الكتابة …. نكتب لِمَنْ

الكاتب العراقي مازن فيصل البلداوي

مرحبا
كنت قد نشرت بعض الأسطر على صفحة الفيسبوك الخاصة بي يوم 25 ديسمبر من هذا العام الذي قارب على النهاية ليسلّم الراية الى عام جديد تفرضه علينا قوى الطبيعة بسب طبيعة دوران أمّنا الأرض حول أمها الشمس، قلت في عنوانه الأسطر التالية:
انا بحاجة الى اتخاذ قرار حول الكتابة…
لماذا اريد ان اكتب؟ …. لا ادري!
فأتت التعليقات من بعض الأخوة الذين يبدوا علبهم الأهتمام لما أكتب (مشكورين) أحيانا و هذا يبعث قليلا من الأمل على اني ما زلت اقدم نفعا للمجتمع ايا كانت جغرافيته او طبيعته لأن هؤلاء الأصدقاء يعيشون في مجتمعات شتى اليوم الا انهم متقاربون مع بعضهم في طبيعة خطوط التفكير العريضة التي يتبنونها. الا ان تعليقا للصديق “ابا مصطفى” قد أثار لدي نزعة العودة الى الأجابة المطولة مما دعاني لشكره على تعليقه الذي استنفر زخم الكلمات المتجمعة منذ فترة، فأخبرته بأن تعليقي على ما تفضل به سيتطلب كتابة مقالٍ، وها أنا أكتبه راجيا ان يكون لا ئقا للقراءة.
في الكتابة تختبىء الكثير من المعاني و المقاصد و الرموز. و حيث ان من يقوم بالكتابة يهدف الى ايصال فكرة معينة الى الجمهور لا يهم ما نوعها لكنها على الأغلب يجب ان تكون مفيدة للآخرين يستنفعون منها إما للتنبيه من خطب ما او لجلب الأنتباه الى امر ما يحدث لكن الناس لا يعيرون اهمية للطبيعة السلبية المحتمل انضوائها تحت الشكل او المظهر الخارجي الأيجابي، او لبشير اليهم لضرورة تبني منحى معين للوصول الى مستقبل أفضل.
عندما نكتب، او دعوني احدد قائلا …. عندما اكتب منشورا او مقالا ما، فأني اهدف الى احد الأمور التي ذكرتها اعلاه و ليس لي ناقة او جمل في هذا او ذاك حيث اني لا انتمي الى اي نمط سياسي او جمعية فكرية، حيث أني أنتمي الى فكرٍ انا صاحبه استطعت ان استجمعه عبر تجارب السنين الماضية و من خلال معيشتي في مجتمعات عدة حول العالم كانت تجاربها غنية.
قرّاء المقال اليوم هم النزر البسيط من الناس في المجتمع حيث كان عددهم في السابق و خلال العقود الماضية اكبر بكثير مما هو عليه اليوم. عندما كانت الكلمة المطبوعة هي الملاذ الذي يلجأ اليه المتنورين و المفكرين و الذين يحرصون على مواكبة التغير في العالم صوب التجديد ليأخذوا بالأسباب و ينحوا منحىً جديدا لمجتمهاتهم. الا ان تزامن بعض العوامل مع البعض الآخر خلال العقد الأخير خاصة من مثل التحول الألكتروني و انتشار النشاطات التي لا يستفاد منها الا اضاعة الوقت، مع وجود عوامل فكرية معينة عملت على مسك الأرض و تسللت بعد ذلك الى الفضاء الأفتراضي لتمسك به ايضا كي تحيط بالفرد اينما ذهب و تتسلط على تفكيره و ترشده الى السبيل الذي ينفع ديمومتها و بقائها و تحكمها بمصيره و بثروات ذلك المجتمع.


