“القرآن بين التحريف، وأصله الآرامي”..

أسامة محمود..
في كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، يعتمد الكاتب على منهج الشك الديكارتي لاستبيان الإشكاليات المتعلقة باللغة العربية، واختلاف لسانها بين العرب العاربة “القحطانيين” والعرب المستعربة “العدنانيين” وفي مدخله للكتاب يقول:
“أريد أن أصطنع فى الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث. والناس جميعاً يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً..
نعم يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به، وأن ننسى ما يضادّ هذه القومية وما يضاد هذا الدين؛ يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح. ذلك أنّا إذا لم ننس قوميتنا وديننا وما يتصل بهما فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف، وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين”.
يذكر طه حسين العديد من الأمثلة على الاختلاف بين لسانات العرب، ومن بين تلك الأمثلة قول أبي عمرو بن علاء: “ما لسان حميّر بلساننا، ولا لغتهم بلغتنا”..
وجميعنا يعلم أن قريشاً كانت ترسل أبناءها إلى قبائل البادية المحيطة بمكة مثل بني سعد بن بكر من هوازن، وبني ليث بن بكر من كنانة، لرضاعتهم لما اشتهرت به هذه القبائل من صفاء اللسان ونقاء اللغة..
كما أن جميع الأمثلة والدلائل البحثية، وما توصل له علم الـ “فيلولوجيا” وحتى الأبحاث الإسلامية منها، تُجمع على اختلاف اللسان بين العرب، ولكن إذا قرأنا الشعر الجاهلي القحطاني سنراهُ مطابقاً للغة القرآن الذي كان بلسان العدنانين المستعربة، وتحديداً بلسان قريش، ، كما إن الشعر القحطاني الجاهلي مشابه للشعر العدناني الجاهلي، فأين ذهب هذا الاختلاف في اللغة واللهجة؟ يستنتج طه حسين من خلال كتابه أن الشعر الجاهلي هو شعرٌ منتحل قد وضع بعد ظهور الإسلام لإثبات أن ألفاظ القرآن كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب، وفي هذا يقول طه حسين:
“ولسنا نخشى على القرآن من هذا النوع من الشك والهدم بأسا؛ فنحن نخالف أشد الخلاف أولئك الذين يعتقدون أن القرآن في حاجة إلى الشعر الجاهلي لتصح عربيته وتثبت ألفاظه، القرآن وحده هو النص العربي القديم الذي يستطع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته ويعتبره مشخصاً للعصر الذي تُلي فيه. فأما شعر هؤلاء الشعراء وخطب هؤلاء الخطباء وسجع هؤلاء الساجعين فلا سبيل إلى الثقة بها ولا إلى الإطمئنان إليها”..
لقد نَصَبَ طه حسين شكه الديكارتي بحثاً عن الثابت والمتحول في اللغة العربية، فأخذ الكاتب النص القرآني كقاعدة ثابتة وارتكز عليها لإثبات المتحول من الشعر الجاهلي، وهذا ينافي الشك الديكارتي، فالشك يجب أن يكون هو القاعدة والمرتكز الذي يجب البناء عليه لإظهار ما هو ثابت في اللغة وما هو متحوّل، فماذا لو كان القرآن هو المتحول، وهو الكلام المنتحل لإثبات أنه كان بلغةٍ عربيةٍ صرفة، كما يُزعم : “إنه تنزيل رب العالمين، بلسانٍ عربيٍّ مبين” بينما الشعر الجاهلي هو الثابت وهو الأصل؟
أولاً فلنحسم جدلية الخلاف الشعري بين شعراء قحطان العاربة وعدنان المستعربة..


القحطانيون هم العرب العاربة، ومن البديهي أن يكون لسانهم واحد، لأنهم الأصل، بينما العدنانيون المستعربة، هم أقوام عديدة استوطنت الحجاز وجوارها التي تصنف أنها كانت منطقة “كوسموبوليتية”، فبعض سكانها كانوا من العرب العاربة المهاجرين نحو الشمال لأسبابِ عدة، وبعضهم من العرب المستعربة وقد استوى لسانهم وأصبح عربياً خالصاً، والبعض قد حافظ على لغته الأم كـ الآرامية، والكلدانية، والعبرانية، والفارسية، وغيرها، والبعض الآخر امتزج لسانه وأصبح خليطاً بين لغته الأم واللغة العربية، وبالتالي هناك عدنانيّون أتقنوا لغة القحطانيين العاربة، وهذا ما نراه جليّاً بإرسال قريشٍ لأبنائها لتترعرع في قبائل عدنانية مجاورة لمكة، ليتعلموا اللغة العربية الصرفة، وكل التحليلات التي تقول أن قريشاً كانت ترسل أبناءها ليحافظوا على لغتهم العربية منعاً لاختلاطهم بالألسنة الأخرى الغير عربية، فهو تحليلٌ لا يمت للمنطق بصلة، فمن الطبيعي أن يكتسب الطفل لسان أبويه، وعائلته من أخوة وأعمامٍ وخؤولة، فإرسال الطفل ليترعرع بقبيلةٍ أخرى لا يوجد له تفسير غير رغبةٍ في اندماج الطفل بهذه القبيلة ليكتسب لسانها وعاداتها، وهذا ما حصل مع محمد حين أرسل إلى حليمة السعدية لترعاه.
