اللغة السومرية .. الثقافة الأولى في التأريخ


بقلم : عضيد جواد الخميسي

كان الناس يتكلمون اللغة السومرية في جنوب بلاد الرافدين قبل الألفية الثانية ما قبل الميلاد ، وهي أول لغة مكتوبة بالخط المسماري في التاريخ ، وقد اعتبرها العلماء لغة مستقلة أو منفردة ، أي بمعنى ، لا يُعرف لها أيّ ارتباط مع لغة أخرى من لغات الأسلاف ، فعلى الرغم من وجود بعض النظريات التي تفيد بأن السومرية هي احدى لغات الأورال مثل الهنغارية ، والفنلندية ، أو غيرها من العوائل اللغوية ، إلا أن هذه الفكرة هي وجهة نظر قلّة من العلماء لعدم وجود أدلّة كافية في إثباتها .
استمرّ استخدام اللغة السومرية في المنطقة عندما كان هناك بعض اللغات السامية قد انتشرت ، وخاصة اللغة الأكدية . ولم يعد للسومرية نطقاً بعد تغلغل تلك اللغات الجديدة ، وذلك بحلول مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد ، وبما أنها كانت لغة مكتوبة ، فقد استمرت لمدة 2000 سنة أخرى . كان للغة السومرية تأثير ملحوظ أيضاً على اللغات الأخرى في المنطقة ، عندما تعلّق الأمر بمعجمها وقواعدها النحوية وأنماط كتابتها .

التطور التاريخي للغة
لا يُعرف الكثير عن تأريخ وصول الناطقين باللغة السومرية إلى جنوب بلاد الرافدين ، على افتراض لم يكن لهم وجود من قبل على تلك الأرض . في كلتا الحالتين ، ومنذ فترة بعيدة جداً ، كان هنالك شعب متعدد اللغات في جنوب بلاد الرافدين ، ومنها اللغة السومرية ( وهي نمط قديم في اللغة الأكدية أيضاً من وجهة نظر العلماء ) ، والحورينية ( لغة تحدّث بها سكان أعالي بلاد الرافدين / مناطق الأناضول ) ، وبعض اللغات السامية .
افترض عدد من العلماء احتمال وجود مصدر للغة غير معروف لديهم الآن ، أو لربما هنالك دوافع غريبة وقوية قد أثرّت على اللغة الاصليّة في المنطقة ، وذلك بسبب وجود كلمات أصولها مجهولة في الكتابات السومرية . ومع ذلك ، فقد ثبت أن هذه الكلمات إما أنها مستعارة من لغات اخرى معروفة لدى السومريين ، أو أنها كلمات مركبة أصلاً في اللغة ، أو أنها كانت كلمات شائعة في عدد من اللغات التي لا يعرف لها جذور واضحة .
الطور الأول للغة المكتوبة ، مجموعة من الاسطوانات والألواح التي تعود إلى سلالة أوروك الرابعة (3200 قبل الميلاد)، وفي معظمها هي نصوص لأوامر إدارية ، لكن البعض منها ، عبارة عن فهرس للكلمات التي تستخدم في تعلّم الكتابة . وقد كتب الباحث وخبير اللغات الشرقية القديمة “جيسون موسر” في تعليقه عن تلك النصوص :
” لقد تم الطعن في الأصل السومري لهذه النصوص ، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الرموز كثيرة ، ويمكن قراءتها بأيّة لغة . فعلى سبيل المثال ، يمكن قراءة ثلاثة خطوط مستقيمة محفورة الى جانب صورة ثور ، يُفهم من ذلك على أنها “Three Oxen” ( ثلاثة ثيران) في اللغة الإنكليزية ، و “drei Ochsen” في اللغة الألمانية ، و “tres bueyes” في اللغة الإسبانية ، وما إلى ذلك . لن يتغير معنى الكتابة باختلاف اللغة . ومع ذلك ، فإن وجود مكمّلات لفظية ، وكذلك هجاء صوتي يوجّه القارئ إلى النطق الفعلي ، وهذا يجعل من شبه المؤكد أن اللغة كانت بالفعل سومرية “.
بعد حوالي 400 سنة من كتابة تلك النصوص ، هناك مجموعة اخرى أمكن الحصول عليها من مدينة أور والتي يعود تاريخها الى عام 2800 قبل الميلاد ، وهي كمثيلاتها التي عثر عليها في أوروك ، عندما استخدمت لاغراض ادارية وتعليمية .

