الفصل الأخير من المسرحية الامريكية ـ الايرانية

علي الكاش

بعد إنسحاب القوات الأمريكية من الملف النووي الإيراني، وفرض العقوبات الإقتصادية على النظام الإيراني، واشتداد وتيرة الحصار، صاحبت هذه العقوبات تهديدات من قبل الرئيس ترامب ووزير خارجيته بأن الإعتداء على القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة سيواجه بضربات عسكرية مباشرة، من ثم تتابعت التهديدات لتشمل الإعتداءات على الدول الحليفة للولايات المتحدة أي دول الخليج العربي، وقلنا بأن هذا الرئيس حدي للغاية ويختلف عن الرئيس السابق اوباما الذي جرد الولايات المتحدة من هيبتها وذعن للمطالب الايرانية، ومدد حياة النظام الايراني على حساب حلفائه في منطقة الخليج العربي.
لكن الذي جرى مؤخرا قلب المعادلة رأسا على عقب، ففي البداية قامت القوات الإيرانية بتدمير ناقلتي نفط عملاقة في خليج عمان والفجيرة، وتلاها هجوم طائرات مسيرة انطلقت من مدينة البصرة على المنشئات النفطية السعودية، وهجوما آخر على ناقلتي نفط احدهما يابانية في الوقت الذي كان رئيس وزراء اليابان في زيارة لطهران لنزع فتيل الحرب، ومع كل هذه الإعتداءات لم ترد الولايات المتحدة على الإعتداءات الإيرانية.
قلنا مع أنفسنا لننتظر فربما وراء الأكمة ما ورائها، فالإعتداءات وقعت على حلفاء امريكا وليس على قواتها ومصالحها، على الرغم من تصريحات الإدارة الامريكية السابقة حول حماية مصالح الدول الحليفة لها.
ثم توالت الأحداث سيما في العراق فقد تعرّضت قواعد أميركية في العراق، خلال أسبوع واحد لهجمات صاروخية من قبل الميليشيات العراقية التي سبق أن اعلنت عن إستعدادها لمحاربة الولايات المتحدة في العراق وإشعال المنطقة، وتعرضت القاعدة الأمريكية في منطقة (بلد) الى ثلاثة قذائف مورتر ايرانية الصنع، واستُهدف معسكر التاجي بقنابر هاون 120ملم، وهو يضم فريق مستشارين أميركيين ووحدة صيانة دبابات إبرامز وعربات هامفي، وتلاه سقوط صاروخ على مجمع القصور الرئاسية في الموصل حيث تتواجد قوات امريكية بصفة مستشارين عسكريين يعملون مع اللواء الأول في الجيش العراقي، ويضم أيضاً منظمة اوربية للمساعدة لنزع الألغام. وبعدها استُهدف موقع عمليات نفطية متقدم في حقول الزبير النفطية غربي البصرة، يضم مهندسين من شركتي (شل) و(إكسون موبيل) الأميركيتين، مما حدا بالولايات المتحدة الى سحب (400) مهندس وعامل في الشركتين.