إذاً، من الطبيعي أن من أراد نظم الشعر من العدنانيين أن ينظمه على لسان القحطانيين العاربة، وبالتالي فإن كل من نظم الشعر من العدنانيين كان يتقن لغة العرب القحطانيين، ومن لم يتقن اللغة وقواعدها لن يحاول نظم الشعر، أو ربما نظمه بلغته واندثر هذا الشعر مع اندثار أو تراجع تلك اللغة في منطقةٍ استولى عليها لسان قحطان فيما بعد فغابت هذه الأشعار عن التداول بين الرواة؛ وهذا هو السبب في وحدة لسان الشعر الجاهلي بين الشعراء القحطانيين والعدنانيين الذي وصل إلينا، وكمثالٍ عن الشعر بلسان العرب المستعربة يمكننا أن نستشهد بنقش عين عبدات، جنوبي فلسطين، وتأريخه بين عام 88 و 125 ميلادي، والنقش عبارة عن ستة أسطرٍ، السطر الأول والثاني والثالث والسادس باللغة الآرامية، والسطر الرابع والخامس عبارة عن شعر عامودي باللغة النبطية الآرامية وهي مزيج بين الآرامية والعربية، وكتب النص شخص يدعى “جرم إلهي” كما هو موثق في النقش، وقد كتبه بالخط النبطي الآرامي، وهذا ما ورد فيه:
1ـ ذكير بطب قرا قدس عبدت الها وذكير”
2 ـ من… اقام
3 ـ جرم الهي بر تيم الهي صلم لقبل عبدت الها
4 ـ ” فيفعلُ لا فِدا ولا أثرا فكن هنا يَبغِنا الم وتولا
5 ـ أبغهِ فكن هنا أدد جرحو لا يردنا.”
6 ـ جرم الهي كتب يده.”
تُرجم النص الآرامي الوارد بالسطر الأول والثاني والثالث والسادس، لكن الخلاف مازال قائم على الترجمة الحرفية للشعر بالسطرين الرابع والخامس، ويوجد العديد من والتأويلات، وأحد التفسيرات تقول:
4 ـ فيفعلُ لا فِدى ولا أثرا.. فكن هنا يَبغِنا الموتُ ولا
5 ـ أبغهِ فكن هنا.. أزد جرحٌ ولا يردّنا.
أي “الموت أمر حتمي، فلا يمكن منعه بفدية، فهو يبتغينا ويبلغنا جميعاً في حياتنا.”
لكن جميع التفسيرات التي قرأتها تعتمد على القراءة العربية للنص بشكلٍ حرفي، بينما بالإضافة إلى اللغة العربية علينا الاعتماد على اللغة الآرامية لقراءة النص بشكل أوضح، كما سنلاحظ لاحقاً مع ترجمة وتفسير القرآن؛ ففي السطر الرابع من النقش قُرِأ آخر السطر “ألم وتولا” بـ “الموت ولا” بينما نلاحظ أن “ألم” كتبت منفصلة عن “وتولا” و”ألم” باللغة الآرامية تعني الصمت، و”تولا” تعني “الديدان”، فمن الوارد أن يكون ترجمة النص أن لا شيء في الموت سوى “الصمت والديدان”.
على العموم، سندع تفسير النص لأهل الاختصاص، وما ذكرته من مثال هو لإعطاء دليل عن شعر العرب العاربة واختالفه عن شعر العرب القحطانيين، وأيضاً لتبيان أن بعض العرب العاربة كانوا ينظمون الشعر بلسانٍ مختلفٍ عن لسان قحطان، لكن هذا الشعر اندثر مع اندثار تلك اللغة ولم يصل منها سوى هذين البيتين، وربما في المستقبل سيتم العثور على المزيد.
لكن الآن، ماذا عن وحدة اللسان بين القرآن والشعر الجاهلي؟ هل القرآن كُتب بلغةٍ قحطانية أيضاً، أم نُحِلَ لاحقاً وعُرِّبَ؟
نعلم أن أقدم نُسخٍ للقرآن مستكشفة حتى اليوم تعود لأكثر من مئة عام بعد وفاة محمد، وهي موجودة بعدة نسخ في تركيا وأوزبكستان والمتحف البريطاني وألمانيا، فمنذ تاريخ الدعوة وصولاً لمئة عام بعد وفاة محمد لا نعلم ما هو التطوّر والتغيير الذي طرأ على النص القرآني، ولكن لنأخذ أقدم نص موجود بين يدينا اليوم، فسيتفاجأ الكثيرون حين يعلمون أن هذا القرآن بمعظمه كان باللغة الآرامية، وكُتب بالخط “السرياني الأسترنكيلي” بـ 22 حرفاً أي أقل بـ 6 أحرف عن اللغة العربية الراهنة، فلتتأملوا كم التغيير الذي طرأ على النص بعد إضافة ستة أحرف، بالإضافة للتنقيط والتشكيل ليصل القرآن إلى نسخته الحالية..
وقبل أن نستشهد بعدد من الآيات والمصطلحات، تأكيداً على سيادة اللغة الآرامية في النص القرآني، فلنأخذ أسماء بعض المدن في بلاد الحجاز لنعرف هل هذه الأسماء عربية أم آرامية؟ وحينئذٍ سنعلم طبيعة وانتماء ولسان سكان هذه المنطقة:
مكّة، بالآرامية “مككا” وتعني الأرض المنخفضة.
طائف، بالآرامية “طايف” وتعني الأرض العالية.
يثرب، بالآرامية “يثر رب” وتعني مكان وجود الرب.
قصيم، بالآرامية “قصم” وتعني إلهي.
قريش، بالآرامية “قرش” وتعني رعاة البقر.
كويت، بالآرامية “كويوت” وتعني الحارق، الكاوي.
عجمان، بالآرامية “عجمان” وتعني الحزن.
من خلال هذه الأمثلة نرى سيادة اللغة الآرامية على سكان تلك المنطقة..
لنعود الآن إلى أقدم نسخٍ موجودة بين يدينا من القرآن وهي مكتوبة بالخط “السرياني الأسترنكيلي” ولنقرأ بعض الآيات التي كتبت بلغة آرامية نبطية، وهي تختلف بعض الشيء عن الآرامية الآشورية والآرامية السريانية، ويمكن الاطّلاع على هذه النسخ عبر الإنترنت.