فكرة علماء الآثار عن الإرث اللغوي السومري باعتباره الثقافة الأولى في التاريخ ، أصبحت أكثر نضجاً من خلال دراسة تاريخ الفترة المبكرة للسلالة السومرية الثالثة عام 2500 قبل الميلاد ، وخاصة عند مواقع مثل ، تل فارا ـ شوروباك Shuruppak ( منطقة الفرات الاوسط ، الديوانية ) ، وتل أبو صلابيخ Abu Salabikh ( نيبور/ عفر ـ شرق الديوانية ـ عفك) . من هذين الموقعين تمكن الآثاريون ولأول مرّة الحصول على مخطوطات سومرية مثل ، “ترنيمة معبد كيش” ، و”تعاليم شوروباك “، وكذلك “دستور لوغال باندا” ( الملك الشاب ) ، و”الإلهة نينسون Ninsun” (والدة كلكامش ) ـ التي فاقت حدود المفاهيم العلمية للاقتصاد والإدارة عندما طغت عليها الأساطير والخرافات . على الرغم من صعوبة قراءة تلك النصوص ، الاّ ان الخبراء قد تمكنوا من فكّ شفرة الألغاز الأدبية التي تتعلق بنشوء الخليقة وبناء معبد الإلهة وغيرها من الفعاليات والنشاطات الدينية .
في هذه النصوص تعرّف العلماء على عدد كبير من أسماء المدّونين والكتّاب والوظائف ، والتي هي أكدية الأصل ، مما يشير إلى أن اللغتين كانتا متشابكتين خلال تلك الفترة التي كان فيها التأثير السومري هو الأكبر على العالم القديم ، كما يتضح ذلك من النصوص التي عثر عليها في الممالك والمدن التي كانت خارج بلاد الرافدين ، مثل ، ماري ، وايبلا ، تل بيدر ، و تل برك ، عندما أستخدم كتّابها النمط المسماري في اللغة السومرية مع لغاتهم السامية المحلية في كتابة النصوص المختلفة .
ليس هناك الكثير من الأدلّة عن الكتابة السومرية خلال الفترة السرجونية (حوالي 2300 – 2100 قبل الميلاد) ، عندما كان يتم تدريب الكُتّاب بمستوى عال من التعليم ( الموظفون الحكوميون ) في أكد ، ومن ثم إرسالهم للمساعدة في تسيير شؤون الناس في كل جزء من أجزاء العالم الأخرى . لكن هؤلاء الكتّاب المبعوثون استخدموا الأكدية كلغة في تعاملاتهم الرسمية ، مما جعل بصمة بلاد سومر في المناطق البعيدة غير واضحة . ومع ذلك ، استمرت بعض المناطق في أكد باستخدام الكتابة السومرية لإدارة شؤونها الداخلية .

كان هناك إلى حد ما عودة للكتابة السومرية خلال فترة أور الثالثة (حوالي 2100 – 2000 قبل الميلاد) ، وأول ملوك تلك الفترة ، الملك “أورـ نمو “والملك “شولجي ” اللذان استخدما الكتابة المسمارية السومرية في تمشية شؤون مواطنيهما . ومع ذلك ، لم تكن اللغة المكتوبة تعكس أي لغة عامية منطوقة في تلك المرحلة .
في عالم الأدب ، استبدل الملك شولجي التقاليد والمناهج المفعمة بالأساطير والخرافات القديمة من الألفية الثالثة لما قبل الميلاد ، بمناهج دراسية جديدة تقدم نمطاً متميزاً من التراتيل الملكية والصلوات الدينية . كانت تلك الفترة أيضاً التي تم فيها تأليف الأعمال الشهيرة مثل (لعنة أكد ) و (شريعة أورـ نمو ) . ومن المعاصرين للملك أورـ نمو ، الملك “كوديا “، ملك لكش المشهور، وهو الشخصية المشتركة في معظم النصوص المكتوبة على الأسطوانات والتماثيل . إذ جاء في مقطع أحد النصوص ” في احدى الليالي ، جاء إله المدينة (نينورتا ـ وهو إله الشعير، والقانون ، والكتابة ، والزرع ، والصيد ) إلى الملك كوديا في المنام وأمره ببناء معبد إينينو (المضاء بـ “50” شعلة ) في لكش ، وهو ما فعله حقاً ” .
يتفق معظم العلماء على أن الناس قد توقفوا عن التحدث باللغة السومرية بالكامل (إن لم يكن في وقت سابق) خلال الفترة البابلية القديمة (حوالي عام 2000 قبل الميلاد) . على الرغم من أن اللغة لم تعد منطوقة ، إلا أن الكتّاب البابليين القدامى أعادوا إحيائها كلغة أدبية .

