** الفحمة محروقة **_

المعارضة السورية

Bassam Yousef

** الفحمة محروقة **_
عندما أنهى والدي الصف الخامس الابتدائي، وكان يومها الصف الخامس هو نهاية المرحلة الإبتدائية، توقف عن الدراسة ، فلم يكن بإمكان جدي أن يتحمل تكاليف استئجار غرفة في قرية أخرى، إذ لم تكن قريتنا في ذلك الوقت تنعم بوجود مدرسة إعدادية ، وهكذا غادر والدي المدرسة مبكرا .
ولم يكن أمامه إلا أن ينتظر بلوغ الثامنة عشرة من عمره كي يركب البوسطة اليتيمة التي تصل إلى قريتنا ويذهب الى اللاذقية ليتطوع في الجيش العربي السوري، وهكذا أمضى سنواته في الجيش متنقلا من منطقة لأخرى بدءا من اللاذقية وحتى بحيرة طبريا، ليختتمها مصابا في حرب 1967 ويخرج بعدها محالا على التقاعد.
كان اختصاصه في الجيش ” تسليح “، وتحديدا صيانة الرشاش المضاد للطيران ذو السبطانات الأربع او مايعرف بال (م.ط 14,5 ).
عدنا لنعيش في القرية بعد إصابة والدي ، ولأن أمي التي لم تعرف المدرسة أبداً كانت ترى في أن من يعرف إصلاح ال “م.ط 14.5” قادر على إصلاح أي شيء آخر في العالم ، وبناء عليه ورطت أبي يوما بإصلاح راديو جارتنا ، إذ تعطل الراديو فجأة ..وكان الراديو حينها أهم بكثير من الإنترنت هذه الأيام ودخلت جارتنا في حالة اكتئاب شديدة وشكت همها لأمي ، وبدورها أمي انتخت ودقت على صدرها : ولوووو يا أم حسن جيبيه لأبو بسام بيصلحلك ياه …..
فنجرت أم حسن عينيها متسائلة بدهشة : هلق خيي بو بسام بيعرف يصلحوا ؟؟!.
وردت أمي بثقة : ياخيتي كان يصلح مدافع ع الجبهة …. شحاري المدفع بيجي قد الراديو مية مرة .


وافقت أم حسن وأسرعت بإحضار الراديو … وعندما عاد أبي مساء وجد نفسه في ورطة، فهو لم يفك راديو في حياته، لكن لحسن حظه، أو سوء حظه ، فقد كانت مشكلة الراديو بسيطة جدا ، إذ فرغت شحنة البطاريات داخل الراديو ، واشترت أم حسن بطاريات جديدة لكنها وضعتها بطريقة خاطئة ، وعندما أعاد أبي وضعها بشكل صحيح اشتغل الراديو ….
غادر أبي صباحا بعد أن نبّه أمي أن لاتورطه مرة أخرى فهو لايعرف شيئا عن الراديو ولا عن صيانته … لكن أم حسن ودعواتها التي ملأت الحارة جعلت من أبي مصلح الراديوهات الأول في العالم، ومن يومها اكتظت طاولة بيتنا الموضوعة في زواية الغرفة بالراديوهات التي تنتظر إصلاحها.
كان أبي يكتفي بالتأكد من وضع البطاريات أولا، ثم يفتح الراديو لينظر ان كان هناك أي سلك مقطوع فينقّله من مكان لآخر حتى يعرف اين كان موصولا ، فيعيد وصله، أما ماتبقى من أعطال لا يفهمها، ولا يعرف إصلاحها، فكان مردّها كلها لسبب وحيد: (الفحمة محروقة).
ذكرتني قصة والدي وخبرته في صيانة الراديوهات بجهابذة المعارضة اللي من سنوات بيحللوا وبيحكوا ساعات ليخبرونا في النهاية أن ….. ( الفحمة محروقة ).

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.