ان هذه القوى ذات الطابع الأجتماعي في أساسه انطلقت بموجب اوامر عليا من لدن الأستراتيجيات الدولية لتتسنم موقع الصدارة السياسي في قيادة مجتمعات خرجت من تجارب قاسية أضاعت خلالها بوصلة الطريق و لم يبقَ امامها الا هذه القوى التي تتشدق بأنها الراعي الوحيد لمصالح الناس و التي تعد نفسها الوحيدة القادرة على ايجاد الأرضية المزدهرة لعامة الناس لأنها الوحيدة التي تمتلك الحق في ان تكون الممثل الأوحد لمجاميع البشرهذه. هذه المجاميع التي تحاصرها نيران الأذى الجسدي من ناحية و رياح الجهل و التخلف و المرض و تردي ارضيات العيش اليومي من ناحية اخرى. لقد استطاع الناس المحافظة على الكثير من الصور التي تعد ملامح اساسية من ملامح المجتمع الثقافية العامة من مثل المنتديات، التجمعات المكتبات و معارض الكتب وووو….. ، الا ان هنالك تبطيناً تقوم به هذه القوى لتمسك من خلاله بمقادير الشارع الثقافي المفترض من خلال ضخ اتباعهم و عبيدهم بين الأطياف المختلفة في المجتمع و تسقيط المخالف.
من الجانب الأخر، فأن الناس بعمومهم يرومون العيش بسلام بطبيعتهم مبتعدين عن كل ما يثير الضغائن و الأحقاد والخطر تجاههم ويودوا العيش بسلام. الا ان هذا لم يحدث الى اليوم لأن ادوات الأدارة القائمة على مبدأ ( دع كلبك جائعا على الدوام ليبقى يتبعك) لا تستطيع توفير تمام الوعود التي من المفترض ان تقوم بتقديمها لمجاميع البشر الموجودين على بقعة الأرض التي تسمى جزافا بــ “وطن” في هذا الجانب من الكرة الأرضية او ذاك، لأن الأيفاء بهذه الوعود بشكل عام سوف لن يصب في بحر الفائدة السياسية المرجوة لديمومة السيطرة على مقاليد الأدارة التي تنتهجها تلك القوى في هذا المجتمع او ذاك.
كانت هذه من جملة الأفعال التي ادت الى ابتعاد الكثير من المثقفين و الكتّاب عن ساحة التنوير و التثقيف اما خوفا على حياتهم من خلال التهديد او الوعيد، او من خلال الأبتعاد طواعية والأنعزال حفاظا على حياتهم و حياة عوائلهم او حتى و سائل معيشتهم في كثير من الأحيان حيث لم يعد ممكنا الحصول على مورد اكتساب وظيفي مالي الا عن طريق هذه الجهة او تلك. من الناحية الأخرى ادى هذا الأبتعاد الى فسح المجال امام تلك القوى لضخ البدائل الثقافية الخاصة بها ومن خلال طرح مفاهيم “إمساك العصا من الوسط” ابتداءا لتحييد القارىء و من ثم الأجهاز على تفكيره تدريجيا لدفعه باتجاه مسار ذو اتجاه واحد لا رجعة فيه.
هنا……. لم يعد القارىء الذي نرجوه و نكتب اليه ليطّلع و يرى و ينتبه الى المخاطر الفكرية و الثقافية و الفعلية التطبيقية على ارض الواقع موجودا. وإن كان فأنه لم يعد مؤثرا اليوم حيث ان قرائته إن قرأ فستكون إما لمواساة نفسه او ليتحسر على ما كان، لكن هنالك قرّاء من نوع آخراليوم، وهم القراء المراقبون، الراصدون الذين يتصدون لتشخيص التهديدات الأمنية الفكرية التي قد تشكل تهديدا للأدارة الجديدة حيث يصبح الواجب هنا هو التعرف عليها و التعريف بها كي يتم حجزها بعيدا عن التأثير على عقول المجاميع المنساقة خلف الذين يفكرون بديلا عن الناس لأنهم الأكثر فهما و الأكثر قدرة على توظيف هذا الفهم في خدمة الناس. الخدمة التي لم تصل الى الناس بعد …………. بسبب تلكؤ الأدارات الفرعية (المنضوية تحت جناح ادارة المجتمع فكريا و تطبيقيا) و فشلها في تقديم الخدمات الى الناس (على الرغم من ان رواتبها و سرقاتها الجانبية مستمرة).
لذا يا سيدي يا “ابا مصطفى” فأني لا أرى فائدة من الكتابة بعد اليوم لأن الجمهور البسيط المتبقي بلغ به اليأس مبلغا جعله لا يفكر الا بانتظار ان يكون الغد مثل اليوم و ليس أسوء على اقل تقدير.
ملاحظة: من الممكن كتابة القصة و الشعر و الرواية حيث المساحات اللامحدودة للخيال حين يسرح بين مروجه الأنسان العاجز عن معايشة واقعه الردىء و مستقبله المجهول بموجب معايير الحسابات الطبيعية لمجريات الأحداث حول العالم و معطيات الأنظمة السياسية و الخطط الأقتصادية. لكن هذه الكتابة ستكون بالتأكيد كتابة نفعية هدفها البيع و الأنتشار على حساب تردي الوضع المثقف الحر و كيفيات الأنحسار.
أرجو ان اكون قد أوفيت بالأجابة من خلال الأسطر اعلاه و ان كان الموضوع يتقبل الأستمرار و التوسع حيث انه متصل بالعديد من الجوانب، الا اني لا احب الأطالة تفاديا لملل القارىء.
تحياتي

About مازن البلداوي

مازن فيصل البلداوي كاتب عراقي يحاول بذل الجهد في تعريف مواطن الوجع الأنساني و أسبابه عن طريق التحليل و تشخيص الأسباب و طرح الحلول اينما امكن ذلك يعمل حاليا كأستشاري تطوير اعمال على المستوى الدولي لدى احدى الشركات حاصل على شهادة الماجستير في إدارة أصول البنى التحتية من مدرسة باريس للأعمال مسجل كمحلل بيانات الأعمل و مرخص من قبل الأكاديمية الأميركية للأدارة المالية AAFM حاصل على شهادات تخصص في ادارة مشاريع المياه من BAMI-I حاصل على شهادات تخصص من جهات اخرى للمزيد:يرجى مراجعة البيانات على الرابط التالي:
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.