في الواقع ، كان معظم الأدب السومري الذي يأتي إلينا ، من خلال فترة الـ 2000 عام قبل الميلاد .
عن هذا الأمر ، كان هناك الكثير من النقاشات عن ماهيّة التوافقات التي حصلت ما بين الكتابات البابلية في العهد القديم ، وكتابات العهد البابلي الجديد ، جرى ذلك كلّه من خلال اللغة السومرية الموغلة في القدم . إذ تأتي غالبية تلك الكتابات ، من مواقع بابل الجنوبية مثل أور ، و نيبور، ولكنها كانت فقط قبل وخلال فترة حكم الملك “سمسوـ إيلونا – ابن الملك البابلي حمّورابي ” ، الذي تخلّى عن مدينة نيبور بعد نجاح الثورة الذي قادها البطل السومري ” إيلوما أيلو” وتحريرها من السيطرة البابلية ..
في شمال بابل ، لم تتغير التقاليد الادبية التراثية حتى الغزو الذي قاده الملك الحيثي “مرسيلي الأول ” حوالي 1595 قبل الميلاد ، وعُرف ذلك ، عندما وجد العلماء بعض النصوص الشهيرة المكتوبة في بداية هذه الفترة ، أو التي تم نسخها من فترة سابقة لتشمل قائمة الملوك السومريين ، و مرثية أور ، ونزول الإلهة إنانا إلى العالم السفلي ، وكذلك قصص وأساطير إنميركار ، و لوغال باندا ، وكلكامش .

كتابة اللغة ولهجاتها
السومرية هي اللغة الأولى المكتوبة في الخط المسماري ، وعلى الأرجح تم تطوير الكتابة لتوظيفها في هذه اللغة. أُستعين في الأصل عند كتابة المخطوطات بعدد من العلامات والرموز ، وهذه الرموز كانت تعبّر عن الفكرة بدلاً من الكلمة أو الصوت ، وبالتالي يمكن فهمها تقنياً بأي لغة . كما تم تطوير الكتابة تدريجياً وحسب ما اقتضته الضرورة ، فقد ربط السومريون الكتابة المقطعية مع العلامات التي تساعد في ظهور الكلمة وفهم معناها . على سبيل المثال ، العلامة (كا ka) ، التي تشير الى صورة للفم ، عند هذه الحالة ، فأن العلامة (كا) يمكن أن توضع في أية مقطع مطلوب صياغته .
(كانت هناك طريقة متبعة مثيرة للاهتمام في تمييز المعاني الدقيقة لمجموعة الرموز المكتوبة والتي حدثت تحديداً خلال الألفية الثالثة ما قبل الميلاد . يشار إليها اختصاراً “يو جي أن UGN ” أو ” يود ، غال ، نان UD.GAL.NUN ” ، حيث أن العلامات يمكن تهجّيها . تتميز طريقة الكتابة هذه بنطق غير نمطي أو معتاد في بعض منها . على سبيل المثال ، عند قراءة مقطع لاسم الإله (أنليل ) على قاعدة العلامات UD.GAL.NUN بطريقة أخرى تعطينا نطقاً مختلفاً ( دير. إين .لل diŋir.en.lil ) والذي لا علاقة له بالمعنى المطلوب . هناك عدد من الأمثلة عن هذه القراءات الغير ملتزمة بقواعد اللغة ، لكنه يبدو أنها لم تعد تمارس بعد هذه الفترة .)( جيسون موسر)