بشِم آلوهو رحمن رَحيم، قول إينو أومريت إينو عبد للهو مخليص إلهو دينو..
هذه الآية كما وردت بالنسخة الأقدم من القرآن وهي باللغة الآرامية، وتعني بالعربية:
بسم الله الرحمن الرحيم، وحيٌ جاءني وقلتُ لنفسي أنا جاهز ليوم الدينونة..
وعند تعريب القرآن لنسخته الحالية أصبحت الآية كتالي:
بسم الله الرحمن الرحيم، قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين..
سنلاحظ الاختلاف الجذري لمعنى الآية السابقة، لكن تأثير اللغة الآرامية يظهر جلياً حتى بعد التعريب بطغيان الكتابة الآرامية على بعض الكلمات القرآنية المٌعربة.. مثل “بسم الله الرحمن الرحيم” ولو أردنا التعريب الصحيح للعبارة فستصبح “بإسم اللاه الرحمان الرحيم” وسنلاحظ ورود العديد من الكلمات بكتابتها الآرامية مازالت كما هي واردة في القرآن مثل: “الحيوة.. الزكوة.. صلوة.. مشكوة..نعمت..الخ” فهذه الكلمات بقيت بلفظها وشكلها الصّوري كما كانت باللغة الآرامية وخطها “السرياني الأسترنكيلي” فهل لأحدٍ أن يفسر لماذا كتبت “حيوة” في النسخة الحديثة من القرآن عوضاً عن “حياة” وهي الكتابة العربية الصحيحة للكلمة؟ أو لماذا “نعمت” في الآية “واذكروا نعمت الله عليكم” قد كتبت بالتاء المبسوطة عوضاَ عن التاء المربوطة؟.. وأيضاً في الآية “لست عليهم بمصيطر”.. لماذا كتبت “مصيطر” بالصاد بدلاً من السين “مسيطر”؟ أيضاً هل يوجد تفسير لكلمة مصيطر باللغة العربية؟ بالتأكيد لا يوجد، ولكن في اللغة الآرامية مصيطر= “مصي طر” وتعني قادر على الهجوم..
كما رأينا هناك العديد من الأسئلة التي لا يمكن الجواب عليها إن لم نأخذا اللغة الآرامية كمرجعية لدراسة القرآن.
لنأخذ سورة الفاتحة كمثالٍ آخر:
بشِم آلوهو رحمن رَحيم، حمودو لالوهو راب ألمين، رحمن رحيم، ملك يوم دينو، أيكو آت نعبد، أيكو آت تعنين، إهدو لان إدصرتو إدمتخيم، صرتو إدهينون دينعمو عاليهم..
عُرِّبَت الآية لتصبح اليوم:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد، وإياك نستعيد، إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم…
أيكو آت نعبد = أين أنت لنعبدك
أيكو آت تعنين = أين أنت لتُعيننا
إهدو لان إدصرتو إدمتخيم = أرشدنا إلى الطريق السوي
إذا سألنا أي مسلم، أو عربي ما معنى اسم القرآن؟ هل سيجد جواباً على هذا السؤال؟ بالطبع لن يجد أي معنى لهذا الاسم، بينما إذا رددنا هذا الاسم إلى الآرامية فسنرى أن قرآن = قريون، ويعني القراءة.. “قريون أدمور باولوس شليحو” أي قراءة من كتاب بولس الرسول..
وهذه بعض الكلمات والعبارات التي عُرّبت من القرآن بنسخته الأقدم باللغة النبطية الآرامية، وقد أسيء تفسيرها وترجمتها:
سورة = بالآرامية “شورة” وتعني كلمة الله..
فرقان = بالآرامية “فرقانو” ويعني الخلاص..
زوجناهم بحور عين = بالآرامية “زوجونهوم بحيورور عينو” وتعني سيلقون زبيب أبيض ونبع ماء..
إن كتاب الفجار لفي سجين = بالآرامية الفجار = “فغرو” وتعني الجسد.. لفي = “لفي” وتعني بحسب.. سجين = “سجين” وتعني الكثيرين..
كتاب مرقوم.. مرقوم = بالآرامية “رقومو” وتعني المزخرف..
الجبت والطاغوت = بالآرامية “الجنت والطاعيوت” وتعني الجنة والخطيئة..
كل الأمثلة السابقة لم يتم تعريبها بل بقيت على حالها ولكن عند تنقيط القرآن لاحقاً وضِعت النقاط بغير أماكنها خطأ كـ “الجنت” وضِعت النقطة في الأسفل فصارت “الجبت” و”شورة” بقيت كما هي دون تنقيط فأصبحت تُقرأ “سورة”….الخ
من ناحية أخرى، هل يوجد أحد يمكنة أن يفسر لنا ماذا تعني الكلمات التالية الواردة في القران: “ألم”..” كهعيص”.. “ألر”.. “طه”…..الخ؟
“ألم” الواردة في سور البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، السجدة، لقمان، وتعني بالآرامية “صمت”.. أو “هدوء”.. وتأتي بمعنى “إسمع”، ولنسقطها بترجمتها الآرامية على القرآن فستصبح سورة البقرة: إسمع.. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين.
سورة آل عمران: إسمع.. الله لا إله إلا هو الحي القيوم، نزل عليك الكتاب بالحق.
سورة العنكبوت: إسمع.. أحَسِبَ الناسُ أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون.
سورة الروم: إسمع.. غُلِبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيَغلِبُون.
سورة السجدة: إسمع.. تنزيلُ الكتابِ لا ريب فيه من رب العالمين.
سورة لقمان: إسمع.. تلك آيات الكتاب الحكيم.
