الفيلم التونسي الإبن ؟؟

أحب السينما, في أوائل عمري كنت أحلم بأن أكون مثل الممثلة المصرية نيللي . إلى أن أكلت علقة ساخنة, غيرت إتجاهي ومحت كل أحلامي في العمل السينمائي ؟؟؟؟ وبقيت أتوق لمشاهدة الأفلام .. خاصة الهادفة من المنطقة العربية وهي قليلة جدا .. نظرا للهبوط السينمائي الكبير الذي لازم السينما العربية بعد ما سُمي بالصحوة الدينية .. أؤمن بدور السينما ومسؤولية صُناعها في التغيير لمجتمعي الذي تحتاجه المجتمعات العربية الآن.. مسؤوليتهم في فضح الإلتباس الأخلاقي, الذي ساهم الإسلام السياسي في إخراجة من القمقم وتعزيزة مجتمعيا .. وساهمت التكنولوجيا الحديثة في فضحه من خلال الشاشات الفضية ..
حنيني للعالم العربي يدفعني كثيرا للحاق بما يحدث فيه .. ولهذا تابعت مهرجان لندن للأفلام وبالتحديد الأفلام العربية. على مدى أسبوع جعلت أولى أولوياتي الركض من سينما إلى أخرى لمشاهدة الأفلام العربية المُرشحة لجوائز عالمية …

في حبكة درامية تنم عن ذكاء حاد ووعي بالأمور .. ربط كاتب فيلم “”إبن”” قصة إنهيار سعادة عائلة في دقائق معدودة .. ربطها بثورة تونس عام 2011 والتدهور الذي تبعها بعد دخول الإسلاميين على الخط .. وتخطى حاجز تونس ليرينا فاجعة إنهيار ليبيا ونتائج الحروب من فقر مقدع وإنهيار اخلاقي هدفه الربح المالي فقط دون مراعاة لأي قيم أخلاقية ..

إبن .. الفيلم الأول للشاب التونسي مهدي بارساوي .. القصة تبدأ بأسرة متوسطة الحال مكونة من أب وأم وإبنهما ذا العشر سنوات .. مستمتعين ببعضهم البعض .. تبدو سعادتهم كصورة أمل بمستقبل أفضل بعد الثورة وترقية الأم في عملها . رغم أنهم من المستفيدين ماديا من النظام السابق .. فجأه وبدون سابق إنذار يُصاب إبنهم برصاصة عشوائية في تبادل إطلاق نار بين الجنود وإسلاميين ؟؟؟؟

وتبدأ معهم سلسلة الفواجع التي تنتقل من فاجعة لأخرى في ترابط مذهل مع مواضيع الخلل القيمي والأخلاقي في المجتمعات العربية .. بحيث تشد المشاهد للمتابعة والعيش مع الأسرة قلبيا وعقليا بداية من عملية إنقاذ الطفل المؤقته .. لأنه بحاجة لزرع جينات مماثلة لكبده الذي إضطر الطبيب لإستئصال ما يقرب 80% منه .. والبحث عن كبد من جينات مماثلة. الأمر الذي ومن خلاله يكتشف الطبيب بأن الصبي ليس بالإبن الحقيقي لوالده .. وتبدأ عملية صراع الأم في أمر أخفته عن زوجها طيلة هذه السنين برغم علاقتهما القوية والسعادة التي يتشاركون فيها .. ومع عدم وجود أي وسيلة اخرى لإنقاذ الطفل خاصة وأن الثقافة الإسلامية لا تُشجع التبرع بالأعضاء .. تبدأ الأم في البحث عن الأب الحقيقي .. بينما يُصارع الأب المخدوع مشاعرة في هل يستطيع غفران خطيئتها .. نعم هو مر بعدة نزوات عاطفية قبل الزواج ولكنه كان صادقا وأخبرها بكل تلك النزوات .. ولكنها كذبت وخدعته .. وربى طفل ليس من صلبه في مجتمع ذكوري بإمتياز يُحرم عدم إنتساب الطفل لأبيه ؟؟؟؟ مجتمع سنظر إليه كأحقر وصف للرجال .. ديوّث ؟؟؟؟؟