مثال آخر على شذوذ النطق في اللغة السومرية المكتوبة ، إذ عادة مايشار إلى مقطع ( إيم ـ سال Eme-sal ) بأنه لهجة سومرية شاذة على عكس ( إيم ـ غير eme-gir ) أو (اللهجة الرئيسية ) السومرية . تقتصر كتابة (إيم ـ سال )على نصوص الطقوس الدينية ، خاصة نصوص الرثاء للكهنة المتوفين ، وكذلك المقاطع التي تتحدث بها بعض الآلهة الى الناس ، على الرغم من أن هذه الآلهة لهجتها (إيم ـ غير) في نصوص أخرى .
إلاّ ان العلامة (سال) يمكن أن يكون لها قراءة ذات مغزى ، باعتبارها كلمة معناها (إمرأة )، فقد افترض الباحثون أن (إيم ـ سال ) عبارة عن لهجة خاصة في مخاطبة النساء .. ومع ذلك ، فإن العلامة سال لديها معنى آخر وهو (رقيق ، أو ناعم )، ويمكن أن تشير ببساطة إلى شيء يختلف باختلاف الآلهة والكهنة الذين يؤدون الطقوس الدينية وشعائرها . هناك رأي آخر تم طرحه ، وهو أن كهنة المعابد لربما كانوا مخصّيون ، ولكن لا يوجد دليلاً على الإخصاء في ثقافة جنوب بلاد الرافدين القديمة .

التراث السومري
اعتمد المدوّنون البابليون النصوص السومرية بقوّة في كتاباتهم لضرورة الحفاظ على التراث الأدبي والديني القديم الذي زخر بمفاهيم السحر والخرافة خلال الفترة البابلية القديمة ، ولكن بعد عام 1595 قبل الميلاد ، ضعف استخدام الطور السومري في الكتابة بشكل ملحوظ . وقلّ الاعتماد تدريجياً على النصوص السومرية كمرجع في الأنشطة المختلفة ، وخاصة في الأناشيد الملكية والتراتيل الدينية خلال سلالة أور الثالثة ، وحتى تلك التي استمرت ، كانت مكتوبة فقط في عمليات الترحيل الثنائي للغة (الأكدية مع اللغات الأخرى ) . ومع ذلك ، فقد استمر تدريس اللغة في المدارس إلى فترات متقدمة ، وكانت حتى الابتهالات الدينية تنسخ من النصوص السومرية خلال الفترتين الفارسية و الهلينية .
عثر على ألواح طينية خلال سبعينيات القرن الماضي في مدينة بابل الأثرية ، تحوي نقوشاً لتلاميذ مبتدئين يتعلمون كتابة نص في اللغة المسمارية ، وقد كانت الكتابة المسمارية في جانب من اللوح يقابلها ترجمة النص في الإغريقية عند الجانب الآخر منه . وان آخر لوح مسماري معروف عثر عليه في بابل ، كان عبارة عن نص فيه تفسير لظاهرة فلكية يرجع تاريخه إلى 75 ميلادية . ومن المحتمل أن هذا النمط في كتابة النصوص قد توقف استخدامه نهائياً فيما بعد .
في الزمن الحاضر، يتم تدريس اللغة السومرية في عدد من الجامعات العالمية المعروفة ، ومن المحتمل ، فأن الذين يتقنون السومرية نطقاً وكتابة ، لايتجاوز عددهم بضع مئات من الأشخاص في جميع أنحاء العالم . فلا يزال هناك الكثير من النقاش حول أصول وقواعد تلك اللغة ، حتى ان كبار العلماء في هذا المجال غير متأكدين من معاني بعض المقاطع التي جاءت في النصوص .
قدمت اللغة السومرية ألغازاً تحمل تحدياً صارخاً لمفهوم تطور عقل الإنسان الرافديني في بناء أول حضارة في التأريخ .
تحية إجلال واكبار لأولئك الأشخاص المميزون الذين نفذوا مهمة صعبة للغاية في تخليد كلماتهم ، وذلك عندما قاموا بتدوينها ، كي يبعثوا برسالة بليغة الى عالمنا المعاصر ، تشرح فيها أفكارهم وممارساتهم في الحياة اليومية المختلفة عن العالم القديم …

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جيسون مولر ـ التقاليد الأدبية السومرية ـ لوغوغرام للنشر ـ 1995 .
ماري لوي تومسن ـ اللغة السومرية ـ أكادمسك فورلاج للنشر ـ الدانمارك ـ 1984.
روجر . د . ويدرد ـ لغات العالم القديمة ـ مطبعة جامعة كامبردج ـ 2004 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.