“ألر” الواردة في سور، هود، يونس، يوسف، ابراهيم، والحجر، تعني بالآرامية “تأمّل” ولنسقطها على الآيات الواردة فستصبح:
سورة هود: “تأمل” كِتاب أُحكِمَت آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَت مِن لَدُن حَكيمٍ خَبير..
سورة ابراهيم: “تأمل” كِتاب أَنزَلناه إِلَيكَ لِتُخرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّور.
سورة يونس” “تأمل” تِلكَ آياتُ الكِتابِ الحَكيم.
سورة الحجر: “تأمل” تِلكَ آياتُ الكِتابِ وَقُرآنٍ مُبين.
“كهيعص” الواردة في سورة مريم، وهي بالآرامية “كه يعص” وتعني “هكذا يعظ” ولنسقطها على الآية:
سورة مريم: هكذا يعظ ذِكرُ رَحمَتِ رَبِّكَ عَبدَهُ زَكَرِيّا.. “رحمتِ” هنا وردت تاء مبسوطة، بشكلها الآرامي، فالآرامية لا يوجد فيها تاء مربوطة.
“طه” الواردة في سورة طه، وبالآرامية تتألف من حرفين حرف الـ “طيث” وتأتي اختزالاً لمعنى رجل، وحرف الـ “هيه” وتأتي للمنادى، والحرفان مجتمعان يأتيان اختزالاً لكلمة “يا رجل”، فلنسقطها على الآية:
“يا رجل” ما أَنزَلنا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَشقى.
إذن، مع تعريب القرآن من النبطية الآرامية إلى العربية لم يتم نقل هذه الكلمات إلى العربية وبقيت موجودة بالقرآن على حالها الآرامي ليُختلف على تفسيرها لاحقاً، لكن مع قراءة هذه الكلمات بالآرامية وترجمتها إلى العربية ستكتمل الصورة والمعنى لكل آية مذكورة آنفاً.
أيضاً يمكننا أن نقرأ العديد من الكلمات الفارسية، والعبرية، والحبشية، والبربرية وغيرها الكثير ضمن النص القرآني، ومثال على ذلك:
سندس/ فارسية.. فردوس/ فارسية.. آرائك/ حبشية.. إناه/ بربرية.. حوايا/ حبشية
سلسبيل/ فارسية.. أباريق/ فارسية..آمين/ آرامية وعبرية…الخ
هذا التباين الكبير في اللغة والمصطلحات الوارد في القرآن بنسخته الأقدم، سنفهمه حين نعلم “كوسموبوليتية” المنطقة آنذاك، واختلاف لسان سكانها، فمن صحابة محمد سنجد:
عداس/ سرياني آشوري.
بلال بن رباح/ حبشي.
وحشي بن حرب/ حبشي.
سيرين بن شمعون/ قبطية.
ماريا القبطية/ قبطية.
جابان أبو ميمون/ كردي.
صهيب الرومي/ رومي.
الأزرق بن عقبة/ رومي.
سلمان الفارسي/ فارسي.
فيروز الدليمي/ فارسي.
……..الخ
هؤالاء كلهم كانوا من المقربين، ومن صانعي تلك الحقبة، ويظهراً جلياً تأثيرهم على النص القرآني، هذا بالإضافة إلى طغيان وسيادة اللغة الآرامية الذي يظهر جليّاً من خلال أسماء تلك المدن، والآثار والنقوش، ومن خلال النص القرآني أيضاً، ولكن لماذا تم تعريب القرآن ولم يترك بنسخته الأقدم؟
برأيي الشخصي، فإن تضارب اللغات في القرآن بين الآرامية والعربية كان يضعف النص القرآني، ويحدُّ من انتشاره، فلا يمكن للعرب الأقحاح قبول هذا النص الهجين، ولا يمكن للآراميين فعل ذلك أيضاَ، فكان لا بد من توحيده، ولكن لماذا عُرّبَ النص القرآني بدلاً من أن ينقلَ بالكامل إلى الآرامية؟
باعتقادي الشخصي، فهذا يعود لعدة أسباب:
1 ـ قرب المسافة بين مركز الدعوة عن محيطها العربي القحطاني، مقارنة بالمسافة عن محيط المجتمعات الآرامية.
2 ـ انضمام أعداد كبيرة إلى الإسلام من العرب العاربة، الذين كانوا غير منتمين لدينٍ، أو كانو يدينون بأديانٍ وثنية لم يرتبطوا بها ارتباطاً وثيقاً وهذا يظهر جلياً بإهمال الناحية الدينية في الشعر الجاهلي.. بينما غاب الآراميون الذين يرتبطون بالديانة المسيحيةِ ارتباطاً وثيقاً عن الانضمام إلى الدعوة الإسلامية، وهذا ما أثرّ بشكل كبير على سيادة اللغة العربية في الإسلام، وفي النص القرآني فيما بعد.
3 ـ ريادة الشعر العربي الملحمي وتأثيره على سكان تلك المنطقة بكل ما يحمله من مشاعر وعنفوان، مما حذا بالشعراء العدنانيين أن يقولوا الشعر بلسان القحطانيين، فكان هذا عاملاً مساعداً لانتشار اللغة العربية في الحجاز والتّأثر بها.
