العنف المقدس

منذ الحقبة المحمدية والى الأن ، شهد الحكم الأسلامي – دول وممالك ومنظمات أرهابية التي تعمل تحت راية وكهنوت الأسلام ، ثقافة في القتل الوحشي / من صلب وحرق وذبح .. ، ليس لها من سبب منطقي ، ولكن فقهاء الأسلام وشيوخه ، ينسبوها الى آيات بحد ذاتها ، أو يقرونها بأحاديث لرسول الأسلام ، أو بما يخترعونه من فتاوى تتفق مع الحدث ، أو يسندون هذه الأعمال لسوابق تاريخية أسلامية معينة.. هذا ما سأبحثه في هذا المقال ، مستعرضا بعضا من هذه الأفعال الوحشية التى تمت تحت مظلة العقيدة الأسلامية مصنفة ب ” العنف المقدس ” ، ثم سأسرد قراءتي الخاصة لها .

الموضوع : أولا – النصوص القرآنية ، تحث بعضها على عدم الأعتداء على الأخرين ، ألا في حالة الدفاع عن النفس ، وسأعرض بعضا منها مع تفاسيرها : ” لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) / سورة الممتحنة ” ، وأنقل تفسيرا لهذه الآية – وفق أبن كثير / من الموقع التالي :
quran.ksu.edu.sa › sura60-aya8
))” وقوله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ) أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ، كالنساء والضعفة منهم ( أن تبروهم ) أي : تحسنوا إليهم ( وتقسطوا إليهم ) أي : تعدلوا( أن الله يحب المقسطين “. وآية ” وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) / سورة البقرة ” ، وتفسيرها وفق الطبري ” قال أبو جعفر : اختلف أهلُ التأويل في تأويل هذه الآية . فقال بعضهم : هذه الآية هي أول آية نـزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك . وقالوا : أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين ، والكف عمن كفّ عنهم ، ثم نُسخت ب” براءة (( “. ولكن كعادة النصوص القرآنية يقال أن الآية نسخت ، حيث يستكمل الطبري تفسيره للآية ، ويقول (( حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب .. قال ابن زيد في قوله: ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ” إلى آخر الآية ، قال : قد نسخ هذا ! وقرأ قول الله : ” وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً / سورة التوبة: 36 ” ، وهذه الناسخة ، وقرأ : ” بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حتى بلغ : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ / سورة التوبة: 1-5. ” )) . من التفاسير السابقة نلحظ تخبطا في التأويل والتفاسير يوقع المتلقي في حيرة ، هل يعتدي أم لا يعتدي !! ، ثم يأتي النص التالي لينهي أي شك ، وهو النص الأكثر عنفا ” فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)سورة محمد “. * أن فقدان الرؤية التحليلية الواضحة والجلية للنصوص القرآنية هي أحد مسببات خلق ما يسمى ب ” العنف المقدس ” .