كل هذا ونحن ننتظر الرد الأمريكي الصاعق لوضع حد للإعتداءات الايرانية وميليشياتها العراقية وحلفائها في سوريا ولبنان واليمن، فقد شملت هذه المرة القوات الامريكية ومصالحها في المنطقة وليس الدول الحليفة لها فحسب، لقد توضحت الأمور للرئيس ترامب، ولا يمكن له ان يغض النظر عن هذه الإعتداءات السافرة والا صارت هيبة الولايات المتحدة تحت مداس المرشد الأعلى، وسيضحك الرئيس الكوري الشمالي والمرشد الأعلى على خامنئي والرئيس بوتين، والرئيس اوردغان طويلا على ضعف الرئيس ترامب، فالأعداء أيضا يتربصون ردة الفعل الأمريكية لتقدير الحسابات، وان كانت ستمثل الضوء الأحمر لهم او الضوء الأخطر لتقدير قوة الولايات المتحدة من خلال ردة فعلها، وزيادة نبرة التحدي عندهم للولايات المتحدة.
قلنا هذه المرة سينفذ الرئيس الأمريكي ضرباته العسكرية مع أي إعتداء ايراني جديد، من المؤكد إن صبره قد نفذ، وجاءت الطامة الكبرى عندما أسقط الحرس الثوري الإيراني طائرة استطلاع امريكية بدون طيار قيمتها اكثر 120 مليون دولار بصاروخ (أرض- جو)، في الخليج العربي، تدعي ايران انها انتهكت مياهها الإقليمية، بينما تصر واشنطن على أن الحادث وقع في المياه الدولية. المهم في هذا الأمر إن الإدارة الامريكية انكرت الحادث في البداية وهذا أمر لا يليق بدولة عظمى، ولكن بعد قيام الحرس الثوري ببث افلام تصور الحادثة والعثور على هيكل الطائرة، إعترفت الإدارة على إستحياءا بسقوط طائرتها المسيرة.
إذا ستكون الضربة القادمة حتمية، فقد وصل السيل الزبى، ولا بد من وضع حد للعنجهية والغطرسة الايرانية تجاه اقوى دولة في العالم، ومن المؤكد إنها ستوجع النظام الإيراني، وتلقنه درسا لا ينسى، وفعلا قرر الرئيس ترامب إستهداف ثلاثة مواقع إيرانية، وقبل شن الهجوم بعشرة دقائق أوقف العملية بدعوى انها ستعرض حياة (150) ايرانيا الى الموت، وأردف قائلا” لا أريد قتل (150) ايرانيا، ولنجعل ايران دولة عظيمة من جديد”! يا اللهي ما هذا؟
كيف أحصاهم ترامب وهم على الأرض، وكيف ان هذا الرقم غير قابل للزيادة والنقصان بفعل حركة البشر؟ هذا ما لم يحدده الرئيس الأمريكي للرأي العام، وربما هذه هي المرة الأولى في تأريخ حروب الولايات المتحدة التي تحسب فيها حسابا للبشر، وطالما ان المنئشات عسكرية، فبالطبع ستكون هناك خسائر بشرية. الحنان المفاجيء للرئيس ترامب على القوات الإيرانية جعلنا في دهشة وحيرة في امرنا، في العراق وسوريا وغيرها لن تحسب الإدارة الأمريكية أي حساب للمدنيين وليس العسكريين فحسب، بل ذكرت اولبرايت حينها بأن قتل نصف مليون طفل عراقي ثمن عادي، فما أصل هذه الحنان والرفق المفاجئين. والأدهى منه ان الرئيس ترامب أعطى العذر للقوات الإيرانية لأن من اسقاط الطائرة كان عن طريق الخطأ حسب تعبيرة! يا لخيبتك يا رئيس اكبر دولة في العالم، ولا نقول اعظم، لأن حسابات الأقوال ليست كحسابات الأفعال.
مقابل الحنان والرفق الأمريكي تفاجئنا بمثيلة من قبل القوات اللإيرانية، فقد زعم الحرس الثوري إنه إمتنع عن إسقاط طائرة امريكية مرافقة لطائرة الإستطلاع التي إسقطوها لأن فيها (35) جنديا امريكيا!
تبادل عواطف إنسانية من أوحش الأنظمة في العالم، هل كانت هدنة اسد أم لعب قرود؟
لا نفهم كيف حسبوا عدد الجنود وهم في السماء، ولا نفهم كيف حسب الرئيس ترامب (150) الجنود الايرانيين وهم على الأرض، كإنها حرب منجمين وفتاحين فال.