إذن، فإن النص القرآني لم يكن بلسانٍ عربيٍّ مُبين، بل كان بلسانٍ هجينٍ بين الآرامية والعربية، مع ورود العديد من الكلمات والمصطلحات الأجنبية الأخرى بلسان مستوطني تلك المنطقة وجوارها، ولكن ربَّ سائلٍ يسأل عن الشعر الإسلامي العربي الذي واكب تلك الحقبة من الدعوة الإسلامية، أفلا يُشكِّلُ وثيقة تثبت سيادة اللغة العربية على بلاد الحجاز في ذلك الزمن؟ فنجيب:
ينقسم الشعراء المسلمون المواكبون لتلك الحقبة إلى قسمين، القسم الأول اشتهر بقول الشعر في العصر الجاهلي، ثم قيل أنهم دخلوا الإسلام وأنشدوا الشعر في رحابه، وقسم آخر اشتهر بقول الشعر في العصر الإسلامي فقط، وكمثالٍ عن الأول سنأخذ كعب بن زهير وهو القائل في الجاهلية:
ألاَ بَكَرتْ عِرْسِي تُوَائمٌ مَنْ لَحَى/ وأقْرِبْ بأحْلامِ النِّساء من الرَّدَى
أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعتْنِي مَلامة / لَعَمْرِي لقد كانت مَلامتُها ثِنَى
أَلاَ لاتَلُومِي وَيْبَ غَيْرِك عارِياً / رأى ثوبَه يوماً من الدَّهر فاكتسى
فأقسِمُ لولا أنْ أسرَّ ندامة ً / وأعلنَ أخرى إن تراخت بكِ النَّوى
وقِيلُ رِجالٍ لا يُبالونَ شأنَنا/ غوى أمرُ كعبٍ ما أراد وما ارتأى
فيا راكباً لإما عرضتَ فبلِّغنْ / بني ملقطٍ عني إذا قيل : من عَنى
فما خلتكمْ يا قوم كنتمْ أذلَّة ً / وما خلتكمْ كنتم لمختلسٍ جَنى
لقد كنتم بالسَّهلِ والحزنِ حيّةً / إذا لدغت لم تشفِ لدغتها الرُّقى
ممرُّ كسرحانِ القصيمة منعلٌ / مَسَاحِيَ لا يُدْمِي دَوَابِرَها الوَجَى
شَدِيدُ الشَّظَى، عَبْلُ الشَّوَى، شَنِجُ النَّسَا/ كأنّ مكانَ الرِّدْفِ من ظهرِه وَعَى
وفي عصر الدعوة الإسلامية نُسِبَ له في مديح محمد:
مسحَ النبيُّ جبينهُ/ فله بياضٌ بالخدودِ
وبوجهه ديباجة ٌ/ كَرمُ النُّبُوة ِ والجُدُودِ
وكمثالٍ آخر سنأخذ حسان بن ثابت وهو القائل في الجاهلية:
تروحْ منَ الحسناء أمْ أنتَ مغتدي/ وكيفّ انطلاقُ عاشقٍ لمْ يزودِ
تَرَاءتْ لَنا يَوْمَ الرَّحيلِ بمُقْلَتيْ / غَرِيرٍ بمُلْتَفٍّ مِن السِّدْرِ مُفْرَدِ
وجيدٍ كجيدِ الرثمِ صافٍ، يزينهُ / توقدُ ياقوتٍ، وفصلُ زبرجدِ
كأنَّ الثُّرَيّا فَوْقَ ثُغْرَة ِ نَحْرِها / توقدُ، في الظلماءِ، أيَّ توقدِ
لها حائطانِ المَوتُ أسْفَلَ مِنْهُما / وجمعٌ متى يصرخْ بيثربَ يصعدِ
وفي عصر الدعوة الإسلامية نُسِبَ له:
صَلّى الإلهُ على الّذِينَ تَتَابَعُوا / يَوْمَ الرّجِيعِ، فأُكْرِمُوا وأُثِيبوا
رأسُ الكتيبة ِ مرثدٌ وأميرهمْ / ابنُ البكيرِ أمامهمْ وخبيبُ
وابنٌ لطارق، وابنُ دثنة فيهمِ / وافاهُ ثمّ حمامهُ المكتوبُ
مَنَعَ المَقَادَة َ أنْ ينَالوا ظَهْرَهُ / حتى يجالدَ، إنهُ لنجيبُ
والعاصمُ المقتولُ عندَ رجيعهمْ / كسبَ المعالي، إنهُ لكسوبُ
هذا التباين الرهيب في المستوى بين ما قاله الشاعران قبل الإسلام وبعده يجزم بما لا ريب فيه أن الأشعار الإسلامية قد نُسبت لهم عنوةً.. وكمثال آخر سنأخذ قصيدة “بانت سعاد” الشهيرة لكعب بن زهير الذي قيل أنها في مدحِ محمد، وأعلن إسلامه وولاءه من خلالها، ولاقت ترحيباً وإعجاباً من محمد فخلع عليه بردته، فسميت القصيدة بـ “البردة” فإذا نظرنا إلهيا فسنقرأ تبايناً كبيراً في بنية القصيدة ومعانيها، فالشاعر يبدأ شعره بمديحٍ وغزلٍ جاهلي لا ريب فيه، مما ينفي قطعاً أن تكون القصيدة قيلت بمدح محمد :
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ / مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ
وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا / إِلّا أَغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ
هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً / لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ
تَجلو عَوارِضَ ذي ظَلمٍ إِذا اِبتَسَمَت / كَأَنَّهُ مُنهَلٌ بِالراحِ مَعلولُ
شُجَّت بِذي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحنِيَةٍ / صافٍ بِأَبطَحَ أَضحى وَهُوَ مَشمولُ
تَجلو الرِياحُ القَذى عَنُه وَأَفرَطَهُ / مِن صَوبِ سارِيَةٍ بيضٍ يَعاليلُ
يا وَيحَها خُلَّةً لَو أَنَّها صَدَقَت / ما وَعَدَت أَو لَو أَنَّ النُصحَ مَقبولُ
وبعدما يستفيض الشاعر مطولاً في الغزل، تأتي أبيات المديح ضئيلةً، خجولةً، وضعيفةً في صياغتها الأدبية، وتشكل خللاً في بناء القصيدة وكأنها قد حشوت حشواً:
أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني / وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ
مَهلاً هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ ال / قُرآنِ فيها مَواعيظٌ وَتَفصيلُ
لَقَد أَقومُ مَقاماً لَو يَقومُ بِهِ / أَرى وَأَسمَعُ ما لَو يَسمَعُ الفيلُ
لَظَلَّ يُرعَدُ إِلّا أَن يَكونَ لَهُ / مِنَ الرَسولِ بِإِذنِ اللَهِ تَنويلُ
إِنَّ الرَسولَ لَنورٌ يُستَضاءُ بِهِ / مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ
أما القسم الثاني من الشعراء، فهم الشعراء الذين لم يعاصروا الجاهلية، واشتهروا بقول الشعر في زمن الدعوة، ولنأخذ كمثالٍ شعر علي بن أبي طالب الذي يعتبر من أعظم وأبلغ شعراء تلك المرحلة وأفصحهم على الإطلاق..