ثانيا – بدأ العنف المقدس في ظهوره على العلن ، عندما ربط الأمر بشخص رسول الأسلام ، وذلك وفق وقائع معينة ، منها مثلا : غزوات الرسول ، والتي لم تكمن دفاعية ( وقد ثبت في صحيح البخاري أنّ زيد بن أرقم سُئِلَ عن عدد غزوات النبي : قال : تسع عشرة ، قيل : كم غزوت أنت معه ؟ قال : سبع عشرة ، قُلْت فأيهم كانت أول ؟ قال : العشير أو العسيرة ، فذكرت لقتادة فقال : العشيرة / نقل من موقع موضوع ) . وفي الحقبة المحمدية مورس أيضا هذا العنف بشكل مريع : كقتل أم قرفة ( التي كانت تؤلب على الرسول فأرسل في السنة السادسة للهجرة زيد بن حارثة في سرية فقتلها قتلا عنيفا ، فقد ربط برجليها حبلا ، ثم ربطه بين بعيرين حتى شقها شقا . وكانت عجوزا كبيرة ، وحمل رأسها إلى المدينة ونصب فيها ليعلم قتلها / نقل من موقع أسلاميات ) . في هذه الواقعة نلحظ أن التعرض لرسول الأسلام هو مسا بالمقدسات ، فيجابه بأعنف رد ! ، بالرغم من أن الله يصف محمدا ب ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)/ سورة الأنبياء ” . كذلك الرسول كان قضاءه أو جزاءه عنيفا أو حكمه ، وأسرد حادثة تؤكد ذلك ، وردت في موقع / الأسلام سؤال وجواب ( ما رواه البخاري ومسلم عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : ” قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ بِلِقَاحٍ ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ، فَانْطَلَقُوا ، فَلَمَّا صَحُّوا ، قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ ، يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ ) . أما تصفية يهود بني قريضة ، فهي حادثة لا يمكن أن تغفل تاريخيا ! ، وكانت بتحكيم سعد بن معاذ ، أنقل الحدث بأختصار من موقع / قصة الأسلام ( .. أمر بني قريظة أن ينزلوا من حصونهم وأن يضعوا السلاح ففعلوا ، ثم قال : ” إني أحكم أن تُقتل مقاتلتُهم وتُسبَى ذريتُهم وأموالهم” ، فقال رسول الله : “حَكَمْتَ فيهم بحُكْمِ اللهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ” ! فقتل رجالهم ، وسبي نساءهم وذراريهم ، ومَن لم يُنبِتْ من أولادهم ن ولاقى بنو قريظة أسوأَ مصير على أفظع خيانة.. ) ، وذات الموقع يطرح تساؤلات حول تصرف الرسول ، ويعطي حلولا على سبيل الجدل ( وهنا يحلو للبعض أن يتقوَّلوا على الإسلام وأن يتطاولوا على تصرف الرسول ومعاملته لبني قريظة ، ويعتبروا أن معاملته هذه لهم تتسم بالوحشية والقسوة ، وأنه كان من الممكن أن يُعاقَبوا بأي عقاب آخر كالإجلاء أو النفي.. ) .

ثالثا – ومن موقع / طريق الأسلام ، أنقل الواقعة التالية ، وهي من بواكير الحقبة المحمدية ، عن حرق أحد المرتدين ( أخرج الطبراني عن معاذ وأبي موسى أن النبي أمرهما أن يعلما الناس ، فزار معاذٌ أبا موسى فإذا عنده رجل موثق بالحديد فقال يا أخي أو بعثت تعذب الناس إنما بعثنا نعلمهم دينهم ونأمرهم بما ينفعهم فقال أنه أسلم ثم كفر فقال والذي بعث محمدًا بالحق لا أبرح حتى أحرقه بالنار ، فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها ) . هذا العنف المسند بوقائع من الحقبة المحمدية ، مورس أيضا في زمن الخلافة الراشدة ! ، فهذا الخليفة أبو بكر الصديق يقوم بحرق الفجاءة (( قاله ابن اسحاق ، وقد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة ، وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم ، وسأل منه أن يجهز معه جيشا يقاتل به أهل الردة ، فجهز معه جيشا ، فلما سار جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد الا قتله وأخذ ماله ، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشا فرده ، فلما أمكنه بعث به إلى البقيع ، فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط . / نقل من كتاب أبن كثير – البداية والنهاية ، الحوادث الواقعة في الزمان ووفيات المشاهير والأعيان سنة 11 هجرية – أبو بكر يقتل الفجاءة – الجزء : ( 9 ) – رقم الصفحة 456 )) .. وفي لقاء تلفزيوني مع أبراهيم عيسى ، يقول المفكر العلماني سامح عسكر : أن الفقه الأسلامي يجيز حرق الأحياء ، حيث يقول الإمام ابن حجر: “ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة فقد حرق أبو بكر البغاة بالنار ، وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسا من أهل الردة وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها…( فتح الباري 6 / 150) ” . * وهذه الواقعة جددت في عام 2015 عندما حرقت داعش الطيار الأردني معاذ الكساسبة في 3.1.2015 .