المثير في الأمر ان الرئيس ترامب لم يغضب على الإعتداءات الإيرانية على الناقلات في الخليج العربي، ولا يهمه مضيق هرمز ولا مصلحة حلفائه في المنطقة ولا نفطهم كما إدعى سابقا، فقد صرح” إن غضبي على طهران هو بسبب برنامجها النووي، وليس بسبب الهجمات التي نُسبت إليها مؤخرا في خليج عمان”. (لاحظ كلمة نُسبت! لكن من نسبها اليست إدارتك؟ تذكر الدرس يا رئيس، من صور تقرب قارب ايراني من ناقلة النفط لنزع لغم بحري لم ينفجر!)، وأضاف” انا غير مهتم بالمضيق”، مبررا ان النفط المار عبر مضيق هرمز يذهب الى الصين والبقية الى اليابان واندنوسيا”. وعلى هذه الدول ان تحمي ناقلات النفط، وليس إدارته.
كإننا نشهد افلام توم وجيري وليست حربا بين بلدين.
الأيام القادمة ستبين لنا الحقائق وتكشف اللعبة الامريكية الإيرانية، لكن يبدو ان الشياطين لا تختلف فيما بينها، فهم حلفاء وإن ظهروا خلاف ذلك، الغرض من هذا الخلاف الظاهري هو إستغفال الدول وإبتززازها. وإلا ما الغرض من سياسة ترامب في جعل ايران تظهر بمظهر الأسد وهو يظهر بمظهر الفأر، علما ان التصريحات الإيرانية ما تزال قوية وحادة تجاه الإدارة الامريكية، فقد صرح قائد البحرية الأميرال حسين خانزادي ” لقد شهد الجميع إسقاط الطائرة المسيرة، بإمكاني التأكيد لكم أن هذا الرد الصارم يمكن تكراره والعدو يعرف ذلك”.( وكالة تسنيم للأنباء في 24/6/2019).
كيف نفسر تناقض الأقوال عند الرئيس الأمريكي؟
1. هل الغرض من الموقف الأمريكي الباهت ابتزاز دول الخليج العربي، ودفعها لشراء المزيد من الأسلحة، وتعزيز ترسانتها الحربية لمواجهة ايران، على إعتبار ان البعبع الايراني عجز عنه المارد الأمريكي؟
2. هل هي دعوة ترامبية الى ايران لممارسة المزيد من الإرهاب والإعتداء على الناقلات النفطية في الخليج العربي، والتمدد الى خارج محيطها عبر الحرس الثوري والميليشيات التابعة لها؟
3. هل السبب وراء توقف ترامب عن ضرب ايران حسابات الإنتخابات القادمة، وهو لا يرغب بدخول الحرب قبلها؟ لكن ربما سيخسر الكثير من الأصوات بسبب تردده والإنتقاص من هيبة ومكانة الولايات المتحدة، المواطن الأمريكي يشعر بنفسه كإنه السوبرمان، وقد نزع ترامب عنه هذه الصفة.
4. هل الغرض من عدم رد رامب هو رمي الطعم للولي الفقية لكي يتمادى في عدوانه على المصالح الامريكية وحلفائها، وبذلك يمكن للرئيس ترامب أن يكسب الدول الأوربية ويحشد دول العالم ضدها للقيام برد عسكري فاعل 1د ايران؟
5. هل فهمت دول الخليج العربي الدرس؟ بلا شك إن سكوتها المريب جعل النظام الإيراني يتمادى في غييه، ولو كانت ردة الفعل الخليجية بنفس قوة الفعل الإيراني، لفهم النظام الإيراني الدرس جيدا.
عسى أن تتخذ دول الخليج من هذا الدرس عبرة، فعلا في السياسة لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون.
كلمة أخيرة
صحيح ان العقوبات الجديدة على المرشد الأعلى والمقربين له مهمة، لكنها أدنى بكثير من الضربة العسكرية، وتأثيرها معنوي اكثر منه اقتصادي، فالنظام الإيراني له منافذ عدة عبر تركيا والعراق، ومن العراق الى سوريا ولبنان، مما يخفف من وطأة الحصار الامريكي عليه. كما ان العراق يزود ايران بالعملة الصعبة من خلال مزاد العملة الذي تهيمن عليه شركات تعمل لصالح الحرس الثوري الايراني، فهل يعرف الرئيس الامريكي هذا الأمر؟ ولماذا الإصرار على مزاد العملة رغم كل الإعتراضات عليه من قبل النواب والخبراء؟

علي الكاش

About علي الكاش

كاتب ومفكر عراقي . لدي مؤلفات سابقة وتراجم ونشرت ما يقارب 500 مقال ودراسة. لدي شهادة جامعية في العلوم السياسية واخرى في العلاقات الدولية شاركت في العديد من المؤتمرات الدولية لدي خبرة واسعة جدا في الكتب القديمة والمخطوطات
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.