يقول علي:
سيف رسول الله في يميني / وفي يساري قاطع الوتينِ
فكل من بارزنـي يجيني / أضربه بالسيف عن قريني
محمد وعن سبيل الدين / هـذا قليل من طِلاب العينِ
ويقول أيضاً:
أيا صاحـب الذنـب لا تقنطنّ/ فإن الإله رؤوف رؤوفْ
ولا ترحلنّ بلا عُدّة/ فـإن الطريق مَـخوف مَـخوفْ
ونسب له أيضاً:
يا عمرو ويحك قد أتا/ ك مُـجيب صوتك غير عاجزْ
ذو نيّة وبصيرة / والصـدق مُـنـجي كل فـائـزْ
ولقد دعوت إلى البرا / ز فتى يُـجيب إلى المبارزْ
يُعليك أبيض صـارماً / كالملح حتفـاً للمُـنـاجزْ
إني لأرجو أن أُقي / م عليك نائحـة الجنائزْ
من ضـربة نـجلاء يب / قى صيتها عند الهـزاهزْ
فلنقارن هذه الأبيات من حيث الشعر والبلاغة، بما قيل من شعرٍ في العصر الجاهلي الذي يفصله عن هذا العصر عدة سنوات فقط، ولا يجود مبرر لظهور أي تفاوتٍ في الشعر بحقبة زمنية متقاربة بل ومتداخلة أيضاً..
يقول عمرو بن كلثوم:
أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَا/ وَلاَ تُبْقِي خُمُـوْرَ الأَنْدَرِيْنَ
مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيْهَا/ إِذَا مَا المَاءَ خَالَطَهَا سَخِيْنَا
تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيْحَ إِذَا أُمِرَّتْ / عَلَيْـهِ لِمَـالِهِ فِيْهَـا مُهِيْنَ
صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْـرٍو / وَكَانَ الكَأْسُ مَجْرَاهَا اليَمِيْنَ
وَكَأْسٍ قَدْ شَـرِبْتُ بِبَعْلَبَـكٍّ / وَأُخْرَى فِي دِمَشْقَ وَقَاصرِيْنَ
تَذَكَّرْتُ الصِّبَا وَاشْتَقْتُ لَمَّـا / رَأَيْتُ حُمُـوْلَهَا أصُلاً حُدِيْنَا
فَأَعْرَضَتِ اليَمَامَةُ وَاشْمَخَـرَّتْ / كَأَسْيَـافٍ بِأَيْـدِي مُصْلِتِيْنَا
أَبَا هِنْـدٍ فَلاَ تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا / وَأَنْظِـرْنَا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَ
مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّا / وَظَهرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَ
إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ/ تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَ
ونقرأ أيضاً في شعر طرفة بن العبد:
لِخَولة َ أطْلالٌ بِبُرقَة ِ ثَهمَدِ/ تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ
وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطيَّهُم / يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَلَّدِ
كَأَنَّ حُدوجَ المالِكيَّةِ غُدوَةً / خَلايا سَفينٍ بِالنَواصِفِ مِن دَدِ
وتبسمُ عن ألمَى كأنَّ مُنوراً/ تَخَلّلَ حُرَّ الرّمْلِ دِعْصٌ له نَدي
سقتهُ إياة ُ الشمس إلا لثاتهُ / أُسف ولم تكدم عليه بإثمدِ
ألا أيُّهذا اللائمي أحضرَ الوغى/ وأن أشهدَ اللذّات، هل أنتَ مُخلِدي؟
فإن كنتَ لا تستطيع دفع منيَّتي / فدعني أبادرها بما ملكتْ يدي
أرى الموتً يعتام الكرام ويصطفي / عقيلة مال الفاحش المتشدِّدِ
أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلةٍ / وما تَنقُصِ الأيّامُ والدّهرُ يَنفَدِ
فإن مُتُّ فانعنيني بما أنا أهلهُ/ وشقّي عليَّ الجيبَ يا ابنة َ معْبدِ
لَعَمْرُكَ، ما أمْري عليّ بغُمّةٍ/ نهاري ولا ليلي عليَّ بسرمدِ
ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً/ ويأتِيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزَوّدِ
إذن.. شتان ما بين شعرية وبلاغة الشعر الجاهلي وبين ما نسب من أشعارٍ لزمن الدعوة الإسلامية..
يجتمعُ الباحثون والدارسون على أن الشعر قد خبى في حقبة الدعوة الإسلامية، وما ذكر من أشعارٍ واكبت تلك المرحلة لا يمكن مقارنتها مع أشعار الجاهلية لا من حيث الشعر ولا البلاغة، ويعزو الباحثون ذلك التراجع إلى انشغال المسلمين بالغزوات والحروب، أو لأن الشعر لا ينفع في قول الخير.
وقد قال في هذا الأصمعي: “الشعر نكدٌ بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسان بن ثابتٍ فحلٌ من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط شعره.”
