم من كونه مرجحا .
لو اخذنا تجربة الجزائر المعاكسة لتجربة تركيا اتاتورك , ففي الجزائر تم التعريب بدءا من سبعينات القرن الماضي على يد هواري بو مدين , وبذلك تم نقل التراث العربي الى التعليم والادارة في الجزائر , اضافة الى ذلك تم جلب العديد من المعلمين العرب الى الجزائر, وهؤلاء نقلوا الثقافة العربية الى البلاد , وانتقل التعليم بذلك من دراسة هيجل وديكارت وهيوم وكانت وغيرهم الى دراسة ابن تيمية والغزالي ومحمد بن عبد الوهاب والأشعري والشعراوي وما شابه , مما قاد الى انهيار مستوى الثقافة , والى انتقال ثقافة الجهاد والاخوان والعنف الى البلاد ,حتى أن العداء بين فريق أهل البيت وفريق الصحابة انتقل الى البلاد , بالرغم من عدم وجود فريق لعلي هناك ,تكلل كل ذلك باشتعال نيران حرب أهلية دامت عشر سنوات تقريبا وراح ضحيتها مئات الألوف من الجزائرين, تكررت هذه المأساة في عدة دول مثل اليمن والعراق والسودان وليبيا وغيرهم.
لايقتصرالتعريب على احداث عزلة ثقافية عن العالم واهمال الاستفادة من الحضارة العالمية ومن العلم والمعرفة التي صنعتها شعوب أخرى, لقد مكن التعريب من تسلل ثقافة العنف والتحارب والفساد والأصولية والاخوان والتيمية والوهابية والقبلية والعشائرية الى عقول الناس , لا حاجة لذكر ماتم ويتم انفاقه من اموال وضخ اعلامي للافكار الظلامية ولثقافة الارهاب وأكل القلوب والأكباد ثم ثقافة القدرية والاتكالية والمؤامرة والخلافة والزعامة وبطولة الفرد ورموز الاجرام وكل ماتعاني منه شعوب المنطقة , لابد هنا من التنويه الى المليارات ال ٢٢٠ التي انفقتها قطر مؤخرا والتي تحتاج الى تحليل مفصل,.
من الملاحظ عدم وجود تلك الاشكاليات في مجتمعات جنوب شرق آسيا على سبيل المثال , هنا يجدر السؤال عن العوامل التي قادت الى ذلك التباين, والى نهضة شعوب وتردي اوضاع شعوب أخرى !!!!!!

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.