الغلبة الدينية والعنصرية وانهزام الوطن …

ربا منصور :

ربا منصور :
هناك من يقول بأن العرب أو عرب الجزيرة ورثوا الهلال الخصيب, الذي هو نفسه سوريا الكبرى او المكون الرئيسي لبلاد الشام ,واهل بلاد الشام اقرباء ومن نفس العرق البدوي ,لذلك يحق لعرب الجزيرة وراثة بلاد الشام بعد فتحها فتحا مبينا , لقد حرروها وحضروها , وهي الآن تقود التحضر في العالم كما ترون .
لم يكن هناك مايعرف بالهلال الخصيب , هذه التسمية تخص عالم الآثار الأمريكي جيمس هنري برستد , والتسمية ليست المشكلة , المشكلة تتعلق بمفهوم الارث , فالارث هو بقية الشيئ بعد موت مالكه ,وذلك لأقربائه , هذه المواصفات لاتنطبق على وراثة عرب الجزيرة للهلال الخصيب أو بلاد الشام , فعندما أتى عرب الجزيرة قبل مايقارب ١٤٠٠ لم تكن بلاد الشام ميتة بشريا , لم يتعامل عرب الجزيرة مع بلاد الشام وأهل بلاد الشام كورثة وأقرباء , انما كأعداء يجب فتح بلادهم ,ولا يحق للبدو أصلا وراثة بلاد الشام , لأن أهل بلاد الشام كانوا في ذلك الوقت أحياء.
جاء عرب الجزيرة الى بلام الشام بالسيف ,واحتلوا بلاد الشام بالسيف , وحكموا بلاد الشام بالسيف وغيروا عقول وانتماء أهل بلاد الشام بالسيف أيضا , انه احتلال سموه غزوة من منطلق بدوي , فالبدو لم يمارسوا في حياتهم سوى الغزو , وسمي فتح من قبل الاسلام , وذلك لاضفاء شيئ من القدسية والجبرية على الاحتلال , الله أمر بنشر الرسالة لذلك كان الاحتلال ضروري , والفتح المتضمن للتملك والقدسية ضرورة أرثية , الله أمر بتغيير ديانة أهل بلاد الشام انطلاقا من اعتبار الاسلام هو دين الله , والله أراد أن يتحول المسيحي في بلاد الشام الى مسلم , وهكذا كان الأمر, فان كان ذلك نهبا واستعمارا, فالله هو الناهب المستعمر المستبد .
العرب ليسوا الا عزاة على الأقل حسب تعريفهم وتسميتهم للعملية , لقد كانت “غزوة”, وللغزو في الجزيرة العربية مدلولات تتسم بالانقضاض على الشيئ عنوة ثم سلبه واعتباره ملكا له , انه مفهوم غنائم الحرب الشنيع ومفهوم الحق البدوي المنحط , والأشنع من ذلك كان مفهوم التحرير , فقد حرر عرب الجزيرة بلاد الشام من المحتل الفارسي -الروماني , الا أن عرب الجزيرة لم يرحلوا بعد تحريرهم لبلاد الشام !! , انما بقوا بسيفهم المسلط على رقاب الناس حتى عام ١٩١٨ , الحلفاء حرروا بالفعل بلاد الشام من الاستعمار العثماني , ورحلوا بعد فترة قصيرة نسبيا , ولو لم يرحلوا لكان من المنطقي اعتبارهم محتلين وفاتحين وارثين ومتملكين , وبادعائهم تحرير البلاد منافقين , فاستبدال استعمار بآخر ليس تحريرا , والكارثة الأعظم كمنت في كون الاستعمار الجديد أسوء من القديم بدرجات .


كل احتلالا مرفوض , وكون الاستعمار أحيانا كالقدر , الذي لايترك لشعب المستعمرة سوى الخيار بين مستعمر وآخر , لذلك لو طلب من الانسان السوري أن يختار بين الاحتلال العربي -العثماني وبين الانتداب الفرنسي , فسيكون خياره للانتداب الفرنسي , الذي تميز بالعديد من الايجابيات النسبية مقارنة باحتلال الخلافة لبلاد الشام .
تغير الموقف وتغيرت النظرة بخصوص الاحتلال أو الانتداب الفرنسي , هناك الآن من يأسف لرحيل فرنسا , فما قامت به دولة الانتداب من الانجازات الايجابة , طبعا الى جانب السلبيات , خلال ٢٥ سنة لايقارن بما قامت به الخلافة خلال ١٤٠٠ سنة.
من يسكن الآن بلاد الشام المكونة من كيانات أو دولا تأسست في القرن الماضي , هم شعوب بلاد الشام بغض النظر عن أصلهم وفصلهم , ففي اطار الدولة هناك المجتمع السوري أو العراقي ..الخ وفي كل مجتمع من هذه المجتمعات هناك شعوب متعددة محتضنة من قبل الدولة التي سميت الدولة السورية أو الدولة العراقية , وفي هذه الدولة السورية لاوجود لما يسمى مكون أساسي , فالاعتراف بمكون أساسي يتلازم حتما مع وجود مكون غير أساسي أو ثانوي , وما هو تعريف حالة المجتمع في دولة يعيش بها مواطن أساسي الى جانب مواطن ثانوي أو غير أساسي ؟؟؟انها العنصرية التي لايمكن لها الا أن تدمر الدولة المعنية بالأمر , وفعلا تدمرت هذه الدولة على يد العنصرية الدينية التي تقول بغلبة المسلمين , والقومية التي تقول بغلبة العنصر العربي.
اندثار هذه الدول أو مشاريع الدول كان حتمي لعدة أسباب , منها مفهوم الغلبة أي الهيمنة المشرعنة رقميا , فمفهوم الدولة الحديث لايستقيم الا مع مفهوم المواطنة , ولا وجود لمفهوم المواطنة في ظل مفهوم الغلبة القديم والأقدم من مفهوم الدولة , لايقتصر مدلول مفهوم الغلبة الدينية أو القومية على العامل الرقمي , فأهم مايتضمنه هذا المفهوم هو شرعنة الهيمنة سياسيا , بوسائل غير سياسية , فالدولة هي كيان ومشروع سياسي , , والأكثرية المذهبية ليس أكثرية سياسية ,كما أن الأكثرية العرقية القومية ليست أكثرية سياسية .
تتمثل الاشكالية باختصار بمحاولة تأسيس دول بوسائل بدوية قبلية عشائرية , والنتيجة كانت تحول هذه الدول المتواجدة في طور التأسيس الى قبائل وعشائر تناسب الوضع الحالي مع المقدرات المتوفرة ومع الطور الحضاري .
يبدو وكأنه لامقدرة لهذه الشعوب على ممارسة المواطنة في اطار الوطن -الدولة , مع منظومة القبيلة وزعامتها التوريثية تتواجد الشعوب في انسجام كامل , شعوب وقفت في الصراع بين القبيلة والدولة الى جانب القبيلة , وبالتالي فشلت عملية الانتقال الى الدولة ,والغي مفهوم المواطنة , الذي استبدل بمفهوم التبعية,لم تتمكن الشعوب من الانتقال من مفهوم الحماية الى مفهوم الرعاية , لقد سمح للقبيلة أن تبتلع الدولة وتخضعها لقيمها ومفاهيمعها ومعاييرها من الولاء القبلي المفرط ثم الجمود الفكري والنفور من القانون واالضدية للحداثة, ولماذا عندئذ العجب من اندثار الدولة ؟؟؟؟ ؟,

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.