وبالتأكيد فإن هذا التقييم للشعر من الأصمعي هو غير صائب، فلو نظرنا إلى إلى المرحلة التي تَلَت الأصمعي سنرى أشعار الصوفيين الرائعة، ففيها الجمال والخير، ولا يفسد أحدهما الآخر، لكن الأصمعي بنى رأيه بناءً على ما نُسب من شعرٍ في عصر الدعوة وهو غير صحيح..
وأيضاً ذكر ابن سلَّام في كتابه “طبقات فحول الشعراء”:
“فجاء الإسلام وتشاغلت عن الشعر العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح. وأطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر”.
هذا الاستنباط هو بعيد عن الواقع، وليس من المنطق في شيء، فلم ينقطع الشعر نهائياً عن تلك المرحلة حتى نقول أنهم تشاغلوا عنه، بل بقيَ الشعر موجوداً ولكن ما وصل منه فهو رديءٌ ضعيفٌ في البلاغةِ، وهزيلٌ في الصياغةِ، وهذا يثبت لنا أن هذا الشعر قد نُحل لاحقاً وألصقَ بأشخاصٍ لم يقولوه، وأيضاً ما ينفي نفياً قاطعاً نظرية انشغال المسلمين عن الشعر بسبب الحروب، هو أن الشعر عبر التاريخ كان ومازال يزدهر في الشدائد والحروب وليس العكس، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر أشعار المهلهل بن ربيعة في العصر الجاهلي، والتي قالها في حرب البسوس التي اسمرّت لنيّفٍ وأربعين عاماً، ونذكر منها:
أَتَغْدُوا يَا كُلَيْبُ مَعِي إِذَا مَا/ جبانُ القومِ أنجاهُ الفرارُ
أتغدُوا يا كليب معي إذا ما / خلوق القوم يشحذُها الشفارُ
أقولُ لتغلبٍ وَ العزُّ فيها/ أثيروها لذلكمُ انتصارُ
تتابعَ إخوتي وَ مضوا لأمرٍ / عليهِ تتابعَ القومُ الحسارُ
خذِ العهدَ الأكيدَ عليَّ عمري / بتركي كلَّ ما حوتِ الديارُ
وَهَجْرِي الْغَانِيَاتِ وَشُرْبَ كَأْسٍ / وَلُبْسِي جُبَّة ً لاَتُسْتَعَارُ
وَ لستُ بخالعٍ درعي وَ سيفي / إلى أنْ يخلعَ الليلَ النهارُ
وإلاَّ أَنْ تَبِيدَ سَرَاة ُ بَكْرٍ / فَلاَ يَبْقَى لَهَا أَبَداً أَثَارُ
وكمثال على ازدهار الشعر العربي في الحروب بعصور ما بعد الدعوة، أي حين استقرت اللغة العربية وتوحّدت وسادت المنطقة، فسنستشهد بأشعار أبي فراس الحمداني على سبيل المثال أيضاً لا الحصر:
أراكَ عصيَّ الدَّمْعِ شيمَتُكَ الصَّبْرُ/ أما لِلْهَوى نَهْيٌ عليكَ و لا أمْرُ؟
بَلى، أنا مُشْتاقٌ وعنديَ لَوْعَةٌ / ولكنَّ مِثْلي لا يُذاعُ لهُ سِرُّ
إذا اللّيلُ أَضْواني بَسَطْتُ يَدَ الهوى / وأذْلَلْتُ دمْعاً من خَلائقِهِ الكِبْرُ
وَفَيْتُ، وفي بعضِ الوَفاءِ مَذَلَّةٌ / لإنسانَةٍ في الحَيِّ شيمَتُها الغَدْرُ
تُسائلُني من أنتَ؟ وهي عَليمَةٌ / وهل بِفَتىً مِثْلي على حالِهِ نُكْرُ؟
فلا تُنْكِريني، يابْنَةَ العَمِّ، إنّهُ / لَيَعْرِفُ من أنْكَرْتهِ البَدْوُ والحَضْرُ
ولا تُنْكِريني، إنّني غيرُ مُنْكَرٍ / إذا زَلَّتِ الأقْدامُ، واسْتُنْزِلَ النّصْرُ
وإنّي لَجَرّارٌ لِكُلِّ كَتيبَةٍ / مُعَوَّدَةٍ أن لا يُخِلَّ بها النَّصرُ
أُسِرْتُ وما صَحْبي بعُزْلٍ لَدى الوَغى/ ولا فَرَسي مُهْرٌ، ولا رَبُّهُ غُمْرُ
وقال أُصَيْحابي: الفِرارُ أو الرَّدى؟ / فقلتُ:هما أمرانِ، أحْلاهُما مُرُّ
ولكنّني أَمْضي لِما لا يَعيبُني، / وحَسْبُكَ من أَمْرَينِ خَيرُهما الأَسْرُ
يَقولونَ لي: بِعْتَ السَّلامَةَ بالرَّدى / فقُلْتُ: أما واللهِ، ما نالني خُسْرُ
هو المَوتُ، فاخْتَرْ ما عَلا لكَ ذِكْرُهُ / فلم يَمُتِ الإنسانُ ما حَيِيَ الذِّكْرُ
ولا خَيْرَ في دَفْعِ الرَّدى بِمَذَلَّةٍ / كما رَدَّها، يوماً، بِسَوْءَتِهِ عَمْرُو
سَيَذْكُرُني قومي إذا جَدَّ جِدُّهُمْ / وفي اللّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ
فإنْ عِشْتُ فالطِّعْنُ الذي يَعْرِفونَهُ / وتِلْكَ القَنا والبيضُ والضُّمَّرُ الشُّقْرُ
وإنْ مُتُّ فالإنْسانُ لابُدَّ مَيِّتٌ / وإنْ طالَتِ الأيامُ، وانْفَسَحَ العُمْرُ
ونَحْنُ أُناسٌ، لا تَوَسُّطَ عندنا/ لنا الصَّدْرُ دونَ العالمينَ أو القَبْرُ
تَهونُ علينا في المعالي نُفوسُنا / ومن خَطَبَ الحَسْناءَ لم يُغْلِها المَهْرُ
أعَزُّ بَني الدُّنيا وأعْلى ذَوي العُلا/ وأكْرَمُ مَنْ فَوقَ التُّرابِ ولا فَخْرُ
كل ما ذُكر آنفاً يدحض نظرية الشعر الجاهلي المنحول، فليس من المنطق بعد مرور أكثر من مئتين وخمسين عاماً أن يُكتَب وينحل كل هذا الكم الرهيب من الشعر الجاهلي وبهذا الجمال وهذه الروعة والتنوع والغنى بالصياغة والبلاغة والأحداث والأفكار والشعراء، مع مراعاة كل الحالات الاجتماعية والأخلاقية والنفسية المختلفة والسائدة آنذاك، بينما نرى أنه من المنطق أكثر ومن الأسهل أن يكون الشعر الضئيل العدد، والهزيل الصياغة والمعنى الذي ورد عن حقبة الدعوة الإسلامية هو الشعر المنحول، فهو شعر محدود الحالات الاجتماعية والفكرية، لا يوجد فيه تنوع، ولا غنى، لا من حيث الأفكار ولا البلاغة، ولا التنوع ولا من حيث قائلوه.