رابعا – واقعة نهر الدم / أليس ، وهي مذبحة نفذها خالد بن الوليد في صفر عام 12 هجرية ، ذبح بها بن الوليد عشرات الألاف من الأسرى معظمهم من المسيحيين ، وأنقل ملخصها من / موقع مداد – مقال ل شريف عبد العزيز ( لم يطل الأمر كثيراً حتى انتصر المسلمون انتصاراً باهراً ، وأمر \’خالد\’ بإمساك الأسرى ، وأخذهم جميعاً عند نهر \’أليس\’ ، وسد عنه الماء ، ومكث يوماً وليلة يضرب أعناقهم ، حتى يجرى النهر بدمائهم وفاءً بنذره لله ، ومع ذلك لم يجر النهر بدمائهم ، فقال له \’القعقاع بن عمرو\’ : \’لو أنك قتلت أهل الأرض جميعاً لم تجر دماؤهم – ذلك لأن الدم سريع التجلط كما هو معروف طبياً – فأرسل الماء على الدماء ، يجرى النهر بدمائهم\’ ففعل \’خالد\’ ذلك فسمى النهر من يومها \’نهر الدم\’ وقتل يومها أكثر من سبعين ألفاً من جنود التحالف \’المجوصليبي\’. ) . وسبب الموقعة وفق موقع / الألوكة – مقال د . محمد منير الجنباز ، هو ( غضب نصارى العرب وهم من بكر بن وائل على ما أصاب العرب من قومهم الذين أعانوا الفُرس ، فنكبوا في معركة الوَلَجَة ، فاجتمعوا في أليس وعليهم عبدالأسود العجلي ، ثمَّ انضمَّ إليهم جابان بجيش كبير من الفرس / أما جيش المسلمين فكان بقيادة خالد بن الوليد .. ) . * ” وفي عام 2014 أعدم عناصر من تنظيم داعش رميا بالرصاص نحو 1700 جندي كانوا قد فروا من قاعدة سبايكر الواقعة قرب تكريت – العراق ، في اعقاب سقوط مدينة الموصل . نقل من موقع / كردستان 24 ” . التاريخ يعيد نفسه بقتل جنود عزل ، وكانوا يقتلون ومن ثم يلقونهم في النهر ، فأصطبغ النهر بدمهم ، والبعض الأخر دفنوا بمقابر جماعية .

خامسا – ومن المذبح التي نفذها الأتراك / بعنف وفق تصفية دينية عرقية ، هما : مذبحة الأتراك للسريان ( مذبحة سيفو ) ” المذابح التي ارتكبت في حقّ السريان ، أي أبناء الكنائس السريانية من الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى على يد تركيا تعد مذبحة “سيفو” مقدمة لمذابح الأرمن على يد الأتراك في نهاية عهد الدولة العثمانية والتي تأتي قبل نحو ثلاثة أشهر من مذابح الأرمن . نقل من / موقع “الاهرام كندا ” . ومن ثم تم تصفية الأرمن من قبل الدولة العثمانية ، فوفق موقع / موسوعة الهولوكوست ، أنقل التالي وبأختصار ” تشير الإبادة الجماعية للأرمن إلى الإبادة الجسدية للشعب المسيحي من أصل أرمني الذين عاشوا خلال فترة الإمبراطورية العثمانية من ربيع 1915 إلى خريف 1916. كان هناك ما يقرب من 1.5 مليون أرمني يعيشون في الإمبراطورية. وتوفي ما لا يقل عن 664.000 وربما ما يصل إلى 1.2 مليون خلال الإبادة الجماعية. لقد أطلق الأرمن على تلك الأحداث (الجريمة الكبرى) أو ( الكارثة ) ” .
القراءة : كل ما ورد من وقائع مريعة ومتوحشة / ذكرت بعضا منها في أعلاه – منذ زمن الحقبة المحمدية ولحد الأن ، أرتبطت أسلاميا ، بحراك تظلل ب ” العنف المقدس ” ، وذلك لأنه أرتبط بموروث أسلامي / نصوص وأحاديث وسنن وفتاوى و .. ، تحث على القتل والعنف المتوحش ، لكن سائل يسأل لم ” مقدس ” ! ، يمكن القول لأن محمدا كان يجمع بين السلطتين الدينية / كرسول ، وبين السلطة الدنيوية / كحاكم أو زعيم أمة ، لذا أسميت ب ” العنف المقدس ” ، فالعقيدة طغت على الحراك . ولكن ما هو وصف الحراك الذي رافق من جاء بعد الرسول ، من خلفاء ، سلاطين ، وأمراء . هنا أرى أن قوتهم في الحكم ، جعلتهم أن يستخدموا ذات التسمية في حروبهم ، وأهمها الفتوحات ، التي قتلوا وأستباحوا بها الأرض والأنسان ، وقد منحوا توحشهم هذا الغطاء الديني . أخيرا أقول أن ” العنف المقدس ” وصمة عار بجبين القادة المسلمين .

About يوسف يوسف

يوسف يوسف كاتب و باحث
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.