ومن هنا تبدأ عواصف الدراما .. في بحر هائج تتلاطم أمواجه مع المشاعر .. والأخلاق .. والقيم .. فمن الذي سينجو .. الشخص بلا قيم .. أم الإنسان بكل المشاعر والأخلاق والقيم .. ؟؟؟
هل يغفر لها نزوتها ؟؟؟ هل سيتقبل فكرة تربية طفل ليس من صلبه .. هل يستمر في عملية البحث عن كبد لإنقاذه ؟؟؟؟ هل سيبقى إبنه أم سيبقى يُذكرة بخطيئتها ؟؟ وما ذنب هذا الطفل ؟؟؟؟؟

كلها أسئلة تضعنا جميعا أمام مرآة الخداع التي إعتدنا عليها ..برغم الألم الساحق الذي يعتريه من خيانتها .. هو رجل شرقي حتى وإن عاش في باريس وتعلّم هناك .. وبرغم مظهرها الخارجي في ملابسها .. التي تُعتبر مظهر التحضر في هذه المجتمعات .. إلا أنها تبقى إمرأة شرقية. إمرأة شرقية تحمل مفتاح شرف الرجل .. حملت سفاحا .. وهناك تُجار الأعضاء الذين لا هم لهم سوى الحصول على المال .. حتى مع التضحية بأعضاء أطفال نتيجة حرب شردتهم وحرمتهم من ذويهم .. هل هو الفقر أم الجشع ؟؟؟؟ ثم وعلى قمة هذه الأسئلة .. الفاصل الأخلاقي الذي وضعه الأب الحقيقي حين نجحت في الإتصال به .. ورفض مساعدة إبنه الذي هو من صلبه ..؟؟؟؟ فهل الأب فقط في الجينات .. أم في التربية والمحبة ؟؟؟؟؟

الفيلم هو الأول لكاتبه ومخرجه مهدي بارساوي .. رائع ويبشر بظهور لنابغة في السينما العربية .. لأنه وضع إصبعة على العديد من جروح المجتمعات العربية التي تتلحف بالتدين والأخلاق, بينما ينخر الفساد بُنيتها الأخلاقية .. خلال تفتيت عظام أبنائها وبناتها في عملية تقية مزيفة .. تأكل الحاضر ولا تبشر بمستقبل ..
الفيلم يستحق المشاهدة من كل إنسان عربي .. ويستحق أرقى الجوائز ..

أحلام أكرم

About أحلام اكرم

كاتبة فلسطينية تهتم بحقوق الانسان منظمة بصيرة للحقوق الإنسانية سعدت كثيرا حين وجدت مقالاتي منشورة على منبر المفكر الحر .. ولكن ما أود أن ألفت إنتباه المرحرر والقراء وللصدق فقط بانني وإن كنت أعتشق مصر وأكن الكثير من الحب والإحترام لمصر ولشعبها الكرام .. ولكني لا ولن أتنكر لأصولي الفلسطينية .. فأنا من أصل فلسطيني .. درست وتخرّجت من جامعة الإسكندرية .. وإن ندمت على شيء فهو عدم معرفتي أو علمي بما تحمله الإسكندرية من تاريخ عريق قرأت عنه في كتب الأستاذ يوسف زيدان .. أعيش منذ سنوات كثيره في لندن .. فيها تعلمت الحب .. والإنسانية والحياة .. ولكني لم أغلق عيني وأذني عن رؤية الجوانب السلبية أيضا في الثقافة الغربية .. وبكن تحرري وتحريري من العبودية التي شلّت تفكيري لزمن طويل .. هو الأساس الذي ثني على الكتابة علّني أستطيع هدم الحواجز بيننا كبشر .. وهي الحواجز التي إخترقتها حين إستعدت إنسانيتي وأصبحت إنسانة لا تؤمن بالحواجز المصطنعه .. وأروّج للحقوق العالمية للمرأة .. مع شكري العميق للمفكر الحر .. وتقديري للقراء ..
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.