إذن.. مما سبق يمكننا أن نستنتج أن القرآن القديم لم يكن بلغةٍ عربية قط، إنما كان بلسان بعضِ من استوطنوا بلاد الحجاز فتباين لسانهم بين لغتهم الأم الآرامية، ولغة محيطهم العربية، ويمكننا أن نشبه ذلك بالأرمن أو الأكراد الذين يعيشون بمحيطٍ عربي، فمنهم من يتقن اللغة العربية بطلاقةٍ ويُمكّنهم ذلك من نظم الشعر وقول الأدب باللغة العربية، ومنهم من يتوه بين لغته الأم ولغة محيطه.. وهكذا حدث مع محمد فقد تاه وأصحابه مع التائهين، ونظموا القرآن بلسانٍ هجين، وحين عرِّب القرآن لاحقاً كان لابد من إضفاء الواقعية على زمن الدعوة، فكُتبَ الشعرُ في غير مكانه، ونُسبَ لغيرِ زمانهِ، وألصق بشعراءٍ، ونُسبَ إلى أشخاصٍ، فظهر الخللُ جليّاً فيما نسب من أشعارٍ أريدَ منها تزوير تلك المرحلة، وتعويم اللغة العربية فيها لتتناسب مع لغة القرآن الجديد.
وما يؤكد هذه الرؤية والقراءة هي الآية التي تقول: “فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لُدا” فهذه الآية تدحض أن القرآن كان بلغةٍ عربيةٍ جامعة ومبينة، فهو “أُنزِل” بلسانِ محمد تيسيراً وتسهيلاً له كي يبشرَ بلغته التي يتقنها ولم يُعسِّر له الله الأمر و”ينزله” بلسانٍ عربيٍ جامعٍ لأن محمداً لم يكن يتقن العربية القحطانية، لنعد إلى الآية ونقرأها مليّاً: “فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به…” لم يقل إننا أنزلناه بلسانك لتبشر به، فهو استخدمها لتبرير التساهل بلغة القرآن الهجينة المستعربة. وفي آية أخرى يتم التأكيد والتبرير لذات الفكرة: “وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومِه ليُبيّن لهم” أما الآيات الأخرى التي تذكر أن القرآن قد أنزل بلغة عربية مبينة، فقد تكون قد نُحلت وألصقت بالقرآن لاحقاً عند تعريبه، أو أسيء تفسيرها كالكثير من الكلمات والآيات..
على ما يبدو فإننا بحاجة لإعادة قراءة تاريخنا السابق بحيادٍ تام، وبعيدٍ عن أي أدلجة أو أفكارٍ مسبقة، لتبيان كل الحقائق بما لا يدع للشك أي مجال.
لقد أخطأ طه حسين في شكه الديكارتي حين اعتمد على القرآن كقاعدة ثابتة يقف عليها لبرهان الثابت والمتحول في اللغة العربية، فكأنما بطه حسين يقف على كوكب الأرض ليراقب حركة النجوم فيستنتج أن الأرض ثابتة، والشمس تدور، لكن لو وقف طه حسين بحيادٍ تام، خارج المجموعة الشمسية ليراقب حركة الشمس والأرض لضحك من استنتاجه السابق، ولوجد أن العكس هو الصحيح.
في النهاية أقول، أن ما ورد سابقاً ليس بحثاً ولا مقالاً، بل هو مجموعة أفكارٍ تعتمدُ على قراءة تحليلية للعديد من الابحاث والنظريات، وهي تقبل الصواب وتقبل الخطأ، فمن أراد نقدها بشكلٍ منهجي بعيدٍ عن العواطف والاتهامات سأكون له من الشاكرين، ومن سيكيل الشتائم والسباب سأكون له من المتجاهلين، فاعلم أخي القارئ أن صوتك المرتفع دليل ضعف حجتك، وشحِّ برهانك، وقلة منطقك، فلا تته مع التائهين، وآتني حجتكَ بلسانٍ عربيٍّ مبين.
المراجع:
The Syro-Aramaic Reading of the Koran / Christopher Luxenberg
The Qur’an misinterpreted mistranslated and misread &
The Aramaic language of the Qur’an / Gabriel Sawma
طه حسين / في الشعر الجاهلي
ابن سلَّام / طبقات فحول الشعراء
أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري/ الشعر والشعراء
الموسوعة العالمية للشعر العربي

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.